عندما يغيب اليسار تعطب ((تنحرف)) اتجاهات البوصلة نحو التحرير

جمالات ابو يوسف

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1822 )

قبل عامين تقريباً وفي الجامعة الصيفية التي تعقدها ما كانت تعرف بعصبة الشيوعيين الثوريين في فرنسا، كان الضيف والمتحدث الاساس في موضوع فلسطين هو الياس صنبر، ممثل السلطة الفلسطينية في اليونيسكو، وقد واجه انتقادا حادا في ذلك الحين من بعض مناضلي/ات هذه العصبة حول موقفه من حق العودة المتمثل في ان “على اسرائيل الاعتراف بحق العودة من حيث المبدأ، بينما تطبيق هذا الحق يخضع للمفاوضات”.

لم يجد الياس صنبر ردا افضل على الفرنسيين الذين اعتبروا ذلك خيانة للاجئين الفلسطينيين ولحقهم الغير قابل للتفاوض غير قوله “انكم لن تكونوا فلسطينيين اكثر مني”.

تجرع هؤلاء الرد بمرارة على اعتبار ان مَن يمثل الفلسطينيين الان هم من شاكلة صنبر.

في هذا العام شهد اليسار الفرنسي حدثا هاما وهو تأسيس واعلان حزب جديد ” حزب مناهضة الرأسمالية الثوري” الذي بادر الى تأسيسه ما كان يعرف بعصبة الشيوعيين الثوريين المذكورة اعلاه. ثم عقد هذا الحزب مؤتمره التأسيسي مباشرة بعد مجزرة غزة، وكان لا بد ان يكون هناك حضور فلسطيني في هذا المؤتمر، حضور ليس لرام الله او من يمثلها هذه المرة، اذ اصبح غير مرحباً به. أوضحت فداحة الهجمة البربرية على غزة، اوضحت مدى عري الخيانة في رام الله وشعارات سلامها، فقد كان الامر جليا كعين الشمس اكثر من أي وقت مضى أن اردنا ان نغفر للعصبة غفلتها عندما تبنت خطاب رام الله او بالتحديد “فريق اوسلو”، لذلك فقد تمت دعوة ناصر كفارنة ممثلا عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من اجل تمثيل ما هو ممكن ليسار فلسطيني من غزة.

لم افاجأ مما سمعت ومن ثمَّ قرأت ما قاله السيد الرفيق ناصر كفارنة، وقد شدتني مقاطع من هذا الحديث وجدتها متناقضة مع غيرها في الخطاب، وذات تعبير ضعيف واحتفالي عن حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة والأخلاقية، كما وجدت ان الخطاب لا يحمل رؤية واضحة للحل النهائي للصراع العربي الصهيوني؟

وبداية، أود الإشارة إلى أن الخطاب جاء مأزوماً كحال اليسار العربي التقليدي الذي طالما عجز عن رؤية البعد القومي للطبقات الشعبية العربية في الصراع، فظل خطابه مفكوكاً إلى جزئين منفصلين عن بعضهما هما الوطني والأممي، ناسياً ان البعد القومي للطبقات الشعبية هو الذي يعطي هذا الموقف تماسكه وقدرته على الفعل.

وأعتقد أن هذا اليسار العربي وخاصة الفلسطيني ماخوذ كعادته بمواقف اليسار التحريفي في القرن العشرين الذي طالما عجز عن التقاط المستوى التقدمي للأمم الخاضعة للاستعمار بنوعيه العسكري/الاقتصادي والاستيطاني، ولا أنسى أن اؤكد لكم ان فلسطين محتلة من الصهيونية والوطن العربي محتل من الكمبرادور المحلي والإمبريالية.

هذا ما لم يذكره هنا رفيقنا، ومن الغرابة بمكان أن ينقل إلى الرفاق تحيات رفاقه في الجناح العسكري للجبهة الشعبية دون أن يذكر في كامل خطابه قط كلمة تحرير فلسطين. هل حقاً ليس تحرير فلسطين على أجندة الجناح العسكري، أم أن صاحب الخطاب لا يؤمن بذلك، أم أنه قد أخفاه ظنا منه بأنه لا يقال هذا الكلام في هذا المقام وان اليسار في الغرب الذي لا يؤمن بتحرير فلسطين؟ اياً كان السبب، فالرفيق سقط في حفرة عميقة.

قد يزعم الرفيق أنه ذكر حق العودة مرة في خطابه. وأعتقد أن هذه المسألة تحتاج إلى جدل مكشوف، هذه المرة وهذه اللحظة تحديداً.

على الرفاق الفلسطينيين والعرب، ان ينطلقوا من إطار موقف البرجوازية العربية والفلسطينية الذي نقل الى العالم، منذ عام 1967، العالم مشهداً كاذباً للصراع العربي-الصهيوني، وهو المشهد الذي قزَّم الصراع في حرب 1967 وإزالة آثار عدوان 1967! وهذا أمر في منتهى الخطورة، ولذا من حق اليسار، الاشتراكيين، والماركسيين والشيوعيين في كل العالم أن يفهموا على ايدينا أن الصراع متركز في احتلال 1948.

