عروبة ما تبقى من مدينة “القدس” في خطر!

محمد العبد الله

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1819)

جاءت الإنذارات/الإخطارات الأخيرة التي تسلمها أصحاب المنازل الثمانية والثمانين، سكان حي البستان في منطقة سلوان الموجودة داخل بلدية القدس المحتلة، لتدفع إلى الواجهة معركة صمود أبناء القدس في الدفاع عما تبقى من عروبة مدينتهم، في وجه عمليات تهويدها، المنطلقة من طرد سكانها عبر دفعهم لمغادرة أماكن إقامتهم والإنتقال للسكن في مناطق أخرى. ويتهدد الهدم تلك المنازل بعدما رفضت بلدية القدس المصادقة على الخارطة الهيكلية التي قدمها الأهالي لترخيص بيوتهم المقامة قبل احتلال المدينة في العام 1967. وتعمل بلدية القدس على اخلاء ألف وخمسمائة مواطن مقدسي من بيوتهم في الحي بدعوة أن البناء غير مرخص وأن البيوت أقيمت في منطقة ذات أهمية تاريخية! لأن بلدية القدس، وكما يتضح من مخططات التنظيم الصهيونية، والموضوعة منذ عام 1977 على خطة الهدم والطرد للمواطنين العرب، بهدف ” تأهيل ” المنطقة لمشروع إقامة “مدينة الملك داوود”. الاجراءات التهويدية الحالية هي إعادة احياء جديدة لتلك الخطوات الاحتلالية/الاجلائية التي تعرض لها الحي المذكور منذ عام ألفين، حينما وزعت إدارة البلدية الصهيونية إنذارات الإخلاء على سكان تلك المنازل. وهذا ما أكده “فخري أبو دياب” عضو لجنة الدفاع عن أراضي سلوان ومدير مركز البستان الذي صرح قبل أيام قليلة ” هناك أوامر صدرت بهدم كافة المنازل بحجة عدم الترخيص، لكن التحرك على المستوى الاعلامي والشعبي والرسمي حال دون تنفيذ قرارات الهدم، وطلبت البلدية من السكان تنظيم المنطقة لإصدار تراخيص بناء، وقامت بفرض غرامات على البناء دون ترخيص على السكان”، مضيفاً “الأهالي شرعوا في اجراءات قانونية وهندسية لتنظيم المنطقة، الا أنهم عند استيفاء كافة الشروط، فوجئوا برفض التنظيم من قبل اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء”.

إن تنفيذ مخططات الهدم والتهجير تتم بخطوات متسارعة من أجل تحويل القدس لمدينة يهودية كما هو واضح وجلي في تنفيذ المخطط الصهيوني الهادف افراغ القدس الشرقية المحتلة تماماً من العرب حتى عام 2020. وقد قررت حكومة العدو إفراغ المدينة من سكانها العرب بعدما أظهرت العديد من الإحصاءات أن عدد الفلسطينيين في القدس الشرقية يقارب 260 ألف عربي بينما تجاوز عدد اليهود أكثر من 182 الفاً، ولهذا بدأت حكومة العدو، بإقامة الجدار لتتخلص من 100 ألف عربي من أجل إقامة القدس الكبرى بحسب المفهوم الصهيوني، بالإضافة لفرض إجراءات متعددة تخدم تحقيق الهدف الاستراتيجي” تهويد المدينة” من خلال سحب الهويات ورسوم الضرائب الباهظة. ولهذا فالمحاولة الأحدث في مسلسل طرد المواطنين، وهدم بيوتهم، من أجل “إعادة البناء” لمستعمرات جديدة، لتحقيق هيمنة ديمغرافية كاملة للمستعمرين اليهود في ما يعرف “غلاف المدينة” أو “الحوض المقدس”. ولتثبيت ” وقائع جديدة ” على الأرض، لفرضها راهناً ومستقبلاً على الطرف الفلسطيني، على أساس مبدأ الرئيس الأميركي الأسبق” كلينتون” بـ “أن ما لليهود في القدس سيقبى تحت سيطرتهم، وما هو فلسطيني سينتقل للسيادة الفلسطينية”.

