مكيال أم مكيالان؟!

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1814)

درجنا كعرب في العقود الأخيرة على استخدام مصطلح غدا الأقرب إلى الخطأ الشائع لدينا، وهو توصيف انحياز الغرب التام والتليد الدائم للجانب الإسرائيلي ظالماً لا مظلوماً، ولكل ما هو معادي لقضايانا العادلة إجمالاً، على أنه إنما يكيل بمكيالين. وكأنما نحن هنا في موقع من كان ينتظر من مثل هذا الكائل بعض عدل في كيله بيننا وبين صنيعته، أو إنصافاً في أحكامه بيننا و بين أعدائنا.

… أو لم يكن من الأولى بنا أن نتحرى الدقة في هذه الحالة فنقول، مثلاً، إنما هو يكيل بمكيال واحد أحد لا يعرف سواه، ألا وهو المكيال الإسرائيلي؟!

هنا نحن قد نصحح مثل هذا الخطأ الشائع و لسنا في حاجة لسوق أدلة أو اجتراع براهين، وحتى نحن نعدم ثمة مواجهة من ما قد يواجهنا محاججاً أو معترضاً، ولو في الغرب نفسه، هذا الذي لا يبدو أنه يهمه كثيراً نفي مثل هذه التهمة، وقد يكفينا فحسب مجرد الإشارة إلى عنوانين أثنين فعل المكيال الغربي بهما فعائله، لنفقأ بهما عين كل من يطيب له مخالفتنا فيما ذهبنا إليه!

إنهما، محرقة غزة التي لا تزال تطوف صورها الحية الرهيبة أطراف العالم، ويبدو أنها لم تلج بعد وجدانه، أو حتى تركن إلى أرشيف ذاكرته، و بكائية دارفور الغربية الملتبسة المنتفخة بمؤثرات الصوت التي تحاول أن تعوض عن الصورة غير المتوفرة أو تسعى لاختلاقها أو تصنيعها… أو عدالة لويس مورينو أوكامبو، مدعي عام صاحبة السطوة المبالغ في إشهارها المسماة “المحكمة الجنائية الدولية”، أو هذه التي يراد لها أن تغدو سوط عدالة ما يعرف ب”المجتمع الدولي”، أو واقعاً الغربي، المختصرة عدالته عملياً، أو وفق الواقع الدولي، بثلاثة قضاة ومحلفين وجلادين في آن، هم البريطاني والفرنسي والصهيونية العالمية، أما قاضي القضاة، ومرجع هذه العدالة الأكبر، فهو ذاته الذي لا يعترف بالمحكمة، ولم يوقع على ميثاقها، وعقد عشرات الاتفاقيات الدولية الثنائية لحماية مجرميه، الذين تطوف آلة موتهم الجبارة العالم وتصول في جنباته، من ملاحقة عدالتها، ونعني به الأمريكي!

نحن هنا، لسنا بصدد مناقشة النصوص القانونية أو المبادئ الانسانية العظمى الكامنة خلف سطور هذه النصوص، أو تستند إليها فكرة المحكمة، ولا اعتراض لنا على كل ما طمح و حلم به ميثاق روما، ويا حبذا لو شملت عدالتها المأمولة سائر أطراف الكون، وإنما نحن حيال كيفية الاستخدام وهدف التوظيف وبادي الانتقائية، أو ما يقال أنه الكيل بمكيالين، وصولاً إلى ما قلنا أنه المكيال الواحد الأحد…

