غزة – لا هو موت، ولا هو انتحار…!

نواف الزرو

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1811)

“ما من شكّ في أن “تلقين الفلسطينيين درسًا” هو “مبدأ أصيل” في الفكر الإسرائيلي المؤدلج بالصهيونية، ينمّ عن عقلية كولونيالية راسخة/كما يستخلص الباحث الفلسطيني أنطـوان شلحـت في سياق قراءة حول العدوان على غزة، وبحسب ما يؤكد الصحافي والمؤرخ الإسرائيلي توم سيغف ف:”ان إسرائيل تسدّد الضربات إلى الفلسطينيين من أجل “أن تلقنهم درسًا”، وهذه هي إحدى الفرضيات الأساسية، التي ترافق المشروع الصهيوني منذ بدايته، فنحن- اليهود- مندوبو التقدّم والحضارة، الحنكة العقلانية والأخلاق، والعرب هم رعاع بدائيون ذوو نزعات عنيفة وهوجاء، جهلة لا بُدّ من تربيتهم وتعليمهم الفهم الصحيح بطريقة “العصا والجزرة”، على غرار ما يفعل المكاريّ مع حماره/ صحيفة “هآرتس” 28 /12/ 2008″.

ولذلك تدحرجت “المحرقة” واخذ جنرالات الاحتلال يستخدمون المزيد والمزيد من القوة النارية التدميرية، واخذوا “يغطون المجزرة بمجزرة أفظع، ويقابلون شجاعة اهل غزة، بالمزيد من إبادة الأبرياء، وبات الموت فائضاً يتجاوز قدرة من يراقبون من بعيد، على الاحتمال والتماسك، فهم يرون في صمود الفلسطينيين، وفي عدم رفعهم للرايات البيضاء، مدعاة لنيران أعتى، بصرف النظر عن الضحايا من الأبرياء/ عن تحليل في الحياة الجديدة”.

فقد اراد منفذو عملية “الرصاص المصهور” حسب الباحث ميرون بنفنستي ” ان يميزوها بتعريفين متناقضين: “رب البيت جن” ويرد بوحشية مجنونة، و”غضب مضبوط” ايضا اي عملية عقلانية ترمي الى الردع، ولكن ينبغي ان نضيف الى هذين التعريفين تعريفا اخر وهو انها رد غريزي مكرر من جماعة مهاجرين مغتصبة/ هآرتس 22 /1/2009″.

اذن- تقف وراء هذه المحرقة الصهيونية في غزة خلفيات وابعاد ايديولوجية واستراتيجية، ونزعة القتل والابادة والتدمير، بهدف كسر ارادة التحدي والصمود وتحطيم شوكة الففلسطينيين معنويا…!

فمنذ الاسبوع الاول كشفت صحيفة “معاريف” العبرية النقاب عن:” إن الشعار الأساسي لقوات الجيش الاسرائيلي هو الضرب بكل قوة وبكافة الوسائل بما فيها القصف المدفعي والمهم هو تقليص عدد الإصابات بين الجنود إلى الحد الأدنى “، وذهب رئيس المخابرات الخارجية”الموساد” مئير داغان الى ابعد واوضح من ذلك، فكان يرى أهمية قصوى لتحقيق إنجازات واضحة لا تقبل التأويل”لتجلجل في العالم العربي/الصحف العبرية/2009/1/7″.

ومنذ البداية كشفت الصحف العبرية النقاب عن حقيقة الاجندة الاسرائيلية اذ قالت:”ان اولمرت يريد غزة ارضا محروقة تماما”، ووصف الكاتب آري شافيط ما تقوم به “إسرائيل” ب”أنه الحملة الجنونية على قطاع غزة/ الكاتب آري شافيط – هآرتس/2009/1/17“، منوهاً بالقول:”إن قصف مدينة مكتظة بالسكان هو عمل خطير حيث سيؤدي إلى تآكل الشرعية الدولية لإسرائيل”، مشيراإلى “أن الحرب تجاوزت كل الحدود”، معتبراً أن ما بدأ كحملة عسكرية مدروسة وضرورية تحول إلى استخدام للقوة المنفلتة العقال في منطقة مأهولة بالسكان”، متهما رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود اولمرت “انه وبخلاف لحربه الأولى (حرب تموز على لبنان) يريد أن ينهي حربه الثانية بـ”أراض محروقة-المصدر نفسه“.

