عن الاقتصاد العراقي وعماده الرئيسي

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1814)

في العام 2003، عندما انطلق الأميركيون يقرعون طبول الحرب ويعدّون العدّة لاحتلال العراق، ويتذرّعون بأسباب لا يبرّر أيّ منها التدخّل في شؤون العراق ولو سياسياً، كانت الغنيمة الدسمة الكبرى التي يمنّون أنفسهم بسلبها ونهبها هي النفط العراقي الذي يشكّل ثاني أكبر احتياطي في العالم، وكانوا يعتقدون أنّ الطريق ممهّدة أمامهم تماماً لتحقيق هذا الهدف من دون جهود أو تكاليف تستحقّ الذكر، وأنّهم بحصولهم على هذه الغنيمة وعلى العراق كلّه سوف يضمنون رفاههم وتفوّقهم وسيطرتهم على الأوضاع الدولية لعشرات تالية من السنين، فشركاتهم النفطية سوف تبقى في موقع الإمبراطور العالمي، وبلادهم سوف تبقى في موقع الصدارة العالمية!

لقد أعدّت الحكومة النفطية الأميركية السابقة العدّة مسبقاً، قبل احتلال العراق، لرفع إنتاج النفط العراقي، المتدنّي بسبب الحصار الطويل، من حوالي مليون ومائة ألف برميل في اليوم تقريباً إلى حوالي ثلاثة ملايين برميل خلال العام الأول أو الثاني من الاحتلال، ثمّ إلى ستة، فثمانية فأكثر وأكثر خلال عشر سنوات، بعد أن يطوروا الحقول المنتجة ويؤهّلوا غير المنتجة، ويطلقوا حقولاً جديدة على أوسع نطاق تليق بمخزون هائل يقدّر بأكثر من أربعمائة مليار برميل، وبالطبع ركنوا إلى الحقول العراقية التي سوف تتكفّل بتمويل نفسها من نفسها، وسوف تفيض على الأميركيين بعائداتها الهائلة، وتكون قاعدة انطلاقهم للسيطرة على مجمل منطقة ما بين قزوين والأطلسي، غير أنّ مشاريعهم انهارت منذ البداية بفضل صمود الشعب العراقي، ليجدوا أنفسهم بعد خمس سنوات في وضع كارثي حقاً، حيث نفقات الحرب كانت سبباً رئيسياً في هذه الأزمة الخطيرة، المالية/الاقتصادية، التي تعصف اليوم بالولايات المتحدة خاصة وبالعالم عامة!

لقد ترتب على إخفاق الولايات المتحدة في حربها ضدّ العراق، إضافة إلى الخسائر المالية الحربية الخرافية، وإضافة إلى القتلى والمصابين الأميركيين بعشرات الألوف، تدهور الأوضاع المعيشية داخلها على أوسع نطاق، وها هي آخر التقارير تتحدّث عن ثلاثة ملايين وستمائة ألف أميركي فقدوا وظائفهم خلال العام الماضي! لقد فقد مليون ونصف وظائفهم خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط، وفقد ستمائة ألف وظائفهم خلال شهر كانون الثاني/يناير الماضي فقط، الأمر الذي جعل الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما يصرخ: “إنّها أنباء مفجعة”! غير أنّ التوقعات الأميركية المتشائمة، إنّما المنطقية، لا تقف عند هذا الحدّ وتقول أنّ عدد العاطلين عن العمل يمكن أن يبلغ واحد إلى سبعة من مجمل العاملين! ولا يحدث هذا من دون أساس، بل في وقت يعترف فيه المسؤولون الأميركيون أنّ الاقتصاد الأميركي دخل في حالة كساد أكيد، من دون أن يتجرّأ أحد منهم على إعطاء تقدير واثق عن مسارات الأزمة ومضاعفاتها ومدّتها!

إنّ الأزمة الكبرى التي تعصف بالولايات المتحدة، بما ترتّب عليها حكماً من امتدادات ومضاعفات دولية، هي أزمة وثيقة الصلة بالإخفاقات العسكرية الأميركية في العراق، وبالفشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب، ومن أبرزها السيطرة على قطاع النفط العراقي والتحكّم بمخزونه وكميات إنتاجه، حيث نجح العراقيون في حرمان العدو من قطف إحدى أهمّ ثمرات عدوانه وهي النفط، وإذا كان صحيحاً أنّ أسباب الأزمة موجودة قبل الحرب العراقية فإنه لمن المؤكّد أنّ هذه الحرب هي التي فجّرتها دفعة واحدة، بهذه السرعة الهائلة وبهذا العمق والشمول، فقد ردّ العراقيون كيد العدوّ إلى نحره وإن بثمن باهظ جدّاً!