المندوب السامي إلى إحقاق عدالة “المجتمع الدولي” إياه صرف أعواماً ثلاثة محققاً يطارد ما يتيسر له من الأدلة التي يلاحقها في مخيمات “الفور والزغاوة والمساليت” حصراً في التشاد، أو يجمعها من لغو قادة متمردي هذه القبائل المستضافون المدللون في لندن وباريس وتل أبيب، حول “جرائم الإبادة” المزعومة التي قد يرتكبها السودانيون العرب ضد السودانيين الأفارقة ليخرج علينا بعد سبعة أشهر من حكاية هي أقرب إلى الابتزاز، الذي يشارك فيه الغرب “الانساني” بكامله للسودان، بما يوحي باقتراب توجيه مذكرة جلب بحق رئيس جمهورية السودان بتهمة مسؤوليته عن هذه الجرائم الدارفورية المفترضة… “مكتب ادعاء المحكمة” يرفع شعار “لا أحد فوق القانون”، وإنه “لا يتبع سوى العدالة”، ولا يهم إن كان السودان لم يوقع على ميثاق المحكمة، ولا يعنيه موقف الاتحاد الأفريقي أو الجامعة العربية، أو كل من يستفظع مثل هذا الابتزاز، ولا يأبه لانقسام مجلس الأمن حول المادة “16” التي تسمح بمهلة عام تعطى للسودان، والذي تجمع أطرافه المنقسمة على ضرورة استجابة السودان لمطالب قرقوش عدالة المحكمة هذا.

ونحن هنا، لسنا أيضاً بصدد مناقشة المسألة من جانب القانون الدولي، وسيادات الدول، إلى ما إلى ذلك… لأن البادي لنا أن لا أحد من قضاتها السياسيين، الذين شرّعوا الالتفاف على عدم توقيع السودان عليها عبر مجلس الأمن، يهمه فعلاً التدقيق فيما إذا كنا فعلاً بصدد تحري عدالة تنتصر لحكاية ملتبسة حول مزاعم ارتكاب جرائم “اغتصاب لخلط جينات الولادة” مرتكبها فقط عرب ضد أفارقة يشاركونهم اللون والثقافة والدين، بهدف “طمس الأثنية”… يقوم بها أناس لم تعرف حضارتهم وثقافتهم وعقيدتهم وتاريخهم ما عرفه “مجتمع الغرب الدولي” من عنصرية وفاشية و جرائم إبادة ضد الإنسانية، وتطهير عرقي، امتازت و تفردت به القارة الاستعمارية العجوز، وورثته عنها سليلتها امبراطورية القطب الدولي الأوحد الأمريكية السائرة إلى أفول!

…بل نحن حيال تسيس فاقع تتستر خلفه استهدافات هيمنة واحتكارات وأطماع استعمارية تسيّرها مؤسسات وكارتيلات ولوبيات يسيل لعابها لما تختزنه كثبان دارفور من نفط ويورانيوم ومعادن وثروات باطنية تستثير وودها شراهة الجشع الغربي التليد، وخطوة اعتراضية تسبق “اتفاق اطار” الدوحة للمصالحة السودانية وتقطع الطريق عليها، جرياً على عادة ألفها السودان، وهي أنه كلما شارف السودانيون على اتفاق، أو كلمة سواء فيما بينهم، تسارع انسانية الغرب لاجهاضه… بالاضافة إلى غابر مخطط مستمر هو مواصلة استنزاف الأقطار التي تمثل ركائز النهوض العربي الممنوع، العراق وقبله الجزائر وبعده السودان، وربما يحين الدور على السعودية، بعد أن تكفلت “كامب ديفيد” باخراج مصر من معادلة الصراع، أو سالف التأثير وسابق الدور و أهلية الريادة… و أخيراً، استهداف السودان الهوية العربية والجسر الرابط العرب بالأفارقة.

هل السودان، وهل هنا من مجادل، ليس هو إلا ضحية “إنسانية” نشر الاضطرابات واختلاق الفوضى وإثارة الحروب الأهلية… الفوضى الخلاقة… صراع تقاسم الحصص والنفوذ المشتعل أواره الصامت بين الفرانكوفونية ووريثتها الأمركة المقتدرة القادمة عبر الأطلسي… أم هل بعد نيفاشا المطفئة نيران الجنوب لابد من بؤرة تلتهب في الغرب، وغدا الشمال بعد أن هدأ الشرق… لاحظوا أين يرابط عبد الواحد نور الذي زار فلسطين المحتلة مؤخراً بداعي زيارة الجالية السودانية هناك؟!!

