أمريكا من الرأسمالية إلى الإمبريالية

مازن كم الماز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1806 )

بعد أن تتحول الحقيقة إلى أسطورة تفقد الحقيقة قيمتها لصالح الأسطورة. هذا ما حدث عندما انتقلت الرأسمالية في أمريكا إلى الإمبريالية فالإمبراطورية. اختفت الحقيقة التاريخية لصالح الأسطورة، أسطورة الحلم الأمريكي.

ما تريده هذه السطور هو استعادة الحقيقة، حقيقة أن الحرب وليست المبادرة الفردية التي تزعم البرجوازية أنها تخدمها لصالح كل البشر هي وراء هذا التحول من الرأسمالية إلى الإمبريالية فالإمبراطورية.. المذبحتان الأكبر في تاريخ البشرية هي التي خلقت الإمبريالية الأمريكية، والحرب الباردة هي التي خلقت الإمبراطورية، ليس في هذه السطور إيديولوجيا، هنا فقط تاريخ دموي غيبته الأسطورة لصالح أسياد العالم الجدد.

“كان البلد قد تعرض إلى أزمة ركود في عام 1914 لكن بفضل المذبحة الجارية في أوروبا بدأت الصناعة الأمريكية في الازدهار كما لم يحدث منذ الحرب الأهلية” ( جون ستيل جوردون، إمبراطورية الثروة، التاريخ الملحمي للقوة الاقتصادية الأمريكية، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى، يناير 2008، ص 315 )..”وسرعان ما أحس وول ستريت بأثر هذا النمو المفاجئ و حقق متوسط مؤشر داو جونز الصناعي أكبر نسبة مئوية سنوية من المكاسب في تاريخه و هي 86 % في عام 1915″ (ص 316 ).. كانت شركة جنرال موتورز ثاني أكبر شركة أمريكية لصناعة السيارات قد انهارت أسهمها بنسبة 39 % في آخر يوم للتعاملات قبل إغلاق بورصة نيويورك للأسهم أبوابها في الأول من أغسطس آب، لتسجل أسهمها ارتفاعا هائلا وصل إلى 81،5 % مع نهاية العام (ص 316)..احتاج الجنود الذين انخرطوا في أكبر مذبحة إنسانية حتى ذلك التاريخ إلى كل شيء، البنادق و المدافع و الذخائر، الخيول والسيارات ومن ثم الدبابات و الطائرات، وكان ذلك كله يحتاج إلى المال..بدأت الحكومات بالاقتراض لتوفر كل ما يلزم لاستمرار المجزرة، كانت أول صفقة عقدتها بريطانيا مع أمريكا بقيمة 12 مليون دولار من الخيول التي اشتدت الحاجة إليها لنقل قطع المدفعية والمؤن والذخائر للجبهة (الأسعار الغالية جدا للخيول في سنوات الحرب كانت وراء إحلال المحراث الميكانيكي محلها على عجل في المزارع الأمريكية في ذلك الوقت).. توقع اللورد كتشنر وزير الحرب البريطاني عند بداية الحرب أن مشتريات الحلفاء من أمريكا لن تتجاوز 50 مليون دولار، لكنها بلغت في نهايتها ما يزيد عن 3 مليارات دولار أي أكثر من إيرادات الحكومة الفيدرالية الأمريكية عام 1916 بأربعة أضعاف.

ومع ارتفاع الإنفاق الحربي البريطاني إلى 5 ملايين جنيه يوميا أصبحت قضية تمويل الحرب معضلة للحكومة البريطانية، و انتهت الأمور بها إلى أن طلبت أول قرض من بنك مورغان الأمريكي بقيمة 500 مليون دولار وهو أضخم قرض بنكي حتى تاريخه، لكن تبين أن هذا كان مجرد البداية فقط، فحتى دخول أمريكا الحرب كان بنك مورغان قد دبر قروضا لبريطانيا تساوي 1،5 مليار دولار وأكثر من ذلك لفرنسا. ومع دخولها الحرب أصبحت الحكومة الأمريكية هي المقرض الرئيسي للحلفاء..أقرضت الحكومة الأمريكية الحلفاء 9،6 مليار دولار ما يعادل 8 مرات الدين القومي الأمريكي برمته عام 1916.

