المسألة التركية من جديد

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1808)

ما إن انتهينا من مشاهدة ما فعله أردوغان في دافوس حتى قلت لصديق بجانبي :لقد أُضيف عدو جديد إلى قائمة المثقفين العرب من الليبراليين الجدد، فالقائمة التي تضم أحمد نجاد، وحزب الله، وحركة حماس، والمقاومة العراقية، وشافيز انضم إليها السيد أردوغان. ولم يخيب الليبراليون الجدد ظني فبدؤوا على الفور ينقبون عن الدوافع الانتهازية لغضبة السيد أردوغان في وجه رئيس الكيان الإرهابي بيريز، فبعضهم تحدث عن أهداف انتخابية، وآخرون أشاروا إلى صراعات ومصالح حزبية ضيقة، وقسم ثالث تكلم عن مؤامرة أمريكية من أجل تلميع الدور التركي للعب دور شرطي المنطقة لصالحها ..الخ.

هؤلاء لست معنياً بالرد عليهم ولا بمناقشة أفكارهم لأنهم صم بكم عمي ختم الله على قلوبهم فهم لا يفقهون إلا مصالحهم المادية الضيقة المتمثلة بمائة دولار أجر استكتاب تدفعه هذه الصحيفة أو تلك. أما الذي يثير حزني فهم أولئك الشرفاء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في المشروع الأمريكي لكنهم يقومون بترديد أجزاء من هذا الكلام.

قبل سنوات صادفت قطة صغيرة اجتمع حولها مجموعة من الصبية المشاغبين فأوسعوها ضرباً ونتفاً ونعراً فلم تعد تدري من أين يأتيها الأذى، فبدت مستسلمة لقدرها لا تبدي أي قدر من المقاومة بعد أن جرحوها وكسروا حافرها. أبعدت الصبية عنها ثم اقتربت لأحملها من الشارع إلى البيت كي أعالج جروحها ورضوضها إلا أن القطة التي كانت مستسلمة قبل قليل لكل أنواع النعر والضرب استردت بعض روعها بعد ابتعادهم عنها وعبّرت عن ذلك مباشرة بخمش يدي الممتدة لمساعدتها. كررت الأمر عدة مرات فكانت تتصرف بنفس الطريقة العدائية، واستطاعت مرات عدة أن تصيبني، فقدرت أنها بعد ما ذاقته من عذاب على يد الصبية من الصعب أن تميز اليد الصديقة الممتدة لمساعدتها من تلك التي تريد أذيتها، فتركتها لمصيرها وتابعت سيري.

بالطبع ليس العرب هذه الهرة، ولا الأتراك اليد الممدودة للمساعدة، ولا العلاقات الدولية يمكن تبسيطها بهذا المثال. لكن الإنسان الذي لا يمتلك رؤيا، ولا يعرف من أين أتى، ولا إلى أين سيمضي، والذي يطلق عليه اختصاراً الإنسان فاقد المشروع يتصرف مثلما تصرفت هذه الهرة لأنه متوتر مرتاب بكل ما حوله غير قادر على تمييز الأصدقاء من الأعداء، فغياب المشروع يعني غياب معيار التمييز بين الصديق والعدو. فهو يتوهم أن كل يد تمتد نحوه هي يد عدوة. لذلك قابل بعضنا اليد التركية الممدودة بعد قطيعة استمرت قرناً إلا نيف منذ أن حطم الغرب الدولة العثمانية بالصراخ للتذكير بمظالم تلك الدولة، وبخفة يحسدون عليها خلطوا المراحل التاريخية، فجمال باشا السفاح صار ممثلاً لتاريخ الدولة العثمانية مع أن أي مطلع عادي على التاريخ يدرك أن جمعية الإتحاد والترقي التي ينتمي إليها جمال باشا، والتي استولت على السلطة عام 1909 م كانت اختراقاً غربياً للدولة العثمانية. وبعضهم استعاد المجاعة التي حدثت في الحرب العالمية الأولى ليُحمل وزرها للدولة العثمانية مع أن العالم كله كان في حرب طاحنة جاع فيها من جاع وقُتل من قُتل، ثم هل يمكن مناقشة وضعية دولة استمرت أربعة قرون ونيف ولعبت دوراً خطيراً في تاريخ المنطقة والعالم بهذه الخفة؟ وهل يمكن اختزال العلاقة بين العرب والأتراك إلى علاقة مستعمر- مستعمر (بفتح أحدهما وكسر الآخر)؟ مع ملاحظة أن أردوغان أول رئيس وزراء تركي يتجرأ على القول أنه سليل العثمانيين، فكل من سبقه كان يتبرأ من تلك الدولة، بل إني سجلت تصريحاً في التسعينات لأحد الوزراء الأتراك يقول به حرفياً: “نحن لسنا ورثة الدولة العثمانية نحن آخر دولة استقلت عن الدولة العثمانية”. تماماً كما كان يلتسين يتبرأ من الإتحاد السوفيتي ويعلن أن روسيا آخر دولة استقلت عن الإتحاد السوفيتي.

