لا تدخل حزبا الا والعصمة لك، إن الاحزاب مقالب قد تخذلك!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1811)

اعترف النبي بنفسه عندما طلب مزارعي النخيل مشورته بموضوعة تلقيح اناثها بفتح اكياس طليع ذكورها ورشها على مياسم الاناث ام الاكتفاء بمجرد فتحها، فاجابهم بانهم ادرى بشؤون ـ دنياهم ـ اعمالهم منه، استنادا الى تجربة سابقة له كانت نصيحته فيها غير موفقة، اي ان النبي معصوم فقط بشؤون الدين اما الدنيا فهو يجتهد فيها وعليه قد يخطيء ويصيب، وبالضرورة فاننا عندما نسمع شعرا موشحا اندلسيا كانت قد غنته سيدة اصوات اهل النقاء فيروز ـ فالعصمة لا تكون الا لنبي ـ فاننا ساناخذه بمنطق العصمة النسبية. لا عصمة خارج حدود تعاليم الدين المنزل. وهذا التناول يوائم تفاصيل السيرة ومعطيات التاريخ المدني والمكي فهناك مثلا ايات بينات كانت قد نزلت بحوادث محددة تخص النبي وبيته مثال : وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى.. واخرى لا ترفعوا صوتكم فوق صوت النبي.. بمعنى ان المنزل من الايات هو الحاسم المطلق وليست الاحاديث رغم اهميتها الكلية والتي تترجم روح النص المقدس، واحيانا هي عبقرية واجتهاد وتفقه من النبي في مطابقة تعاليم الاسلام على الحياة العامة. ولو كان النبي معصوما في امور الدنيا : لما احتار كثيرا في تعامله مع ملابسات حادثة الافك مثلا، وعليه سيكون من المسلم به انه لا عصمة للائمة او وكلائهم، فلا هم حجج الله ولا هم ينطقون نطق السماء، وليس لمن يدعو لنسلهم توارث النبوة والفتوة والامامة والحجامة واليجامة حتى يوم الدين يوم يعجل الله فرج الغائب المنتظر الذي خرج ولم يعد او دخل ولم يخرج، حق مكتسب فيما يذهبون ولا قدسية منزلة لما يزعمون، والدليل يقدمه الامام علي نفسه، عندما يقول : يا ليت رقبتي كرقبة البعير، بمعنى ان يمتلك فسحة ومساحة زمنية اكبر واطول للتفكير قبل ان تخرج الكلمات من فمه لانها يمكن ان تكون خاطئة!

اقول مقدمتي تلك وانا اريد منها الوصول الى التمييز بين عصمة الدين والدنيا، فعصمة الزواج اي امتلاك الحق الكلي في الطلاق هي واحدة من مفردات العصمة الدنيوية والتي يجري الاتفاق عليها كشرط من شروط عقد الزواج!

دخول حزب سياسي في بلاد كبلادنا ليس كالخروج منه، ويبدو ان المثل القائل بان الداخل للحمام ليس كالخارج منه يتطابق مع المعنى. وعليه، فان عنوان المقالة يحرض الراغبين والمتطلعين للانتساب الى حزب ما، على ان يحسبوها جيدا قبل ان يدخلوا، ولا اقصد بحسابات الربح والخسارة المادية فهي ليست المسالة المهمة هنا، الاهمية الحاسمة تكمن بتنفيذ متبادل لشروط عقد الانتساب لهذا الحزب، وذلك بتطبيق ما يعلنه ويدعو اليه ظاهريا وباطنيا، اي لا مكان للتقية في هذه القضية، من خلال توفر ضمانات بموجبها يلتزم الحزب امام المنتسب بان له حقوق وعليه واجبات ومتى خل اي طرف بها فانه يجب ان يتعرض للحساب ودون مخاتلة وارتياب!

احزاب السلطة عادة هي التي تستقطب الكثير من المنتسبين، والتجارب تشهد على ذلك، مثلا تجربة البعث عندنا، حيث اصبح فيها الشعب كله بعثيا وان لم ينتمي!

وبما اننا نبحث عن التجاوز اي نبحث عن السير الى امام دون تقهقر وانتقام، ودون الرجوع الى عصر ما قبل الخيام، فاننا ندعو لتحرر الناس من عبودية الاصنام، كي لا يتحول الحزب الى طريقة صوفية تستأنف مقالة الاتكال ورمي الاحمال والاثقال على كاهل الغيب، وشيوخ الطريقة والحزب والعشيرة هم من يتوارثون المقام، وتبقى الرعية مغلوبة على امرها تركض والعشاء هواء ـ العشة خباز ـ، واذا ما جزع الرعاع يخرجون عليهم بفتاوى الجزاء يوم الحشر، لتكتمل دائرة النصب ويكتمل النصاب، الناس تجوع والشيوخ تتخم، الناس تشقى والشيوخ في النعم، الناس تستشهد والشيوخ توزع مفاتيح وارقام سرية لجنان ليس لها رصيد في الحوزة او البنك او عنوان في المكان!

كلام كلام ليس عليه ضريبة او رضاعة وفطام!

