الأزمة المالية: من ضعف الاستهلاك الأميركي إلى البطالة في الصين وكوريا

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1809)

بطيىء، نعم، ذلك التغير في العالم الذي ولدته الأزمة المالية/الصناعية. لكن هذا التغير يحفر لنفسه جذوراً في العمق الاجتماعي على صعيد عالمي. صحيح أن اخبار الأزمة ما تزال محصورة نسبياً، أو مسيطر عليها بأنباء التطورات في بلدان المركز، وخاصة الولايات المتحدة، لكن هذا لا يعني أن بلدان المحيط بخير، او أنها معزولة عن تأثير هذه التطورات. لا بل قد تكون هي مسرح التغيرات، بينما بلدان المركز مسرح التطورات. هناك في الطرفين معاناة لا شك، إلا أن مشكلة المحيط اصعب.

ولكن، من اي باب دخل المحيط هذه الأزمة؟ وربما يحتاج السؤال إلى تقويم، بمعنى، هل هناك محيط واحد، أو كما يقال هناك عالم ثالث وعالم رابع…الخ كيف دخل هؤلاء أو أُدخلوا في الأزمة؟ وما حصتهم من المعاناة؟

قد يصح القول أن تأثير هذه الأزمة قد اصاب كل منطقة بقدر تطورها الاقتصادي من جهة، وبقدر انخراطها في النظام العالمي من جهة ثانية. لذا، فإن الصين وبلدان جنوب شرق آسيا قد تأثرت مباشرة بعد بلدان المركز الغربي، لكن هذا لا يعني أن نتائج هذا التأثر ستكون بنفس القدر. هذا دون أن يعرف أحد بعد نتائج ذلك.

الوجه الأول: أزمة في جانب العرض

لم تكن الأزمة الحالية بلا مقدمات ملموسة على الصعيد العالمي. فمنذ سبعينات القرن العشرين، ونقاش يدور عن وجود أزمة اقتصادية في العالم أُسميت “الأزمة في جانب العرض”، والتي قُصد بها أن القدرة الاستهلاكية العالمية تتراجع وراء القدرة الإنتاجية من السلع على صعيد عالمي. والسبب في ذلك ان هناك سلسلة من دول العالم التي تمكنت من قطع شوط في إنتاج السلع الصناعية مما جعل منها منافساً لبلدان المركز.

هذا التطور بحد ذاته كان مثار نقاش بمعنى: هل تطورت هذه البلدان بقدراتها الخاصة أم أن جزءاً كبيراً من تطورها كان نتيجة تصدير المركز لمصانع إلى هناك، وهي الظاهرة ألتي أُسميت “تصدير راس المال العامل الإنتاجي”.

وبغض النظر عن اي كان السبب الأساس، إلا أن هناك مزيدا من السلع في السوق وهو تزايد فاق في معدلاته القدرة الاستهلاكية للأسواق. والأهم من ذلك أن هؤلاء المنتجين الجدد (الصين، جنوب شرق آسيا، البرازيل، الهند…الخ) قد دخلوا السوق العالمي كمنافسين للدول الرأسمالية الصناعية الغربية.

على أن هناك مسألة أخرى قلما يتم التطرق إليها، وهي من هو المستفيد من هذا التطور؟ من دخول هذا الشريك الجديد للسوق العالمي ومن هو الخاسر.

وهنا لا يعود الأمر محسوباً على اساس قومي وحسب، بل هو متداخل على الأساسين القومي والنخبوي /الطبقي، بمعنى أن هذه الشركات ذات الأصل الغربي تنتج في العالم الثالث ويتراكم ربحها لصالح النخبة الغربية في الأساس وهو أمر له علاقة بتراكم أو تكديس ما اسميته “الأموال الكسولة” التي لم تذهب إلى جيوب المستهلكين (مثلا) الأميركيين الذي عجزوا عن دفع اقساط بيوتهم كما حصل في الأزمة الحالية، بل ذهبت إلى النخبة المالية والصناعية الأميركية. كما أن نظراء هذه النخبة في بلدان المحيط هي المستفيد الأساس من مجتمعات المحيط، وليست الجماهير عامة.