العرب والأتراك كالتوأم السيامي فتاريخهما المشترك يمتد ألف عام، والعلاقة بينهما أعمق من العلاقة بين الأوكرانيين والروس. لكن الغرب قام بجراحة باترة لفصلهما عند نهاية الحرب العالمية الأولى، وأدت هذه الجراحة الجائرة إلى تحول الأمتين إلى عاجزتين كسيحتين تحتاجان إلى أنابيب تغذية ومنفسة اصطناعية من الغرب كي تستمران بالحد الأدنى من الحياة.

دخل الأتراك مسرح الحضارة العربية الإسلامية في عهد الخليفة العباسي القائم (1031 – 1075 م) بفضل المصاهرة بين الخليفة وأحد قادتهم طغرل بك، فصار حرس الخليفة العباسي من الأتراك، وصار الأمر لهم في بغداد، فأعلن طغرل بك نفسه ملكاً على الشرق والغرب باسم العباسيين. وبعده جاء ألب أرسلان الذي تمدد عسكرياً في آسيا الوسطى فأزال دولة الأرمن، وحاصر إنطاكية وحلب وقونية. كما انتصر على البيزنطيين في معركة ملاذ كرد الشهيرة عام 1071 ففتح الطريق إلى القسطنيطينة. واستقر السلاجقة تحت أسوار القسطنطينية، ثم استولوا على القدس من الفاطميين عام 1078 م و إنطاكية عام 1085 م.

وبعدما أطلق البابا كليرمون الثاني إشارة بدء حروب الفرنجة عام 1095 م تلقى السلاجقة صدمة الفرنجة الأولى، و رغم الهزائم التي تلقوها إلا أنهم استمروا بمقارعة الفرنجة. وأثناء قراءة رحلة ابن بطوطة في القرن الثالث عشر الميلادي نلاحظ بسهولة أن العرق التركي قد ملأ فضاء ذلك القرن في العالم الإسلامي، حيث أن أغلبية الحكام وقواد الجيوش في آسيا الصغرى وفارس والهند هم من التركمان أو أبناء عمومتهم المغول. وحتى المغرب العربي والأندلس شهد حضور التركمان. يذكر توفيق أمين الطيبي في مقالة عن الأغزاز الذين كانت تستعين بهم بكثافة جيوش المغرب العربي والأندلس منذ القرن الثاني عشر الميلادي، أنهم تركمان يمتازون بسرعة الحركة والتميز برمي النبال، وكان دورهم في القتال يشبه دور المدفعية في الجيوش الحديثة، وقد شاركوا في حروب الموحدين في الأندلس، واستمروا يلعبون هذا الدور في جيوش المغرب العربي حتى القرن السابع عشر عندما حلت المدفعية مكانهم .

بعد قرنين من بداية حروب الفرنجة، في العام 1299م، نشأت الدولة العثمانية كدولة عسكرية على تخوم العالم الإسلامي. وبسبب الاضطراب الهائل في شروط الحياة المدنية في المشرق العربي من انهيار الزراعة، وتراجع للحرفة في المدن، ونشوء نظام اقطاع عسكري بدل النظام الخراجي الذي كان يعتمد على الفلاح الحر في الأرياف، وتراجع عدد السكان، وانهيار أنظمة الري، وزيادة البداوة بعد العاصفة المغولية الهوجاء والمحاولة الفرنجية الإستيطانية، ثم زيادة التهديد البحري الغربي في حوض المحيط الهندي وعلى شواطيء المغرب العربي، لكل تلك الأسباب استطاعت الدولة العثمانية العسكرية أن تتمدد تتوسع لتلعب دوراً كبير في التاريخ العربي- الإسلامي. إذ استطاعت أن تحمي المغرب العربي من غزو الإسبان والبرتغاليين لثلاثة قرون ونيف، كما أنها حصنت البحر الأحمر وجعلته بحيرة عربية – اسلامية داخلية بعد أن كاد البرتغاليون يحتلون ميناء جدة، وحاولت مقارعة البرتغاليين في حوض المحيط الهندي لاستعادة خطوط التجارة الدولية إلا أنها لم تفلح فمال ميزان القوى لصالح القوى الأوربية التي سيطرت تدريجياً على حوض المحيط الهندي، والمضائق العربية، وبقيت الدولة العثمانية في وضع دفاعي طيلة القرون التي عاشتها.

