قضية الصحراء: المنطلقات، المواقف والمبادرات

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1811)

أثارت قراءة فقرات من الرسالة التي وجهتها الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب إلى المؤتمر الوطني الثاني للنهج الديمقراطي خلال الجلسة الافتتاحية ردود أفعال عدوانية من طرف بعض “الأحزاب” الورقيةالمفبركة والتي تحركها رموز من المافيا المخزنية المسؤولة على العديد من الجرائم السياسية والاقتصادية في بلادنا.

ونحن في مقالنا هذا لا نبتغي الرد على ترهات هذه الكائنات “الحزبية” التافهة. بل نستغل هذه المناسبة فقط لتوضيح موقفنا من قضية الصحراء التي نعتبرها قضية أساسية بالنسبة لشعبنا وشعوب المنطقة المغاربية.

أولا: منطلقاتنا لتحديد الموقف من الصحراء

إن موقفنا من قضية الصحراء يرتكز إلى ثلاثة منطلقات أساسية

أ المبدأ الأول: هو مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. وهنا لا بد من التأكيد أننا نختلف جذريا مع التصور الرسمي لتاريخ المغرب المبني على أسطورة تشكل المغرب كوحدة من طنجة إلى نهر السينغال، منذ 12 أو 14 قرنا. ونعتقد بتركيز شديد، أن الدول التي تشكلت كانت إمبراطوريات تضم شعوبا وقبائل مختلفة، وأن هذه الإمبراطوريات كانت تقوم ثم لا تعمر طويلا حيث تتفكك وتندثر بينما استمرت هذه القبائل والشعوب في الوجود. على هذا الأساس، نعتبر أن هناك شعبا صحراويا يجب أن يتمتع بحقه في تقرير مصيره. وهو الشيء الذي يقرهالمنتظم الدولي والأمم المتحدة وإن كانت عاجزة على تفعيله (أنظر تصريحات فان فالسوم لمجلة تيل كيل). وقد اعترفت الدولة المغربية أيضا بتقرير المصير في الصحراء في نيروبي سنة 1981 ثم تراجعت عنه فيما بعد (رفض مخطط باكر الثاني الذي نص على حكم ذاتي خلال خمس سنوات يتبعه استفتاء لتقرير المصير).

ب- المبدأ الثاني : هو مدى خدمة موقفنا لمصلحة الطبقة العاملة وعموم الكادحين ومساهمته في تطوير الصراع الطبقي – عوض التعتيم عليه – ضد الأعداء الحقيقيين لشعبنا بدل تعويضهم بعدو خارجي (البوليساريو، الجزائر). من الواضح أن الرابح والمستفيد لحد الآن على الأقل، من قضية الصحراء هو النظام المخزني، و في قلبه المافيا المخزنية، وخاصة جناحها العسكري والأمني. فالنظام المغربي يستغل باستمرار قضية الصحراء لعرقلة نضال الشعب المغربي من أجل الديمقراطية ومن أجل حقوقه ومكتسباته الاجتماعية باسم “الإجماع الوطني” لمواجهة “أعداء الوحدة الترابية”. وقضية الصحراء ساهمت في تقوية النظام المخزني وإضعاف معارضيه

والكتلة الطبقية السائدة تستغل قضية الصحراء لمراكمة الثروات بواسطة نهب الخيرات السمكية والمنجمية والميزانيات العمومية الكبيرة المخصصة للجيش والأمن والتي لا تخضع لأي رقيب أو حسيب ومن التهريب من جزر الكانارياس. هكذا تقوي قضية الصحراء اقتصاد الريع و المافيا المخزنية وتعمق الطبيعة الطفيلية للكتلة الطبقية السائدة.
أما الخاسرون من هذا النزاع، فهم الكادحون : فأبناؤهم هم الذين قتلوا وجرحوا وأسروا خلال سنوات الحرب.وتمويل الميزانيات المخصصة للصحراء يتم بواسطة الضرائب التي يتحمل الكادحون عبأها الأكبر. وانتفاخ الميزانيات المخصصة للصحراء يتم على حساب الميزانيات المخصصة للقطاعات الاجتماعية. لذلك فإن تفقير الكادحين، بل حتى شرائح مهمة من الطبقات الوسطى، يرجع،في جزء منه، إلى النزاع في الصحراء

إن قضية الصحراء لعبت دورا لا يستهان به في التعتيم على الصراع الطبقي وعرقلته وتأخير الوعي الطبقي للطبقة العاملة وعموم الكادحين بمصالحهم الحقيقية، الآنية والبعيدة، عبر نشر فكر وطني ضيق وشوفيني. كما أنها ساهمت في تسريع صيرورة اندماج قوى معارضة في النظام وبالتالي أدت إلى إضعاف الصف الديمقراطي لصالح المخزن والقوى الأصولية.