صورة الأزمة في المحيط

بوجود الصناعات المذكورة في المحيط، هناك كميات هائلة من البضائع مكدسة في موانىء بلدان كثيرة وخاصة الصين، هذا إلى جانب أعداد كبيرة من العمال المفصولين نظراً للكساد وقد بدأ يشعر هؤلاء انهم يمرون بمرحلة جديدة مختلفة عن مجرد هزات قتصادية محدودة، أو هبوط اقتصادي مؤقت.

الوجه السياسي للتوجه التصدير؟

إلى جانب تصدير راس المال العامل الإنتاجي هناك جانب سياسي وإيديولوجي لعب دوراً في تطور هذه الظاهرة. كان لا بد لمواجهة الصين الشعبية أن تقيم الولايات المتحدة محطات اقتصادية متقدمة كنموذج مواجهة ومنافس للنظام الاقتصادي هناك، فكانت دول النمور التي صيغت اقتصاداتها لتكون موجهة للتصدير. ولكي يتم ضمان ذلك كان لا بد من تثبيت الديكتاتور بارك شونغ هيي في كوريا الجنوبية مثلا الذي كان يقطع الكهرباء عن اي مصنع برفض هذه السياسة. ولذا، ففي تايوان لم تتم انتخابات طوال اول 40 سنة من إقامة النظام هناك.

ولم يكن التشجيع الأميركي للتوجه التصديري موجها ضد الصين وحسب، بل كان موجه كذلك ضد استراتيجية إحلال الواردات التي تبنتها عدة بلدان من العالم الثالث ولا سيما التي أسست مؤتمر باندونج ومنها مصر والهند.

أهمية أو حساسية التوجه للتصدير أنها سياسة لصالح النخب المحلية في هذه البلدان التي تنتج للتسويق في السوق الأميركي مبتعدة عن التركيزعلى انتاج الحاجات المحلية للبلد نفسه، مما يخلق سوقين في البلد الواحد حيث السوق لإحلال الواردات يعني الانتاج للبلد والتسويق فيها.

تواكب مع أو اشترط وجود التوجه للتصدير إقامة مناطق صناعية للتصدير يتم فيها استثمار رأس المال الأجنبي لتشغيل قوة العمل المحلية بأجور زهيدة مع إعفاء هذا الرأسمال من الضرائب كمحفز له وبالطبع تحرير التجارة.

لكن هذا لم يضمن للولايات المتحدة ما تريد حيث كان لا بد من محاصرة المنافس الياباني فضغطت على اليابان لإعادة تقييم عملتها بحيث تصبح سلع اليابان مكلفة كي يقل استيراد الأميركيين منها وبالتالي تغلق فجوة العجز لاقتصادها مع اليابان.

وهنا تحولت اليابان كذلك إلى جنوب شرق آسيا والصين حيث الاستثمار في مناطق العمل الرخيص.

كان هذا قد تواكب مع أزمة المديونية في الثمانينات وبالتالي أنقذ هذه البلدان من الشح التمويلي، وهو التدفق الذي وصل حتى بلدان التنينات.

تبع ذلك تصدير اليابان لراس المال العامل الإنتاجي إلى جنوب شرق آسيا والتي أخذت تصدر إلى اليابان سلعاً رخيصة.

لكن دخول الصين على خط التوجه للتصدير، وخاصة في فترة دينغ هيساو بينغ قلب المعادلة نظرا لتوفر عمالة هائلة العدد وقليلة المتطلبات الأجرية مما سمح لها بحذب استثمارات بقدر 50 بليون دولار سنويا منذ منتصف هذا العقد.

ماذا تحتم على الشركات متعددة الجنسية؟ فلكي تحافظ على معدل ربح اعلى كان لا بد لها من:

1) إبداع تقنية جديدة تقلل الكلفة، لكنها تزيد عدد الوحدات المنتجة مما لا يعوض كثيراً ما انفق.