بعد احتلال العراق وسيطرة الاحزب الطائفية والعرقية على الحياة السياسية فيه وسعي المحتلين لتحقيق نوع من الاجماع على مشروعهم ” التحريري ” باشراك ممثلين عن ابرز الاطراف التي كانت تعارض النظام السابق والتي تعاونت معهم ولبت ندائهم للمشاركة في الادارة المدنية ـ مجلس الحكم ـ التي قادها بول بريمر، قامت فورة حزبية غير مالوفة فهي ليست بالحزبية التي نعرفها في ارضي الله الواسعة وانما حزبية مقيتة متخلفة، ومعها ثار غبار الوهم الذي احمرت منه العيون واوحى بالضنون، صحف ومجلات وفضائيات ومقرات ومواكب ومكاتب ما انزل الله بها من سلطان وصارت عنوان مرحلة غاب عنها الامان. اكثر من 50 فضائية في بلاد تنقطع الكهرباء فيها كل ساعة، اكثر من 100 صحيفة ومجلة في بلاد تعج بالامية،، اما البطالة فقد تجاوزت حدودها العشرية والمئوية، ولولا ارتفاع اسعار النفط ـ حتى سقف المية لكان الذباب يغوغي على افواه اولاد العراقية ـ لما بقيت اخر خطوط سد الرمق في محتويات البطاقة التموينية!

كانت المشايخ الحزبية والعشائرية والدينية التي تنسجم مع الوضع الجديد تحضى بحضوة من الغنيمة ومن لا ينسجم منها يستبعد، وكل حسب طريقة تعبيره عن عدم انسجامه، فالذي يتعامل مع الامريكان كمحتلين ويعمل لاخراجهم بمعزل عن شروطهم يواجه بالحديد والنار او بالترهيب والترغيب، والذي يتعامل معهم كمحررين له مكانته المحفوظة وحصانته وكل حسب حجمه وكل شيء بسعره مسعر!

رغم ان هناك قوى فرضت نفسها دون ان تتعامل مع الامريكان كمحررين وكسبت احترام العراقيين بل حتى المحتلين انفسهم، وطبعا من هذه القوى تتجلى المقاومة الوطنية والتي نالت شعبية واضحة، ومنها من هم داخل برلمانهم ومجالسهم المحلية وفازوا باصوات اهل الحمية!

احزابنا تلعب لعبة جر الحبل، تريده طوقا يلتف حول عنق العراق ليخنقه ويحوله الى جثة ميتة يسهل اقتسامها، احزابنا لا تستحق غير ان تغتسل بماء النار لتعاد الى عناصرها الاولية ربما سمادا معدنيا او عضويا!

احزابنا مشايخ متعددة الاهواء والهوية.

احزابنا افلست ومطلوب فضح تجاوزاتها الانكشارية!

الاحزاب الدينية تخدر الناس وتعمم الجهل والتخلف والمرض وتنهب ما لذ وطاب باسم الامام والرب بعد دبلجة طائفية!

الاحزاب العشائرية الكردية تتصرف على طريقة الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها، وهي لا ناقة لها في عراق مستقر ولا جمل بل كل همها سلطة مطلقة على اكبر حصة من الفريسة!

الاحزاب الليبرالية تبيع نفسها وترهن العراق وشعبه للفحل الذي تهابه وتحلم به يضاجعها في كل فجرية!

اما اليسار فهو كالابن الضال مرة يقف وعشرات يتمرغل بالرمال، فيه رجال ورجال فيه حكمة وافعال واقوال، فيه وفيه من اثمن راس مال حمل جمال!

قرار اليسار خدر وخطف وتاه ثم عاد بعضه متامركا لا يحسن من الامر غير التلذذ بالاذلال!

الحزب الشيوعي العراقي ليس ملكا لمن بارك بيعة السقيفة بين حدك واوك ومجلس ابن اللئيم واشباه العراقيين من مقلدي فقه آيات الله العاملة في السي اي اية وحجتها بول بريمر، الحزب الشيوعي العراقي ملكا لابناء الشهداء ملكا لمن يخلص لمثله العليا لمن يترجم فلسفته التي جسدها فهد بمقولته : قووا تنظيم حزبكم قووا تنظيم الحركة الوطنية ـ وجسدها سلام عادل قولا وفعلا بتجربته وشعارها : معيار شيوعيتنا وطنيتنا المميزة بخيارات طبقية ـ فاين هذا من ذاك؟

البرزاني والطالباني لا يعترفان بالوطن اصلا، اما الحكيم فليست فارقة معه اذا اقام امارة حكيمية، او قسم العراق الى دويلات او انضم الى ايران المهم لديه ان لا يبقى العراق دولة موحدة قوية، فاين الوطنية من التحالف مع اعداء الوطن!

اين الحس الطبقي المتبخر في اروقة السلطة والتملق الفج والفاسد للاحزاب العنصرية في الشمال والطائفية في الجنوب؟

واين هذا الحس من التجاوزات الصارخة والافساد الجاري في اقتصاديات البلاد التي تباع بالقطعة تحت راية الخصخصة والمصمصة التي لا ترحم حقوق العمال والفلاحين والمثقفين؟

ثم تاتون وتستغربون من الاوصاف التي تليق بكم، تبررون انفضاض الناس من حولكم باسباب وهمية مضللة لا تنطلي على احد، وتكابرون فرحون بمقراتكم ومكاسب قيادتكم التي هي رشاوى من اعداء الشيوعية في العراق!

ليستبقي كل منا عصمته بيده ولا يؤمنها لدى فاقدي الامانة!

بمناسبة الذكرى الستين لاستشهاد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف ـ فهد ـ الذي صاغ من نفسه قدوة ومثالا ملهما في الوطنية والاممية الحقة وترك خلفه ارثا ثوريا لا ينضب نجدد العزم على المضي قدما من اجل عودة الابن الضال الى احضان اهله ليكون خير خلف لخير سلف!