ج- أما الأساس الثالث: فهو الضرورة التاريخية لبناء مغرب الشعوب ومدى خدمة موقفنا لهذا الهدف النبيل. إننا نعتبر أن استمرار هذا النزاع وعرقلة الحلول الممكنة ونشر الشوفينية والعداء بين شعوب المنطقة، كل ذلك يتم على حساب مصلحة الشعوب التي تتمثل في وحدتها ولصالح الطبقات السائدة والأنظمة القائمة والطغم العسكرية – الأمنية التي تمارس سياسة “فرق تسد” داخل البلد الواحد وبين شعوب المنطقة.

بناء على ما سبق، فإن الخيانة الوطنية بالنسبة إلينا هي خيانة مصالح الطبقة العاملة وعموم الكادحين أولا ومصالح باقي الطبقات الشعبية ثانيا ومصالح شعوب المنطقة ثالثا

وتعتبر أن موقف “إلى الأمام” وموقف النهج الديمقراطي كاستمرارية وتطوير لتجربتها وتجربة الحركة الماركسية – اللينينية المغربية من الصحراء هو الذي يخدم مصلحة الكادحين وباقي الطبقات الشعبية في بلادنا وكذا مصالح شعوب المنطقة. وعلى عكس ذلك، فإن الكتلة الطبقية السائدة لا تهمها مصالح الشعب،بل فقط مصالحها و مصالح أسيادها الامبرياليين. وهي المستعدة دائما للانصياع لأوامر الامبريالية ضدا على مصالح الشعب المغربي (التحمس لبناء علاقات اقتصادية لا متكافئة : اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية واتفاقات الشراكة مع الإتحاد الأوروبي، تطبيق الوصفات الليبرالية المتوحشة للمؤسسات الاقتصادية والمالية الامبريالية) ومصالح شعوب المنطقة المغاربية والعالم العربي (التطبيع مع الكيان الصهيوني) للحفاظ على مصالها الضيقة واستمالة الامبريالية والصهيونية لدعم موقفها من الصحراء التي تتشبت بها، ليس من منطلق الوطنية، بل من منطلق استفادتها مننهب خيراتها. هكذا لو كانت مسالة الحفاظ على “التراب الوطني” مقدسة، كما تدعي، وانطلاقا من تصورها لحدود المغرب، لما قبلت بتشكل موريطانيا ولا بتقسيم الصحراء بين المغرب وموريطانيا ولا بمبدأ تقرير المصير ولابالمفاوضات المباشرة مع البوليساريو.

ثانيا: تعاملنا مع قضية الصحراء

تأسيسا على موقفنا المبدئي من هذه القضية والمتمثل في أن حلها يجب أن يرتكز إلى الشرعية الدولية التي تنبني على مبدأ تقرير المصير واعتماد المفاوضات والحلول السلمية والذي أكده من جديد المؤتمر الوطني الثاني.هذا الموقف الذي أكسبنا احترام العديد من القوى في العالم، لم يتوان النهج الديمقراطي عن طرح أفكار ومبادرات تستهدف مواجهة الشوفينية والدفع نحو الحوار وتغليب مصلحة شعوب المنطقة على كل اعتبار آخر

هكذا وجه النهج الديمقراطي رسالة إلى جبهة البوليساريو يطالبها فيها بإطلاق سراح الأسرى المغاربة. وقد ساهمت تلك الرسالة في استجابة البوليساريو لهذا المطلب الإنساني.

كما رفض النهج الديمقراطي الحضور في اجتماعين مخصصين لقضية الصحراء في الديوان الملكي نظرا لعدم وضوح أهداف هذين الاجتماعين. وقد أكد النهج الديمقراطي، في هاتين المناسبتين، في رسالتين مفتوحتين موجهتين للديوان الملكي موقفه من قضية الصحراء. ونادى عوض اللقاءات في الغرف المغلقة إلى فتح حوار حولالصحراء وجعل هذه القضية شانا عاما بدل أن تظل من اختصاص القصر وحده ودعا إلى الحوار مع البوليساريو ومع القوى الديمقراطية، السياسية والمدنية، في الجزائر.

وأمام المأزق الذي وصلته قضية الصحراء، بادر النهج الديمقراطي إلى إرسال رسالة إلى الحكومة المغربية وجبهة البوليساريو يدعوهما فيها إلى فتح مفاوضات مباشرة على أساس الشرعية الدولية. وقد تجاوب البوليساريو مع هذه الدعوة بينما التزمت الحكومة المغربية الصمت. وبعد مدة قصيرة تبنى المنتظم الدولي موقف المفاوضاتالمباشرة تحت إشراف الأمم المتحدة والتي جرت أربع جولات منها في مانهاست وجنيف.

المصدر:مدونة http://marx405.skyrock.com/

http://marx405.skyrock.com/2311224759-posted-on-2009-02-17.html