هنا نصل إلى انكسار المعادلة. فلا يمكن الحديث عن حق العودة إذا لم نقل أن احتلال 1948 هو الذي خلق حالة اللجوء وأن هذه الحالة الكارثية مرتبطة بتجاوز احتلال 1948 اي تحرير فلسطين ليكون حق العودة طبيعياً. أما الحديث عن إزالة آثار العدوان 1967 ومن ثم تحقيق حق العودة، فلا علاقة بين الأمرين إذا تم تغييب احتلال 1948 وطرد الشعب من أرضه. لأن قائلاً سيقول : إن حقكم إذن في 1967 وتضامننا معكم في هذا المستوى!

يمتدح الرفيق ان الحزب الجديد يخلق حقائق على الأرض، وهذا صحيح. ولكن الرفيق ينسى أنه حين لا يؤكد على وجوب تحرير فلسطين، إنما يتساوق مع قيام الكيان بخلق نفسه ك “حقيقة” على الأرض.

قد يفاجىء البعض من طرحي هذا، ولكنني أود التأكيد هذه المرة أن علينا نقل جدل السماء إلى جدل الأرض كي نعيد للنضال الشيوعي جذريته واحترامه.

يتحدث الرفيق عن أهداف العمال والفلاحين والحرفيين والمثقفين الثوريين لتحقيق الاشتراكية. ولا يتذكر أن كل هؤلاء في أوساط الشعب الفلسطيني لاجئين. وبالتالي لهم حق العودة بالتحرير حتى يعيشوا حياتهم ونضالهم كطبقات وشرائح تناضل من أجل الاشتراكية. أما إذا كان لا بد لهؤلاء اللاجئين أن يناضلوا من أجل الإشتراكية، فالباب إلى الجنة مفتوح وذلك بأن يتجاوزوا التحديدات التي وضعها اليسار التحريفي القديم واليسار اللبرالي الجديد، والجديد هذا هو:

□ يسار صهيوني يدعو لدولة ديمقراطية في فلسطين كلها؛

□ ويسار كمبرادوري عربي يدعو لنفس المشروع.

واليساران يزعمان أنهما اشتراكيان، لكنهما لا يتحدثان عن دولة اشتراكية في فلسطين لا لسبب إلا :

□ إما لأنهما ليسا اشتراكيين

□ وإما لأنهما صهيونيين يصوغان انفسهما او يتكيفان كالأميبا مع ما تسمح به الصهيوينة وراس المال،

□ أو لأنهما حتى اسوأ، اي يلتزمان باتفاق سايكس- بيكو الذي خلق الدول القطرية العربية والكيان الصهيوني، والذي يرفض أمرين اساسيين:

ـ الأول: برفض الاشتراكية بما هو اتفاق راسمالي- في مرحلة الإمبريالية؛

ـ والثاني: لأنه اتفاق لتجزئة الوطن العربي والحيلولة دون وحدته. لذا تخلو أطروحات اليسارين من البعد العروبي.

يتحدث الرفيق قائلا: ” خيار المقاومة هو خيارنا، وهو خيار مشروع لكل الشعوب المحتلة، وامام جميع الاعتداءات العسكرية التي لا يتم التغلب عليها الا بكسرها”.

وهذا صحيح، ولكن خيار شعب تحت احتلال استعماري استيطاني هو تفكيك الكيان بالقوة وتحرير فلسطين وإقامة الدولة الاشتراكية في فلسطين والوطن العربي، وليس كسر العدوان العسكري كالذي حصل على غزة لأن الانحصار في هكذا عدوان يعني الوصول إلى هدنة مع الاحتلال الذي سيظل في فلسطين المحتلة 1948.

ويقول الرفيق:”وحدتنا ووحدة مقاومتنا هي سبيلنا الوحيد من اجل الوصول الى دولة فلسطينية ديمقراطية خالية من كل اشكال التمييز”. او ليس من الممكن الاتجاه نحو نهاية فعلية للتمييز الا عبر دولة اشتراكية للجميع، اذ لا اساس إثني ولا ديني لا قومي لها، دولة اشتراكية وحسب.

أما عن منظمة التحرير فيقول: ” م ت ف ممثلنا الشرعي والوحيد والتي يجب علينا اعادة بناءه وتفعيله ليشمل جيمع مكونات الشعب الفلسطيني”.

وهذا موقف قيادة المنظمة التي هي قيادة غير شرعية كما أنها تستثني قوى فلسطينية عديدة. والحقيقة ان الزعم من اليسار بأن المنظمة هي ممثل شرعي ووحيد فيه إهانة لليسار الذي يترجى أن تصبح ديمقراطية منذ اربعين عاماً ولم يحصل!