وفي مضمون كسر الارادة الفلسطينية وحرق الوعي الوطني الفلسطيني، كتبت يديعوت أحرونوت عن “حرب هدفها كسر صورة المقاومة لدى الوعي العربي مفادها أن المقاومة الإسلامية هي الوحيدة التي لا تهزم”.

وجاء في هارتس ان:”الهدف ليس مطاردة مطلقي الصواريخ في أمل عابث للعثور على وتحطيم آخر فوهة، بل كسر روح المقاومة “، وفي مقال افتتاحي كتبت يديعوت أحرونوت/2009/1/14 ” أن هدف الحرب على غزة هو ألا يترسخ في الوعي العربي أن المقاومة الإسلامية هي السلاح الإستراتيجي الذي لا تستطيع إسرائيل مواجهته “، بل ان النوايا الاسرائيلية الخبيثة وصلت الى ما هو ابعد من ذلك، فقد وصلت حسب المحلل الاسرائيلي كوبي نيف الى منستوى”اما نحن واما هم/ معاريف- 12 / 1 / 2009″.

في ظل كل هذا المناخ، اصيبت المؤسسة الاسرائيلية بالحمى والجنون لدرجة ان أعطى رئيس حزب اسرائيل بيتنا المتطرف افيغدور ليبرمان “حلاً” للحرب على قطاع غزة خلال محاضرة امام طلاب جامعة بار ايلان، قائلا: ” أن الحل موجود، حيث يجب العمل بالضبط كما فعلت الولايات الامريكية المتحدة مع اليابان في الحرب العالمية الثانية وبالتالي لا داعي لاحتلال غزة”، مشددا” يجب القاء قنبلة نووية على قطاع غزة وتدميره بالكامل والانتهاء من هذة المشكلة نهائياً والتخلص من وصف العالم لاسرائيل انها دولة احتلال-“.

فهل تحققت الاهداف الاسرائيلية حقا….؟!.

كثف الجنرال احتياط شلومو غازيت المشهد بتأكيده: ” أنه طالما استمر القتال، فإن للفلسطينيين تفوقا في المعنويات، بينما أن قدرة الإسرائيليين على الاحتمال تتعرض للخطر”، وأعرب د. مارك كلاين وهو خبير إسرائيلي في الشؤون الفلسطينية عن اعتقاده :” أن الإرادة الفلسطينية في الانتقام وموازنة فاتورة الدماء قوية جداً”.

ونحن نعتقد بقناعة راسخة أيضاً بأن جذوة ارادة التحدي والصمود الفلسطينية ستبقى متوهجة مستمرة، حتى تحقيق التحرير والاستقلال…

لعل الراحل محمود درويش شاعر فلسطين والعرب كان قد عبر اعمق تعبير عن “غزة وروحها وصمودها وبطولاتها ومعنوياتها وجدارتها بالحياة” حينما كتب قائلا:

“ليست لغزة خيول، ولا طائرات، ولا عصى سحرية، ولا مكاتب في العواصم، إن غزة تحرر نفسها من صفاتنا ولغتنا، ومن غزاتها في وقت واحد، وحين نلتقي بها ـ ذات حلم ـ ربما لن تعرفنا، لأن غزة من مواليد النار، ونحن من مواليد الانتظار، والبكاء على الديار، صحيح أن لغزة ظروفًا خاصة، وتقاليد ثورية خاصة، ولكن سرها ليس لغزًا، مقاومتها شعبية متلاحمة، تعرف ماذا تريد “تريد طرد العدو من ثيابها”.

قد ينتصر الأعداء على غزة، وقد ينتصر البحر الهائج على جزيرة، قد يقطعون كل أشجارها، قد يكسرون عظامها.. قد يزرعون الدبابات في أحشاء أطفالها ونسائها، وقد يرمون في البحر أو الرمل أو الدم، ولكنها لن تكرر الأكاذيب ولن تقول للغزاة: نعم وستستمر في الانفجار.

لا هو موت، ولا هو انتحار، ولكنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة”.

اذن- هذا هو أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة…!

وعن الجدارة في الحياة ليس هناك اجدر من اهل غزة في التعبير عنها…!

nawafzaru@yahoo.com