وقد حذرت “مؤسسة الأقصى” في تقريرها الاحصائي الصادر مؤخراً، والذي يغطي الانتهاكات التي أقدمت عليها سلطات الاحتلال في القدس والمسجد الأقصى خلال عام 2008 من خطورة الأوضاع التي تتهدد المدينة والمسجد. وفيما يتعلق بعمليات الهدم والتهويد لحي سلوان الكبير، يشير التقرير إلى ” أن سلطات الاحتلال “الإسرائيلي” شرعت بتنفيذ مشروع تهويدي لتطويق حي سلوان المحاذي للجهة الجنوبية للمسجد الأقصى، ويهدف هذا المشروع إلى جعل سلوان مركزا سياحيا تهويديا، ولكي يتسنى لقوات الاحتلال القيام بمخططها فقد أسمته مشروع إقامة البنى التحتية، ولكن الرسوم والمسميات تدل بوضوح على مخططات لتهويد كامل منطقة سلوان، إضافة إلى انتهاك حرمة مقبرة إسلامية تاريخية تم العثور عليها خلال عمليات الحفر عند مدخل حي سلوان في منطقة “وادي حلوة”، حيث تناثرت العظام والجماجم في مساحات واسعة، وقد تم إخفاء معالم هذه المقبرة، وتم كذلك نقل العظام إلى منطقة مجهولة، كما أن الجهات “الإسرائيلية” ما زالت تمارس حفرياتها في المنطقة المذكورة “. ويسلط التقرير المذكور الضوء على بعض جوانب السطو على ملكية المواطنين العرب لبيوتهم وممتلكاتهم، التي تمارسها بلدية الاحتلال “بدأت سلطات الاحتلال “الإسرائيلية” بتسجيل الأملاك والعقارات التي استولى عليها المستوطنون في البلدة القديمة في القدس، من أجل تثبيت ملكيتها لجهات يهودية استيطانية، وتم الكشف عن تسجيل وتثبيت 120 عقاراً للمستوطنين من خلال وثائق مزورة وبصورة غير قانونية، وتنوي سلطات الاحتلال تسجيل ما مساحته 137 دونماً من الأراضي والعقارات في منطقة باب المغاربة والبؤر الاستيطانية داخل البلدة القديمة التي تعود إلى الوقف الإسلامي”.

إن ما يجري للمواطنين العرب في حي البستان، ماهو سوى الحلقة الجديدة في مسلسل التهويد و”الترانسفير” الصهيوني. فقد عانى قبل بضعة سنوات، عرب “الجهالين والكعابنة” سكان الأجزاء الشمالية الشرقية من المدينة من اجراءات الطرد. كما أن ما تتعرض له عشرات العائلات في حي “الشيخ جراح” من مضايقات وتهديدات يومية، يفضح خطة الاستيلاء على المنازل العربية، وما الكارثة التي لحقت بعائلة “الكرد” المقدسية، سوى التعبير الأكثر فاشية، على النهج الذي تمارسه حكومة العدو، في الضفة الفلسطينية المحتلة، كوجه آخر لما تمارسه منذ أكثر من ستة عقود في فلسطين المحتلة منذ عام 1948. فمشروع تهويد الجليل والنقب والتي تسميها المحافل الرسمية الصهيونية تضليلاً “خطط التطوير”، وما يتعرض له المواطنون العرب في عكا ويافا، منذ بضعة أشهر، وما يعانيه هذه الأيام أهلنا في قرى وبلدات المثلث في منطقة وادي عارة، وفي الطيرة وقلنسوة وكفرقاسم، من قوانين تعسفية لهدم بيوتهم، وكذلك مايواجهه أبناء شعبنا في حي “الحليصة” في مدينة حيفا منذ أسبوع، من عمليات ابتزاز وتهديد بالاخلاء، يشير إلى تصعيد جديد بالموقف السياسي الصهيوني من أبناء الشعب العربي الفلسطيني المتشبثين بأرض وطنهم.

في ظل المشهد الكارثي الذي يخيم على الأحياء العربية بمدينة القدس، كما بكل الأراضي الفلسطينينة، فإن أصوات المقدسيين لم تتوقف عن حث “الأشقاء” والأصدقاء لمد يد الدعم لصمودهم. فالسلطة الفلسطينية لا تمتلك غير مناشدة الجلاد بأن يتوقف عن ذبح الضحية، وبالطلب من الرئيس الأمريكي التدخل لوقف ما يحصل!. ناهيك عن عجز جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي عن اتخاذ أي خطوة عملية واحدة لمواجهة مايجري. أما القوى الوطنية الفلسطينية فهي منشغلة هذه الأيام بتحقيق القضايا العالقة “المصالحة والتهدئة وفتح المعابر و…شاليط”. إن ما تتعرض له مدينة القدس وجوارها يتطلب من جميع القوى الوطنية، الرسمية والشعبية، العمل السريع لدعم صمود أهلنا داخل المدينة، بالإعلان عن إنشاء صندوق مالي تشرف على إدارته عناصر مقدسية معروفة بنظافة اليد، وتشكيل لجان متخصصة “قانونية ” بمشاركة قوى عالمية، لدحض المزاعم الصهيونية حول قوانين البناء والتملك وحقيقة المخالفات.

إن جهداً استثنائياً عربياً واسلامياً ودولياً لمواجهة تهويد المدينة، أصبح مهمة وطنية راهنة، وتنفيذها يحتاج لأسلوب جديد في العمل والأدوات لدعم بقاء السكان داخل مدينتهم، وحماية مقدساتهم وممتلكاتهم.