2) تطبيق نظرية التجريف، اي الانتقال من البلدان التي امتصت فيها الطبقة العاملة والثروات إلى السوق الواعد، إلى الصين. وهذا فاقم أزمة قوة العمل في المركز وخاصة اميركا التي حين انفجرت أزمتها الداخلية لم تعد قادرة على استيراد هائل كالسابق.

الملاذ الآخر

نتج عن القدرة الاستيعابية الضخمة للاقتصاد الصيني أن توجهت صادرات اليابان وبلدان النمور إلى هذا السوق سواء استثماريا أو بضاعيا. وعليه، فإن اي تراجع في الطلب الصيني سوف يؤثر على هذه البلدان التي ارتبطت بالصين. وحيث اقترن هذا مع ضعف الطلب في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي كانت حكومة بوش تستحثه منذ أحداث البرجين، فإن النتيجة أن سلسلة من الخلخلة الاقتصادية قد امتدت من أميركا عبر حنوب شرق آسيا واليابان والصين كذلك.

لقد تراجع النمو الصيني من 11 إلى 9% عام 2008، ودخل الاقتصاد الياباني مرحلة ركود، وتدهور سعر صرف العملة الكورية ب 30% مقارنة بالدولار، ويتوقع أن يتدنى النمو في جنوب شرق آسيا إلى النصف عما كان عليه عام 2008.

ما هي المترتبات مع تدهور التصدير؟

تجلى تأثير النمو الاقتصادي في جنوب شرق آسيا في تقلص نسبة من هم تحت خط الفقر. إلا أن تاثير الأزمة الحالية أدى إلى نتائج عكسية، حيث تزايد عدد هؤلاء. وهذا يعني أن أعداداً متزايدة من الناس باتت تصارع وضعها المعيشي كي لا يتدنى، وهذا يحمل محاميل سياسية اجتماعية وليس مسألة ارقام اقتصادية.

ليس فقدان الأشغال والوظائف محصور في المركز الراسمالي الغربي، كما أن الأعمال الجزئية (التشغيل بوظائف جزئية بينما يحتاج العامل لوظيفة كاملة) ليست محصورة هناك ايضاً فمنذ اشتعال الأزمة في اكتوبر من العام الماضي فقد أكثر من 20 مليون عامل صيني وظائفهم، وبالتالي انتقلوا من مدن الصفيح التي اقاموها حول المدن الصناعية الكبرى إلى الأرياف التي أتوا منها. وهناك في الأرياف يصطدمون بواقع مختلف عما تركوه خلفهم. فكثير من الحيازات الزراعية التي كانوا يملكونها، ولم تكن تكفيهم على اية حال، بيعت للشركات متعدية الجسية، وهذا يعني أن فرص العمل التي قد تتوفر لهم شديدة المحدودية. ولعل هذا سبب ان الحكومة الصينية تحاول زيادة الاهتمام بهذه المناطق مخافة التفجرات الاجتماعية في الريف الذي يضم 800 مليون من الفلاحين. تجدر الإشارة إلى أن الفلاحين في الهند والصين يقاربون ربع سكان العالم عامة، وعليه، فإن تدهور اوضاعهم يمكن أن تهز العالم إذا ما ترافق معها حراك سياسي وفكري مختلف.

ولا يختلف الأمر في بلدان أخرى مثل إندونيسيا وتايلاند وغيرها حيث يعود الفلاحون إلى مناطق لم يعد لهم فيها غير ذكريات أماكن ولادتهم في الريف.

لعل اللافت أن هناك اضطرابات عمالية وفلاحية واسعة في بلدان كثيرة على رأسها فيتنام وإضرابات في كوريا. فهذه البلدان التي كانت نموذجاً على اقتصادات موجهة للتصدير، تجد نفسها اليوم عالقة بين تصدير ضعيف، وبين عجز عن تلبية الحاجات المحلية.

وبكلمة، هذه مؤشرات واضحة على أن الأزمة المالية الصناعية التي بدأت في المركز، تأخذ مفاعيل وابعاد اجتماعية في المحيط، وهي تطورات نشهد غليانها لكنها ذات لون رمادي لا يشفُّ عن ما بها بدقة، إلا أن بها شيئاً خطيراً ما.