غير أنّ أحد الكتّاب العرب يرى وراء انكماش قطاع النفط العراقي (الانكماش الذي أذلّ الأميركيين) منظمات الإرهاب والجريمة من العراقيين، ولا يشير بحرف واحد إلى الاحتلال، فكأنّما احتلال العراق والاستيلاء على نفطه أمر طبيعي ينبغي أن يتحقق وينجح لا يستحقّ مجرّد الإشارة إليه (صحيفة”الحياة” – 8/2/2009- وليد خدوري) فصناعة النفط العراقية سوف تبقى في النفق المظلم من التخبط والفوضى – كما يشرح الكاتب- على رغم خروجها من كهف التفجيرات والإرهاب وتهجير الخبراء! أي أنّ حرمان المحتل من السيطرة على النفط العراقي كان عملاً إجرامياً! ويطمئننا الكاتب إلى أنّ الإنتاج ارتفع مؤخّراً إلى مليونين ونصف المليون برميل يومياً، الأمر الذي سيعطيه دوراً أساسياً “في حال استقرار الوضع السياسي (بوجود الأميركيين طبعاً!) والحدّ من التخريب والفساد”!

إنّ النفط هو العماد الرئيس للاقتصاد العراقي – يقول خدّوري – وقد تراجع هذا القطاع بل تعرّض للتدمير منذ عام 2003، وما حلّ به ليس إلاّ جزءاً مما أصابه عموماً من إرهاب، وهجرة للخبراء، وتدمير للمنشآت .. الخ! لا إشارة أبداً إلى المحتلّين الذين دمّروا العراق بمجمله وأهلكوا مئات الآلاف وهجّروا الملايين من أبنائه! والمجرم هو المقاومة والمقاومة وحدها! أمّا الآن فقد بدأت الأمور تتغيّر – يقول الكاتب- “مع الاستقرار النسبي للوضع الأمني”! أي مع تقلّص عمليات المقاومة طبعاً! ولا ضير في استمرار الاحتلال، ولا إشارة إلى وجوده، فكأنّما هو مكوّن من أجسام روحانية، نورانية، لا تأكل ولا تشرب ولا يشعر بوجودها أحد! ثمّ ينطلق الكاتب يحدّثنا بحماسة واضحة عن نشاطات وزارة النفط العراقية، التي طرحت على الشركات العالمية أنواعاً متعدّدة من العقود والاتفاقات، محذّراً من الخلافات بين الوزارة والمؤسسات السياسية، ومن استمرار تجميد “قانون النفط والغاز”، ومن تأخّر إعادة تشكيل “شركة النفط الوطنية”! أي أنّ العراق يستطيع أن يكون في أفضل أحواله تحت الاحتلال وبعد توقف عمليات المقاومة التي توصف دائماً بأنها عمليات تخريبية إرهابية!

وهكذا فإنّ بيننا ومنّا من هم أكثر حرصاً على الأميركيين من الأميركيين أنفسهم، ومن لا يوافق أبداً على خروجهم من العراق حتى لو رغبوا هم في ذلك، ومن يأسى أشدّ الأسى لأزمتهم الكبرى ويحقد أشدّ الحقد على المقاومة العراقية التي تسبّبت في ذلك!

لقد كان العراق قبل الاحتلال يملك من الإمكانات والخيارات الاقتصادية ما يجعل النفط فرعاً من فروع الاقتصاد وليس عماده الرئيسي، غير أنّ الأعداء وبعض الأشقاء تعاونوا لتجريده من تلك الإمكانات والخيارات، وحالوا دون ارتقائه إلى مستوى الدول المستقلة، وقد ردّ العراق الصاع صاعين لأعدائه، فكانت النتيجة المتاحة والضرورية هي تدمير اقتصاد العدو مثلما دمّر اقتصاد العراق ولعلّ العراق ينجح في أقرب وقت باسترداد وتعويض جميع ما خسره وما فاته، وعلى وجه الخصوص عدم بقاء النفط عماداً رئيسياً للاقتصاد العراقي (كما هو حال غيره ممن تآمروا عليه!) بل مجرّد فرع من فروعه!

ns_shamali@yahoo.com