بقيت أمريكا ورئيسها ويلسون فعليا خارج الحرب حتى 1917، كان الشيء الذي غير المزاج الرافض للانخراط في الحرب في واشنطن و وول ستريت ووسائل الإعلام هو ما سمي بتلغراف تسيمرمان، الذي زعم أن الألمان قد وعدوا المكسيكيين بأن يعيدوا إليهم مقاطعاتهم المسلوبة نتيجة حروبهم مع أمريكا مقابل إعلان المكسيك الحرب على الولايات المتحدة إذا نشبت الحرب بين أمريكا و ألمانيا، إذن لم تكن رغبة ويلسون المزعومة في فرض حق تقرير المصير لكل الشعوب ( كما تقول الأسطورة )، وخاصة حق سكان المقاطعات الأمريكية الجنوبية التي انتزعتها أمريكا بقوة السلاح من جارتها الجنوبية.. كيف كانت عليه الحال بعد توقف قعقعة السلاح ؟

قبل الحرب في عام 1914 كانت أمريكا أكبر أمة مدينة في العالم، فقد بلغت قيمة استثماراتها في الخارج 3،5 مليار دولار بينما كانت قيمة الاستثمارات الأوروبية في أمريكا 7،2 مليار دولار. انقلب الوضع مع نهاية الحرب، أصبح الأجانب يملكون 3،3 مليار دولار من الأوراق المالية الأمريكية، فيم بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية التي امتلكها الأمريكان 7 مليارات دولار، وكانت بريطانيا وفرنسا مدينة للحكومة الأمريكية ب 9،6 مليار دولار، أي أن أمريكا تحولت من دولة مدينة بمبلغ 3،7 مليار دولار إلى دائن بمبلغ 12،6 مليار دولار..لم تعد أمريكا فقط قوة صناعية بارزة في العالم بل وأصبحت قوة مالية كبرى أيضا اليوم، وحدها أمريكا خرجت من هذه المذبحة منتصرة فعليا بينما ضعفت بريطانيا وفرنسا لدرجة كبيرة وإن لم تكن نهائية بعد.

كان للحرب العالمية الثانية دورا أكبر في تحفيز الاقتصاد الأمريكي، خاصة وأنه كان بالكاد يحاول التغلب على آثار أكبر كساد تعرض له في أوائل الثلاثينيات، في ذروة تلك الأزمة كان الوضع بائسا بشكل غير مسبوق. وصل حجم العجز في ميزانية الحكومة عام 1932 إلى 2،7 مليار دولار، وكان هذا أسوأ معدل للعجز في وقت السلم في كل التاريخ الأمريكي حتى ذلك اليوم، كان الناتج القومي عام 1932 يمثل فقط 56 % مما كان عليه قبل 3 سنوات، و استقرت البطالة عند مستوى غير مسبوق وهو 23،6 % رغم أن هذا المعدل لا يقدم صورة فعلية عن حقيقة الأزمة، فقد كان ملايين آخرين يعملون فقط لبعض الوقت أو بأجور منخفضة جدا، وبلغ عدد البنوك التي أعلنت إفلاسها 5096 بنكا..في 14 فبراير شباط 1933 أمر حاكم ميتشيغان كل بنوك الولاية بإغلاق أبوابها ل 8 أيام لمنع الذعر المنتشر من تدمير ما تبقى من نظام البنوك بالولاية، حاصر المودعون الغاضبون البنوك في كل مكان وأخذوا يصيحون مطالبين بأموالهم، و بحلول 4 مارس كانت كافة البنوك في 32 ولاية قد أغلقت أبوابها تماما وأغلقت تقريبا في 6 ولايات أخرى فيم قلص حكام الولايات العشر التي ما زالت بنوكها تعمل بشدة ما يمكن سحبه. في تكساس مثلا كان لا يمكن سحب أكثر من 10 دولارات يوميا..كان على الرئيس القادم، روزفلت، أن يتحرك بسرعة، قام بعرض مشروع قرار البنوك على مجلس النواب عند الساعة 1 بعد ظهر الخميس 9 مارس الذي أقره دون أن يقرأه بعد 38 دقيقة فقط، وأقره مجلس الشيوخ في وجه معارضة 7 أصوات فقط ووقع عليه الرئيس ليصير قانونا في الساعة 8،36 تلك الليلة.