في عام 1917 م ولم يكن هناك أي سبب داخلي مقنع يبرر القطيعة بين العرب والأتراك سوى رغبة الغرب بتفتيت الوحدات الكبيرة إلى أجزاء أصغر يسهل ابتلاعها، وإذا سلمنا جدلاً بكل ما يقولونه عن فساد وظلم الحكام، ألم يكن بالإمكان اعتبار مشكلة السلطة مشكلة داخلية وحلها داخل الفضاء العثماني، وأما الحديث عن تخلف هذه الدولة فهل كان التفتيت شرطاً للتحديث؟ ألم يكن من الأجدى خوض معركة التحديث في ذلك الفضاء العثماني الواسع مع عدد السكان الكبير بدل التفتيت إلى وحدات صغيرة هشة يستحيل التعامل معها! إن كل المشاكل التي يتحدثون عنها في الدولة العثمانية من سوء للإدارة إلى الفساد وإساءة استخدام السلطة يمكن إصلاحها في الدول الكبيرة التي تمتلك استقلاها وتسيطر على مواردها بشكل أفضل من الوحدات المجهرية التي لا تملك مقومات الحياة.

على أية حال جرى ما جرى برعاية غربية عام 1917م، لكن الأتراك استطاعوا تدبر أمرهم بالحد الأدنى بحكم أن مركز الدولة و مؤسساتها كانت عندهم، وبسبب ظروف تاريخية معقدة يمكن تسميتها “أزمة السيطرة الغربية على العالم” لكل ذلك قَبل الغرب بإعادة تأهيل الدولة التركية الحديثة لتكون حائط صد في وجه الإتحاد السوفيتي، لكنه فرض عليها بالمقابل عزلة تامة عن فضائها العربي- الإسلامي. بينما كان مصير العرب أسوأ بما لا يقاس من مصير الأتراك فلم يسمح لهم الغرب حتى ولو بثلث دولة قومية على مساحة المشرق العربي، إذ مزقهم شر ممزق وزرع الكيان الصهيوني في قلبهم. لقد كان العرب المتضرر الأكبر من انهيار الدولة العثمانية مع أن نخبهم أكثر من سعى إلى ذلك بتحالفها مع الغرب. يشبه الأستاذ معن بشور وضع العرب بعد الحرب العالمية الأولى بعربات القطار التي انفصلت عن القاطرة التركية التي كانت تجرها، فبقيت العربات مرمية على سكة الحديد في حين أن القاطرة تابعت سيرها.

التاريخ لا يعود، ومن العبث محاولة إعادته، لكنه بالمقابل يصحح مبالغاته وانحرافاته ويثور على القسر الذي فُرض على مساره. وما جرى من عزلة بين العرب والأتراك منذ عام 1917 م هو مسار قسري تم فرضه فرضاً، ولا علاقة له بمصالح الأمتين العربية والتركية، وهو ضد منطق الحياة الذي يفترض علاقة كثيفة بين الجيران. في عام 1997م سأل صحفي السيد نجم الدين أربكان عن شكل العلاقة التي يتخيلها مع كل من سوريا والعراق. أجاب لتكن كما العلاقة بين الفرنسيين و الألمان حالياً. فقد خاض الطرفان حروباً طاحنة أكلت الأخضر واليابس. لكن اليوم بينهما علاقة تنسيق ترقى إلى مستوى الوحدة تحت راية الإتحاد الأوربي، وهناك حدود مفتوحة لتنقلات الأفراد والثقافة والبضائع ورأس المال. هذا ما نريده حرية تبادل الأفكار وتنقل الأفراد والبضائع. لماذا حلال عليهم وحرام علينا؟

اتركوا السياسة جانباً، وفسروا تصرف أردوغان كما تريدون، لكن لنا أن نسأل دعاة العزلة سؤالاً واحداً :

– هل بإمكانكم أن تمنعوا قلب سيدة عجوز في الأناضول من أن يخفق للقدس؟

إذا كنتم تستطيعون. نحن مستعدون للسير خلفكم في طريق العزلة..