في انتظار قمّة الدول العشرين!

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1815)

إذا كان النظام الرسمي العربي لا يستطيع أن يرى، أو لا يريد أن يرى، فلقد صار مؤكّدا أنّ تغييراً تاريخياً عظيماً طرأ على العلاقات الدولية، وأنّ المركزية الاحتكارية الأوروبية/الأميركية، بوجهها الاقتصادي، لم تعد سيّدة الموقف الدولي بصلاحيات مطلقة، فهاهي الدول الثرية الربوية السبع في نهاية اجتماعاتها التي عقدتها في روما لمعالجة الأزمة الدولية: “ترجئ كلّ شيء إلى وقت لاحق”! أي إلى اجتماع القمّة الاقتصادية للدول العشرين المزمع انعقاده في الثاني من نيسان/إبريل المقبل! (الصحف – 14/2/2009).

لقد أعرب جوليانو نوسي، الأستاذ في معهد االبوليتكنيك، عن اقتناعه بعدم فاعلية مؤتمر روما، فبيانه الختامي، كما قال، ليس عملياً، وما تضمّنه أقرب إلى “المبادئ العامة”! وقد أضاف نوسي أنّ القمة المنتظرة لمجموعة العشرين، التي تضمّ الدول الناشئة أو الناهضة وضمنها الدول السبع، هي الأهمّ بكثير، لأنّ الدول السبع لا تستطيع حلّ الأزمة بمفردها! وقد شاركه رأيه عدد من الاقتصاديين البارزين الذين ساهموا في أعمال مؤتمر روما، غير أنّ النظام الرسمي العربي لا يبدو مقتنعاً، وسوف تذهب أهمّ وأكبر دوله النفطية إلى قمة العشرين منحازة مسبقاً إلى الدول السبع الاحتكارية وليس إلى الدول الثلاث عشرة الناهضة، وسوف يدعم حضورها الدول السبع، بفضل صناديقها المالية السيادية (الكاش!) التي لا تملك غيرها من وسائل القوة، وبما أنّ هذه الصناديق مرتبطة ارتباطاً لا ينفصم بالمصارف والأسواق الأوروبية/الأميركية فإنّ الدولة العربية، التي جيء بها إلى القمة، سوف تتصرّف على هذا الأساس، رابطة قراراتها ومواقفها ومصيرها بالأوروبيين والأميركيين، متجاهلة شاءت أم أبت ما يرتكبه هؤلاء من جرائم فظيعة ضدّ بلادنا وثرواتنا وأمتنا، ناهيكم عمّا يرتكبونه بحقّ العالم أجمع!

إنّ وزراء المالية وحكّام المصارف المركزية لكلّ من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان، الذين أنهوا اجتماعاتهم في روما، تعهّدوا في صدر بيانهم الختامي بتثبيت استقرار الاقتصاد العالمي وأسواقه المالية، وعدم الانسياق للإجراءات الحمائية: “بانغلاق الدولة على نفسها وتحصين اقتصادها في مواجهة الركود”! وإنّ أغرب ما في هذا التعهّد أنّ المقصود به هو الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، وليس الصين بالدرجة الأولى! فالميول الحمائية تظهر بوضوح في واشنطن وباريس، وهي موجودة عند بقية الدول السبع، التي لم يتورّع قادتها عبر التاريخ عن طعن بعضهم في الظهر، خلافاً لما يتفقون عليه داخل حلفهم التاريخي وفي مؤتمراتهم العظيمة! وبالفعل، عبّر وزير المالية الألماني شتاينبروك عن قلقه من غدر حلفائه، حين قال أنّه حصل على وعد من نظيره الأميركي تيموثي جيتنر بأن لا تعزل الولايات المتحدة نفسها عن قواعد المنافسة الدولية في ما يتعلّق بسياستها التجارية! ففي الولايات المتحدة تتردّد اليوم في كلّ مكان عبارة: “اشتر المنتجات الأميركية”! وذلك في سياق الخطة الجديدة التي الموضوعة لاستنهاض الاقتصاد الأميركي الكابي، والغريب في الأمر أنّ توجّه هذه الخطة يتعارض تماماً مع ما تطلبه واشنطن من غيرها، وهو عدم اللجوء للإجراءات الحمائية، فهي تريد السوق الدولية حرّة أمام بضائعها من دون أن تتقيّد بالمثل، حيث توجهاتها واضحة الحمائية!

لقد أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أنّه سيصادق على خطة إنعاش للاقتصاد، في احتفال يقام في دنفر/ولاية كولورادو بتاريخ 17/2/2009، وتقوم خطة الإنعاش على رصد مبلغ 787 مليار دولار أقرّها مجلسا النواب والشيوخ، غير أنّ الأزمة تبدو أعظم بكثير، وأنّها أشبه بالثقب الفضائي الأسود الذي يبتلع كلّ شيء ببساطة وبلمح البصر، ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس عن خطّته كانت إدارة شركة “جنرال موتورز” العملاقة تعلن عن أنّها تدرس خيار إشهار إفلاسها وتأسيس شركة جديدة! إنّ إدارة هذه الشركة، كما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تتطلع إلى إعادة هيكلة شركتها كما وعدت الحكومة كي تحصل على قروض اتحادية قيمتها حوالي أربعة مليارات دولار، بل هي تطلب أكثر من هذا المبلغ بكثير تفادياً لإشهار إفلاسها! أي أنّ على دافعي الضرائب والعمال والموظفين الأميركيين أن يتحمّلوا أعباء خسائر الشركة سواء أعلنت إفلاسها وسرّحتهم أم لم تعلنه بفضل أموالهم!

إنّ عالم المال والأعمال في مجموعة الدول السبع المتحالفة الثرية هو عالم الاحتيال والغدر حتى في علاقاته الداخلية، فليس ثمّة رحمة أو شفقة بصدد من هو أدنى موقعاً عندما تتطلب المصالح نهبه أو شطبه، غير أنّ المدهش هو إعراب هذه المجموعة، بعد اجتماعها في روما، عن “ارتياحها” لإجراءات الصين الداخلية التي تساهم في التخفيف من حدّة الأزمة العالمية! إنّها الإجراءات التي يطالبون بها غيرهم قبل أن يتخذوها ويلتزموا بها هم أنفسهم! لقد كانوا دائماً يوجّهون النقد الشديد لسياسة بكين الاقتصادية والمالية، أمّا الآن فقد تراجعت واشنطن عن قول ما اعتادت قوله، وعبّر وزير المالية الأميركي الجديد عن “ارتياحه” للإجراءات التي اتخذتها الصين على صعيد الميزانية، فهي “لم تعد تتلاعب في تحديد سعر صرف عملتها”! والوزير الأميركي الجديد يرى أنّ “وضعاً متوتّراً بين الصين والولايات المتحدة سيكون له أثر خطير على الأسواق الدولية”! ويرى أنّه، كي لا يحدث ذلك، “ينبغي على بكين الاستمرار بصورة أساسية في شراء سندات الخزينة الأميركية”!

في شهر نيسان/إبريل القادم، في قمة الدول العشرين التي أصبحت هي المرجعية الأولى كما يبدو، سوف يظهر أكثر مدى التغيير الذي طرأ على العلاقات الدولية على حساب المركزية الأوروبية الأميركية الظالمة، وسوف تعبّر كلّ دولة عن أثر هذا التغيير بإظهار مقدار تقدّمها واستقلالها، أمّا النظام الرسمي العربي فسوف يعبّر، للأسف الشديد، عن مدى التزامه بالنظام الدولي المتقهقر ومدى ولائه لرموزه!

Ns_shamali@yahoo.com