هكذا تفهم الحروب وهكذا تنتهي

مازن كم الماز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1815)

ليست الحروب مجرد نتيجة للجشع، بل هي أكثر أشكال التعبير عن هذا الجشع دموية وأكثرها صراحة و تطرفا في عدائها للإنسان. الحرب هي أكثر أشكال ممارسة الحياة سخفا وغرابة ولا عقلانية وجنونا، إنها أكثر حالة عبثية اخترعها الإنسان ومارسها حتى اليوم، لكنها طالما ادعت وتدعي أنها ابنة شرعية للعقل، للوطن، للرغبة السامية في التضحية بالنفس والغيرية، وليست للجشع أو للعبث.

كانت الحرب العالمية الأولى أكبر مذبحة في التاريخ حتى ذلك اليوم قادت إليها الحكومات البرجوازية الأوروبية “الوطنية” شعوبها على وقع طبول الدعاية الوطنية. لكن هذه المذبحة كشفت بشكل فاجر عن حقيقة العقلانية البرجوازية، كان حجم المجزرة هائلا بسبب التكنولوجيا المتطورة للمدافع والرشاشات التي زودت بها الصناعة البرجوازية الرجال على جانبي الخندق، كانت هذه هي الإضافة الخاصة للبرجوازية لملاحم القرون المنصرمة…كان الرد على كل هذا الموت المجاني بالكامل في حروب التكنولوجيا العقلانية ساخرا بالضرورة، مفعما بالعبثية التي أخذت تنضح من كل صوب.

بدأت القصة بالدادائية ثم بالسوريالية، رفض لكل شيء، رفض غاضب معاد للفن و للسياسة بشكلها السائد، يسخر من كل شيء “عظيم و جدي”، ربما كان رفضا بلا شواطئ، لكنه كان رفضاً أو هدماً بغرض إقامة بناء مختلف، آخر، أقل إثارة للسخرية و الموت على الأقل. لكن كانت هناك ردود أخرى، ردود كانت قادرة على أن تحتفظ بعقلانية الأصل بل و تطورها في اتجاهات مختلفة، أو في اتجاهين مختلفين كي نكون أكثر دقة:

ـ من جهة كانت الماركسية قد بدأت تشهد صعودا جماهيريا كبيرا بعد الحرب بين الجماهير التي فاجأها حجم الخراب الذي انتهت إليه الكارثة.. وكابنة شرعية لفكر الأنوار البرجوازي العقلاني، كانت الماركسية تدعو نفسها اشتراكية علمية، وانتهت أخيرا إلى الستالينية في روسيا وإلى تمددها أوروبيا وعالميا من ثم مع نهاية المذبحة العالمية الثانية.

ـ على الجهة المقابلة كانت العقلانية البرجوازية تحاول إعادة تأسيس شرعيتها اعتمادا على العلم “البرجوازي”، كانت حلقة فيينا تدفع نحو تأسيس الوضعية المنطقية، معتمدة على الأعمال الأولى للودفيغ فيغينشتاين، معلنة أنها بذلك تعمل على إخضاع المعرفة الإنسانية للأسس العلمية والمنطقية باستخدام لغة العلم المعيارية الوحيدة كلغة للفلسفة.

كانت قصة صعود التجريبية أو الوضعية المنطقية في أمريكا الإمبريالية قصة سياسية بامتياز: هاجر إليها بعض الوضعيين المنطقيين هربا من الاضطهاد النازي فقط ليصبحوا هتافين ومصفقين للوضع السائد في بلادهم الجديدة، و مقدمين لها مبررات جديدة لسياساتها..وعندما انتقل تمويل التجارب العلمية وإدارتها من الشركات الكبرى إلى شركات الصناعة العسكرية تحديدا كان هؤلاء الوضعيون يعلنون هذا “العلم” الخاضع للشركات الكبرى قيمة أساسية و اجتماعية وفكرية وحيدة.