فهو يقول: “هناك خطران ثانويان، الاول هو ان قيادة منظمة التحرير تتخذ لوحدها القرارات الاستراتيجية خاصة فيما يتعلق بالقضايا المصيرية لشعبنا، والتي تنسجم مع مشروع الحل الذي مرجعيته اتفاق اوسلو، والرباعية والامبريالية الاميريكية.”

وهنا نسأل: هل ما زالت المنظمة تمثل اليسار وهي على هذا الاستمرار في مواقف قياداتها؟. أليس الأجدر القول أن هذه القيادة يجب إزاحتها؟ ومنعها من هذا الاحتكار، وأن أمامها مدة محددة إن لم تفعل، نخرج عنها ومنها؟

وإذا كان للرفيق اعتراض على أوسلو فلماذا دخلت الجبهة انتخابات مجلس الحكم الذاتي؟ كيف لماركسي أن يكون الشيىء وعكسه في الوقت نفسه؟

ويقول:”.. ولهذا نحن نطالب قيادة المنظمة بالتوقف عن المفاوضات الغير مجدية، والعودة الى خيار الوحدة، من اجل تقوية مقاومة شعبنا بكل الوسائل المتاحة”.

وهل يمكن العودة من الوحدة إلى المقاومة أم العكس؟ اي عودة الجميع للمقاومة وعندها

فقط تعود الوحدة الحقيقية؟

ويقول كذلك: “الخطر الثاني هو هذا الانقسام الجغرافي والسياسي بين مختلف مكونات الشعب الفلسطيني وذلك بسبب ان حماس استولت على السلطة، انه من المؤكد بان حماس انتفعت من ثمار اوسلو المُرة ومن الخيارات السياسية الفاسدة من قبل فريق اوسلو”.

ولكن، هل قامت حماس بانقلاب؟ ألم يحصل انقلابا معولما ضدها منذ أن فازت في الانتخابات؟ ألم يتحدث العالم عن ما قامت به قيادة الحكم الذاتي والجنرال الأميركي دايتون للانقلاب على حماس في غزة قبل ان تكتشف ذلك حماس وتكسب الحرب الأهلية ضد سلطة الحكم الذاتي؟ من العيب على اليسار أن يصل إلى حد التحول إلى أداة بيد اليمين.

خلاصة

خطاب الرفيق ناصر كفارنة على حاله هذا قد يمثل النموذج الاكثر تطرفا لخطاب ما يسمي نفسه الان اليسار الفلسطيني، وقد استخدمته هنا ليس فقط من اجل النقد بل ايضا من اجل المعالجة، إسهاما في تشخيص الحالة التي تبين انه لا يوجد يسار فلسطيني جذري مقاوم، يمثل ويعبر عن حاجة الطبقات الشعبية التي تعيش غالبيتها حالة التشرد واللجوء، والتي تقف وتواجه حصارا خانقا منذ توقيع اتفاق اوسلو المشؤوم، وتاسيس المعازل المدن، “الانقسام الجغرافي”. وبمناسبة هذا التعبير ليس اوسلو هو اول انقسام جعرافي ولا غزة هي الانقسام الاخير ان كانت هي انقسام، كان هذا منذ سايكس بيكو ومرورا بعام 48.ومن هنا تبدأ المعالجة لامر مثل الانقسام وكيف نتوحد ومع من تكون التحالفات…الخ. فهنا اذا نحنأيضاً بحاجة الى مشروع تحرر وطني او مرجعية مقاومة كالتي دعا اليها خالد مشعل ولم ينفذ ما دعاه، وحتى يتم تنفيذ ذلك فانه على ما يبدو توجد هناك ضرورة لليسار الجذري المقاوم.

تبدأ هذه الضرورة باعادة النظر بتجربة اليسار الفلسطيني وتجربة المقاومة والتحرير ونقدهما. اذ لا بد من فتح النقاش على مصراعيه، وان لا يبقى الجدل حبيس بيروقراطية الفصيل، وثقافة البدلة وربطة العنق، والخطابات الرنانة، ولكل رنة مقام. ما يوجد خارج الفصيل يفوق كثيرا ما بداخله. وهناك طاقات مهمه، من الممكن ان تخلق حالة استنهاض، وان تؤسس آفاقاً وخيارات هي الافضل وهي غير ما نراه مما يتم تقديمه عبر من هم موجودون الان، منهم بالطبع من يسمي نفسه باليسار.

كل الاوقات مناسبة، لا يوجد وقت غير مناسب، قد يكون هناك مد وقد يكون هناك جزر، لكن ليس في صالح من يستحق ان يمثلهم اليسار الجذري أي غياب له، اذا ما زال يلح علينا بوضوح تساؤل “ما العمل؟” اذ ما العمل لخلق خيارات وبدائل ثورية لتحرير فلسطين ولتحرير الطبقات الشعبية في فلسطين وفي العالم العربي.؟

من يستطيع في فلسطين تسريح الفرس الرهينة في النفق؟