حرب “صليبية ـ فرنجة” ضد الحماية: من العشرين للسبع الكبار!

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1817)

عقد مؤخراً مؤتمر للدول السبع الكبار في روما ضم وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لهذه الدول. واللافت أن هذا المؤتمر استثنى الدول الأخرى التي شاركت في مؤتمر العشرين في البرازيل في نوفمبر من العام الماضي، والتي اعتبرت من الشركاء في مسؤولية مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية.

وربما اللافت أكثر تغييب روسيا عن نادي السبع الكبار، حيث تم “إلحاقها” بهذا المنتدى خلال فترة يلتسين، رغم أن الاقتصاد الروسي كان متدهوراً، وجرى استثناؤها في هذه الفترة مع انها شهدت في العقد الأخير صعودا اقتصاديا، وصعود دورها السياسي القطبي، في فترتي بوتين وميدييديف حيث لم يتراجع نموها الاقتصادي عن 6%. ويمكن طرح التساؤل نفسه عن مختلف بقية دول العشرين الصين، البرازيل، السعودية، الهند…الخ.

ما تهيىء للمراقب أن لقاء نوفمير قد أرسى قاعدة جديدة لطبقة حاكمة عالمية وبالتالي اصبحت عضوية الكبار عشرين أو أكثر. لكن هذا لم يحصل. وعدم الحصول يكشف عن مسألة هامة هي أن بلدان المركز الرأسمالي المتقدم، وهذه المرة الكلاسيكي، بينها من المصالح ما يدفعها للعمل الاقتصادي على محورين:

□ الأول: اعتبار نفسها واقتصاداتها هي مركز النظام، وبالتالي الحفاظ على سياسات اقتصادية (ما فوق-امبريالية كما قال كاوتسكي منذ قرن) هو ضرورة لها

□ والثاني: تطويع الاقتصادات التي تقترب من مستوى المركز كي تكون رصيداً احتياطياً لها عند الأزمات. بمعنى أن دول المركز لم تتخلى عن قرار ودور الهيمنة.

في تغطية لهذا المؤتمر نشرت صحيفة وول ستريت مؤخراً مقالة عنوانها: الدول السبع الكبار التي اجتمعت في إيطاليا: ” نحتاج لحرب فرنجة (صليبية) جديدة ضد الحماية”.

فعلى أية أرضية جاء هذا الموضوع؟ ومن هو الطرف أو من هي الدول التي تلجأ للحماية، ومن هي الدول التي تنزعج من الحماية، وقبل كل هذا ما هي الحماية في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي؟

بدأ جدل الحماية والانفتاح الاقتصادي مع انتقال أوروبا الغربية من الاقطاع إلى الرأسمالية، وبشكل خاص مع بروز مدرسة الاقتصاد السياسي الكلاسيكي على يد آدم سميث وبعده ديفيد ريكاردو، هذا إذا لم نتحدث عن المدرسة الفيزيوقراطية الفرنسية صاحبة شعار: “دعه يعمل دعه يمر”.

ملخص القول هو أن الدول الأوروبية المبكرة إلى الرسملة والتصنيع هي التي رفعت شعار حرية المتاجرة بين الدول، ذلك لسبب اساس هو أن لديها ما تبيعه، ولذا، فهي تطالب بإزاحة اية قيود أو عراقيل أمام انسياب السلع إلى البلدان الأخرى. وهو الانسياب الذي إذا ما عُرقل يتم اللجوء إلى تسييره بالحرب الاستعمارية سواء بين المستعمِرين انفسهم كمتنافسين أو ضد المستعمرات.

ولكن شعار حرية المتاجرة الدولية كان يترافق في الدولة القومية مع مسألة خطيرة ومناقضة وهي حماية الاقتصاد القومي. ومن هنا يتضح النفاق والتلاعب في السياسات الاقتصادية للدول التي تنتج سلعاً للتصدير، بمعنى أنها تعظ بالحرية دولياً، وتمارس الحماية قومياً.

لذا، قال كل من وزير التجارة الإيطالي أدولفو يوسرو: ” إن مخاطر الحماية تطال التجارة الحرة، وعلينا تحريك قوى صليبية- “إفرنج” حقيقية لوقف ذلك” قال هذا وإلى جانبه المدير العام لمنظمة التجارة العالمية .

كان حديث الرجلين هذا على هامش مؤتمر وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية للسبع الكبار في إيطاليا وهو اجتماع مخصص أساساً لتوفير التدابير اللازمة للحيلولة دون أن يؤثر التأميم الاقتصادي على الاقتصاد العالمي. وبدوره قال باسكال لامي، لا بد من ان تختتم دورة الدوحة لحرية التجارة بالتذكير والتنبيه بأن العالم يمر بأزمة ركود. وأضاف بأن من المهم معرفة اين تقف الإدارة الأميركية الجديدة من مسألة التجارة الدولية، فهم لم يُبرزوا بطاقاتهم بعد بهذا الشأن. وهذا الحديث مقصود به “ترتيب” البيت الداخلي لبلدان المركز المتقدم.

لذا، وفي هذا الصدد يتعرض وزير الخزينة الأميركي تيموثي جيثنر لنقد من نظرائه الأوروبيين بسبب شعار التحفيز الذي يرفعونه في الإدارة الجديدة وهو : “إشتري منتجات الولايات المتحدةBy US “، فالأوروبيون يريدون مطالبته بأن يبدي التزامه بأحكام منظمة التجارة العالمية.