دافع تحالف البراغماتية مع الوضعية المنطقية، الذي سيطر على الفكر الأمريكي حتى السبعينيات من القرن العشرين، عن شكل سائد من “الطبيعية” الذي استخدم لأغراض عنصرية ومحافظة وكضد للمساواة، واستخدم كمبرر لسيطرة الشركات الكبرى على إنتاج العلم وتسخيره لخدمتها*..انتهت العقلانية البرجوازية لعصر الأنوار إلى إنتاج القوتين السياستين و الفكريتين الأكبر في الحرب العالمية الثانية و ما تلاها من حرب باردة، اللتين أصرت كل منهما على التصاقها بالعلم و أنها نتاج مباشر له، وكان استخدام كل منهما للعلم يمثل امتدادا لاستخدام الحكومات البرجوازية الوطنية له في المذبحة الأولى، كان سباق التسلح والتنافس في اختراع وتخزين ما سمي بأسلحة الدمار الشامل أي الأسلحة القادرة على تدمير كل البشرية هو الذروة الحقيقية لهذه العلموية المكرسة للدفاع عن القوى التسلطية. كان هذا ذروة “العقلانية”، قمة جنونها وعبثها، قمة غرورها واستعدادها للمضي في صراعاتها حتى النهاية، نهاية البشرية، دون تردد. وحده سقوط العملاق السوفيتي وضع حدا للجنون الذي وصل مع ريغان إلى درجات غير مسبوقة ربما منذ أيام جنكيز خان..مثل بوش قمة أخرى أكثر سخفا وغباءا وضحالة لكن من حظ البشرية أنه كان يكتفي بمحاربة طواحين الهواء “فاقتصرت” الخسائر على مليون عراقي وعدد آخر غير محدد من الأفغان.. أنجبت حروب الغرب الاستعمارية وابنته غير الشرعية إسرائيل، في عمق عقولنا ووجودنا، أنجبت الضدين مرة أخرى: ضد نخبوي علموي لدرجة أنه لا يكتفي بالصمت على المذابح التي يقوم بها الغربي المستعمر “العقلاني”، بل ويهلل لها ويعتبرها خلاصا من كل آثار التخلف والتأخر “اللاعقلاني” الشرقية بامتياز، وضد لاعقلاني شعبوي يرفض تلك العقلانية القاتلة لكن دون أن يتمتع بروح السخرية وبالرغبة في الهدم التي رافقت الحركات اللاعقلانية أو حتى المضادة للعقل التي ظهرت عادة بعد الحروب الكبرى، لاعقلاني بمعنى أنه ذا فهم أصولي للحقيقة و الهوية. وهو يشكل ضدا لا يقل رغبة في القتل واحتقاره للإنسان، إنسانه بدرجة لا تقل عن الآخر، من خصمه العقلاني الغربي… هذا ليس دليلا على نقص في روح السخرية والعبث لدينا، بقدر ما يشير إلى تواطؤ رهيب شنيع وفاجر ضد الإنسان في منطقتنا، في مجتمعاتنا..بقدر ما يدل على حالة رهيبة تتناقض تماما مع الحديث الدارج عن الإنسان، وحتى عن حقوقه، من احتقار الإنسان و تمجيد كل ما يحط منه، بل و تمجيد قتله علانية، هذا يعني شيئا واحدا، خاصة أمام مجازر كالتي جرت مؤخرا في غزة مثلا، أن الصمت هو أكثر من تبرير للقتل، إنه مشاركة كاملة في القتل، أن لا مساومة مع أي تبرير للموت و القهر..هذا الإنسان المحشور من جديد في المنتصف، المسلوب حتى من قدرته على السخرية من كل هذا العبث المميت بأوامر و فتاوى مختلفة، يملك مبدئيا الغضب، الرفض، الهدم، كرد مباشر على موته المجاني، على قهره غير المحدود، بينما يمكننا الحكم بموضوعية أنه لا يستطيع تحمل كل هذه القذارة بل و ينخرط في تمجيدها، كما كان يفعل محازبو الستالينية أو الإمبريالية في الحرب الباردة، إلا بشر بلغوا مرحلة البلادة، بشر يحملون إيديولوجيا “أكبر” من كل البشر، لا يبصرون إلا السادة، سادتهم، الذين يرونهم فوق البشر، أكبر من كل البشر.

* How positivism made pact with post-war social sciences in America, Philip Miroski. From //alileo.fcien.edu.uy/individualismo.htm