هذا في دارفور… وماذا عن محرقة غزة، ولا نقول مذبحة صبرا وشاتيلا الشارونية، وما سبق، أو كل محارق فلسطين المستمرة لأكثر من قرن، ولا نتوسع فنعرج على “أبو غريب” ومذابح الأعراس في بلاد الأفغان… محرقة غزة الموثقة تلفزيزنياً على مدار قارب الأسابيع الثلاثة، والتي تفقأ دمويتها ووحشيتها وبشاعتها عين الأعمى والبصير ولم يسمع بها بعد لويس مورينو أوكامبو، أو تلتفت لهولها انسانية مجتمع الغرب الدولي؟!

نكتفي بإيراد أقوال للمستر ميلا بند أو وزير خارجية القاضي البريطاني في محكمة هذا المجتمع، الذي واجه بها أسئلة أهالها عليه الصحفيون الهنود مؤخراً:

رفض الوزير البريطاني مقارنة محرقة اليهود “الأوروبية” بمحرقة الفلسطينيين “الإسرائيلية”، لأن الأولى، وفق منطق احتكار حق الضحية، هي “أمر استثنائي”، وهذا وقوعه لا يجوز إدعاءه إلا لشعب الغرب المختار ، كما لم يروقه وصف غزة المحاصرة بالغيتو، لأن هذا الوصف عنده “ليس متفاوتاً فقط، بل خاطئ أيضاً”، فالمحرقة بالنسبة له “كانت حدثاً فريداً و محاولة لإبادة عرق بشري بأكمله، و لا حاجة لمقارنته بما حدث في غزة”!

وعليه، المحرقة هي ما ارتكب فحسب ضد أوروبيين وفي أوروبا، وبالتالي من حق ضحيتها أن يرتكبها بحق سواه من غير الأوروبيين في غير مكان، باعتبار حقوق الإنسان أو تحري إنصاف ضحايا الجرائم ضد الانسانية، وتوفير الحماية من اقتراف الإبادة الجماعية، هي امتياز يخص الأوروبيين وحدهم، مع استثناء هو ما يوظف انتقائياً خارج القارة المركز، وفقط ضد المارقين والممانعين والرافضين للهيمنة والمتمردين على الاحتكارات، أو المقاتلين من أجل الحرية الذين غدو ينعتون بالإرهابيين، وكل من يرفض “السلام” الإسرائيلي، أو الاستسلام دون قيد أو شرط أمام الغزاة، و الكف عن إقتراف جريمة الصمود في مواجهة الاحتلال!

هنا إسرائيل معصومة، وجرائمها ضد الانسانية المبرمجة و المقصودة والمتبعة كسياسة منذ قيامها هي ما فوق المساءلة، وكل ما ترتكبه هو مباح ومفهوم ويوصف دفاعاً عن النفس، وكل مقاومة من قبل ضحاياها إرهاباً… ويظل السؤال برسم هذا العالم، من هو الأولى بمذكرة الجلب الأوكامبوية؟

رئيس دولة عربية مستهدفة تجهد للحفاظ على وحدتها وسيادتها وثرواتها رافضة الابتزاز والخضوع والإرتهان للهيمنة الأجنبية، أم عصابة من المجرمين القتلة المفاخرين بما يرتكبونه، في كيان غاصب ومصطنع وغير طبيعي، من أمثال: بيريز وباراك وليفني وأولمرت ونتنياهو وجنرالاتهم من أمثال بن أليعازر وحالوتس، ومن سبقهم… واستطراداً جورج بوش الابن ومعشر محافظيه الجدد، ولا ننسى أسلاف ميلابند ذوي التاريخ الاستعماري الدموي الإبادي التليد… لم تعد المسألة مسألة كيل بمكيالين فحسب، وإنما الكيل بمكيال واحد يصنعه الصهاينة ويكيل به “المجتمع الدولي” المتصهين!