يا عمال العراق صلوا على النبي وال بيته!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1815)

الشاعر والمناضل احمد فؤاد نجم فكك الشعار الماركسي المعروف ياعمال العالم اتحدوا والذي ما زال تاجا يزهو على راس اول بيان برنامجي تثويري علمي وعملي للطبقة العاملة في العالم ” البيان الشيوعي ” ثم دمج صدره بعجز مستعار من ديباجة الدعوة الاسلامية المشهورة للصلاة على النبي، فكانت النتيجة مضحكة ومدهشة ” يا عمال العالم صلوا على النبي ” ربما اراد نجم بذلك ان يرمي حجرا كاريكتيريا لا يؤذي احدا من الطرفين باتجاهات مختلفة، منها ان الاسلاميين والشيوعيين لا يلتقون ايديولوجيا مهما امتدت خطوطهما الى جانب بعضها لانها خطوط متوازية، وان التقت فمعنى ذلك ان هناك شيئا ما قد حصل في استقامة خط احديهما نحو الاخر، وواضح من معنى التوليفة ـ النكتة ـ التي صاغها نجم، ان النداء ما زال ينادي بذات المنادى عليه الماركسي يا عمال العالم، ولكن منطوق النداء، العجز يفضح الانحراف، صلوا على النبي، هناك من يؤول المعطى فيقول : ان الاتحاد هو صنو الصلاة على النبي، فانك تقول دائما للذي لا يصغي او لا يعي الموقف صلي على النبي، اي تعال الى كلمة سواء، والسؤال هنا نصلي على النبي من اجل ماذا ؟ اذا كنا نريد ثوابا في الاخرة فالامر لا يتطلب الوحدة من اجل الحصول عليه، ولكن ان نصلي عليه بمعنى ان نترك نضالنا اليومي لانتزاع حقوقنا ونتبع طريق الاخوان في الدعوة فهذا عين الانحراف، الا اذا كان المعنى يقصد ياعمال العالم صلوا على النبي وتعالوا نتوحد على طريقة ماركس…!

ربما يقول قائل ان نكتة نجم ابسط من ذلك بكثير لانه رواها بطريقة بريئة : اراد بعض الشيوعيين والاسلاميين ان يخرجوا بمظاهرة واحدة وبشعارات واحدة وبحسن نية توصلوا الى هذا الدمج الشعاري الذي لا يرمي الى حرف مسار احدهما باتجاه الاخر وانما مد لجسور الرفقة الممكنة دون اجتثاث، والشعار متجانس من حيث منطقه البسيط. نعم ربما هذا استنتاج صحيح ايضا. ما يهمني هنا ليست توليفة نكتة احمد فؤاد نجم وانما حالة التردي التي يعيشها اليسار العربي عموما ومنه العراقي طبعا بحيث غابت ريادته وقيادته للجماهير وانزوى في الزوايا وكانه خردة لماكنة كانت يوما ما عملاقة، وصار مجرد ذكريات او شيء يشغل حيزا من الفراغ لكنه لا يتفاعل معه جدليا، حتى باتت نخبه الرسمية اما تحت اجنحة الانظمة الامنية والبوليسية، او سجينة ادمنت الدوران حول نفسها، او ارتضت لنفسها دورا يحدده لها الاخرون حتى ولو كانوا من الاسلاميين الطائفيين!

تطبيقات عراقية

اولا ـ مشاركة حزب ” الطبقة العاملة العراقية ” وبحماسة في مجلس للحكم بصيغة تحاصصية بين الطوائف والاثنيات العراقية، وكان حساب الحزب ضمن النسبة الشيعية، والعملية كلها تحت رعاية ووصاية مندوب الامبراطور الامبريالي العالمي الامريكي المحتل للعراق بول بريمر!

ثانيا ـ تملق حزب ” الطبقة العاملة العراقية ” وذيليته للاحزاب الطائفية في الجنوب، حتى انه تغاضى وتوارى وما زال عن انتقاد ممارساتها المشينة، ثم يبتعد عن الانظار كي لا يحرجه احد بخزرة تهيض مضاجعه، ويصمت حتى على تجاوزاتها ضد منتسبيه واغتيالهم او حرق مقراتهم!

ثالثا ـ وضع الحزب ومنظماته في شمال العراق تحت تصرف قيادات الاحزاب العنصرية هناك ـ اوك وحدك ـ والتماهي مع سياساتها وتحالفاتها وتطلعاتها المشروعة وغير المشروعة، وكان لتقسيم الحزب بين عراقي واخر كردستاني ومنذ عام 1993، اثره البالغ في تعميق سياسته الذيلية للاحزاب القومية العشائرية الكردية، وكان هذا التقسيم اسفين تحريفي لا يمت للشيوعية بصلة وهو مستوحى من مناخات ياعمال كردستان انفصلوا، انه طعنة نجلاء في صميم وحدة الطبقة العاملة العراقية ومصائرها!

رابعا ـ انغماس قيادة الحزب حتى اذنيها في الفساد والافساد الجاري من خلال مسؤليتها المباشرة وغير المباشرة في البرلمان والحكومة والوظائف العامة وعلى ذات القواعد التحاصصية!

خامسا ـ الانعزال عن العمل النقابي وعن متطلبات النضال المهني والمطلبي، وتجاهل النضالات العمالية والاضرابات والاعتصامات التي حدثت في السليمانية والبصرة وغيرها، اضافة الى اتباع سياسة الا موقف ـ او مانريد انزعل احد ـ اي انهم يريدون مراضاة الحكومة واحزابها المتنفذة حفاظا على مكاسب الصفوة القيادية!

سادسا ـ نزعة التعالي والترفع عن معايشة هموم الفئات المسحوقة والمطحونة في العراق، ويبدو ان قيادة الحزب راضية عن نفسها وما حققته لها وبالتالي فهي ليست بحاجة لمعمعة التغلغل الجماهيري وتقديم التضحيات الميدانية بالتنافس مع الاخرين، او بنصرة المظلومين على الظالمين، بل ان اغلبها يقيم موسميا في العراق لان معظم عائلاتهم ما زالت تعيش في بلدان اللجوء الاوروبية، اي ان هناك متغيرات نوعية في ماهيات الكادر القيادي، منها ضعف روابط الانتماء والمعايشة واعتبار فترة التواجد داخل العراق نوع من انواع الاستثمار المربح وخاصة في شمال العراق حيث الامتيازات والرواتب الاضافية!

سابعا ـ مجاراة المد الديني والطائفي المتخلف، من خلال التشجيع على المداومة في التردد على الجوامع والحسينيات والمواكب والزيارات، والانقطاع عن التثقيف بالفكر الشيوعي والاشتراكي، ووسائل اعلام الحزب خير شاهد على ذلك، الحرص على مجاملة قادة الاحزاب الدينية، والظهور في وسائل اعلامها بدون ملامح سياسية متميزة تذكر، مما يساعد على طغيان فورة تلك الاحزاب، واستخدام نفس مصطلحات وتقييمات وتشبيهات الاحزاب الدينية، حتى ان الكثير منهم اخذ يقلدهم بالاكسسوارات وذلك بوضع محابس الفضة باصابع يديه وبحمل السبح الى غير ذلك، وبعضهم يفعل ذلك نهارا ويسكر ليلا، كواحدة من مظاهر النفاق والزيف!

وختاما ليس بالغريب لو جرى تداول شعار ياعمال العراق صلوا على النبي وال بيته كبديل فعلي عن شعار حزب الطبقة العاملة العراقية والعالمية الخالد، ياعمال العالم اتحدوا!