كما تتعرض الحكومة الفرنسية بقيادة ساركوزي كذلك لنقد من دول الاتحاد الأوروبي لأن هذه الحكومة وضعت خطة إنقاذ لشركات السيارات الفرنسية لمواجهة التدهور الاقتصادي الحاصل.

أما أكثر الدول خشية من الحماية فهي ألمانيا واليابان وإيطاليا لأن اقتصاداتها تعتمد لدرجة كبيرة على التصدير.

لعل من السذاجة بمكان أن نعتقد بانحصار القلق لدى السبع الكبار في العلاقات ما بينهم. صحيح أن التبادل البيني للسبع هؤلاء يصل إلى 75% من مجمل متاجراتهم. لكن هذا لا يمنعهم من شهوة التجارة المربحة مع بقية بلدان العالم. يكفي أن يشير المرء إلى إلى تاريخ طويل من التبادل اللامتكافىء بين المركز والمحيط الذي عالجه إرجيري إيمانويل منذ ستين عاماً، والذي عوَّض بلدان المركز في فترة الاستقلالات الشكلية عما فقدته في فترة الاستعمار المباشر. وتصبح الشهوة أعلى كلما غاص الاقتصاد العالمي في الركود أكثر لا سيما أن الأزمة الحالية بدأت في المركز نفسه.

لذا، أصدر هؤلاء في نهاية اجتماعهم قبل ايام او وضعوا معاييراً صارمة لحماية الأسواق المالية، لا سيما في فترة تذوب فيها الوظائف بأعداد هائلة ويتبع هذا بالطبع تقلص في الانتاج وهو نابع من ضعف الاستهلاك. ويكفي في هذا الصدد الإشارة إلى أن مبيعات السيارات في بريطاينا هبطت عام 2008 بنسبة 60 بالمئة، وأن معظم الشركات الأوروبية قامت إما بتقليص عدد العمال أو بتقليص الأجور تلافيا للطرد النهائي او بالإجرائين معاً، وان البطالة (حسب السجل الرسمي) في الولايات المتحدة وصلت 8,5% وأن شركة ساب السويدية تطالب الحكومة بإنقاذها وهي فرع لشركة جنرال موتورز الأميركية. كما لا يخفي قادة السبع الكبار اقتناعهم بأن التدهور سوف يستمر طوال عام 2009.

ومن جهة ثانية، وكعلاج للأزمة المالية يركز هؤلاء على ضرورة توفير التسهيلات للمواطنين للحصول على التسهيلات المالية باعتبار هذا الوصول هو محفز للاستهلاك. لكنهم في الوقت نفسه، قلقون من قرارات تقود ولو تدريجياً إلى درجة ما من تأميم البنوك. وحصول التأميم الجزئي أو الكلي سوف يزيد من الضوابط على أسواق المال وبالتالي يقلل التسهيلات المفتوحة للمواطنين، وهي نفسها التي قادت إلى الأزمة الأميركية المالية ومنها إلى العالم.

تضمن البيان الختامي للاجتماع شن حملة شديدة ضد الحماية، مؤكداً على أن اية معايير حمائية قد تؤخذ اليوم سيتم الندم عليه لاحقاً. ومما ورد فيه:

“إنها سياسات شعبوية -هي عادة – لا تعدو كونها ضربا من التسلية المؤقتة لقصيري النظر، وهي تلبي الطلب قصير الأمد ايضاً، حين يطبق في بلد محدد.”

لذا وجه المجتمعون نقدا إلى الديمقراطيين في الكونجرس الذين يعظون الأميركيين بشراء منتجات أميركية، وإلى نظرائهم في كندا، وإلى نقابتين عماليتين كنديتين. وجادل هؤلاء بأن الدروس المستفادة من فترة الكساد تشير إلى أن التاريخ الحديث قد أكد بأن الحمائية هي سياسة مضادة للإنتاجية المطلوبة لانتعاش إقتصادي مستدام. ودعوا إلى مقاومة لإغراء سياسات الحماية.

ولعل أوضح ما تضمنه البيان الختامي القول:

” إن نظام تجارة واستثمار عالميين، أمر لا بد منه للازدهار العالمي، وإن السبع الكبار يؤكدون التزامهم بوضع معاير تتجنب الحماية، والتي تؤدي بدورها الى مفاقمة الهبوط الاقتصادي وتلتزم بعدم وضع حواجز جديدة وأن تعمل باتجاه الوصول إلى نتائج طموحة في دورة الدوحة”.

كما رحب المؤتمرون باية مبادرة من الصين لإنعاش الاقتصاد العالمي، لكنهم استثنوها كما اشرنا أعلاه. واختتم المؤتمر بتاكيدات من الوزير الأميركي بأن خطة الإنعاش التي وضعها أوباما لن تؤثر على التزام الولايات المتحدة بحرية التجارة.

ولكن، لماذا استعمل المؤتمرون كلمة “فرنجة-صليبية”؟ هل كان ذلك بهدف البلاغة، هل هي “زلَّة” لسان؟ أم أن لها بعداً خاصة بالبلدان العربية مما يجعل استخدام هذا المصطلح مناسباً لطبيعة شهوة بلدان المركز لثروات الآخرين. هذا ما ستبينه الأيام القادمة، فما يكون في كواليس الاستكبار الغربي، لا يلبث أن يطفو على السطح.