كانت هذه بداية العقد الجديد كما سمي فيما بعد، لكن التعافي كان بطيئا مؤلما، و قد نسب أساسا لهذا العقد الجديد أو لسياسة التدخل المباشر الحكومية في الاقتصاد (كما تقول الأسطورة، و كما يحاول أوباما أن يفعل اليوم و كما فعل بوش في أواخر أيامه).

في ديسمبر كانون الأول 1941 هاجم اليابانيون بيرل هاربر وكان هذا يعني انضمام أمريكا الفوري للحرب، أعلن الكونغرس الحرب على اليابان في اليوم التالي وفي يوم 11 ديسمبر أعلنت ألمانيا و إيطاليا الحرب على أمريكا.. في الأشهر الستة الأولى من عام 1942 منحت الحكومة الأمريكية عطاءات عسكرية بأكثر من 100 مليار دولار أي أكثر من أجمالي الناتج القومي عام 1940..أنتجت شركة فورد وحدها عتادا حربيا أكبر من حجم الاقتصاد الإيطالي برمته.. في عام 1940 كان الناتج القومي 99،7 مليار دولار، وقفز في عام 1945 إلى 211،9 مليار دولار، وفي غضون ذلك صارت البطالة غير موجودة فعلا..وبغرض تمويل الحرب و تلك العطاءات جرت مراجعة السياسة الضريبية عام 1942، و خفض الحد اللازم لدفع ضريبة الدخل…قبل عام 1942 (عام إصدار قانون العائدات) لم يدفع ضريبة الدخل إلا 4 ملايين أمريكي، وعندما خفض القانون حد الإعفاء الضريبي من 1231 دولار إلى 624 دولار بلغ العدد 17 مليون وفي نهاية الحرب كان 42،6 مليون أمريكي يدفعون تلك الضريبة، هكذا جرى الاستفادة من كل ما في جيوب الأمريكيين العاديين لشراء المزيد من أدوات القتل لتدفع في نهاية المطاف لأصحاب تلك الشركات التي تصنعها.

ما الثمن الذي دفع لتبلغ الرأسمالية الأمريكية مركزها الجديد؟

لا توجد بعد قائمة كاملة لضحايا الحرب العالمية الثانية، لم تكن الرأسمالية الأمريكية المجرم الوحيد يومها، رغم أنها حاولت أن تزعم أنها كانت تقاتل دفاعا عن الحرية أمام عدو همجي – النازية، الذي كان خصما محترما أو حليفا محتملا حتى قبل فترة قصيرة جدا من نشوب الحرب، قبل أن يتحول إلى عدو “همجي”، تماما كما حدث مع العدوين التاليين : الستالينية والأصولية الإسلامية فيما بعد…هنا سأكتفي بأن أذكر ما قاله الجنرال باتون لقواته قبل أن يتم إنزالها على الشواطئ الإيطالية “حين ننزل على الشاطئ سنجد أمامنا جنودا إيطاليين و ألمانا، ستكون مهاجمتهم وإبادتهم شرفا وامتيازا لنا. ثمة كثيرون بيننا يسيل في عروقهم دم ألماني أو إيطالي، فليتذكر هؤلاء أن أسلافهم أحبوا الحرية حتى تركوا أوطانهم وأرضهم، و اجتازوا المحيط كي يجدوها هناك. إن أسلاف الناس الذين سنقتلهم الآن، افتقروا إلى شجاعة الإقدام على تضحية كهذه، فواصلوا العيش عبيدا” (رحمتك يا الله ! صفحات مجهولة من تاريخ أمريكا، يواخيم فرناو، تعريب ميشيل كيلو، شركة الحوار الثقافي، لبنان، الطبعة الأولى 2003، ص 311).

انتهت الحرب العالمية الثانية و الاقتصاد الأمريكي قد أصبح الأول في العالم، كانت أمريكا قد دخلت مرحلة الإمبريالية الكبرى….لنعد إلى الثلاثينيات، ما قبل الحرب العالمية الثانية، شهد عام 1937 أزمة جديدة، عادت البطالة لترتفع إلى 19 % و انخفض الناتج القومي بنسبة 6،3 %، بدأ الانتعاش ثانية عام 1938، لكن البطالة ظلت مرتفعة بعناد، بلغت نسبتها 14،6 % أواخر 1940، “وفي نهاية المطاف لم يكن العقد الجديد هو الذي شفى الاقتصاد الأمريكي العليل، كانت الحرب” (غوردون، إمبراطورية الثروة، ص 375).