المقاومة ضمانة الوحدة الوطنية الفلسطينية *

أكرم إبراهيم

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1825)

هل سيصل حوار القاهرة بين القوى الفلسطينية إلى اتفاق؟

وهل سيدوم الاتفاق إذا ما تم التوصل إليه؟

هذا ما تحاول أن تستشرفه هذه المقالة بالاستناد إلى طبيعة القوى الفلسطينية والقضايا المطروحة للحوار.

لنبدأ بأصل الداء، بجنوح منظمة التحرير إلى شعار”الدولة المستقلة”، هذا الجنوح الذي وفرت قرارات القمم العربية غطاء له فوجدنا قيادة المنظمة تعلن التزامها ب “الشرعية العربية”. التكافل بين هذا الشعار وهذه الشرعية كان إيذاناً بتغير طبيعة المنظمة. ذلك لأن برامج حركة التحرر لا توضع بالنيابة عنها من قبل أنظمة تابعة معادية للتحرر، ولا من أنظمة تحررية أيضاً، الأمر الطبيعي هو أن تقول المنظمة للسلطات العربية استريحي أنت من وضع البرامج لنا، هذه مهمتنا، نحن وضعنا برنامجنا فساعدينا أو استريحي من هذه القضية.

الأمر لم يكن بهذا الوضوح، إذ كانت السلطات العربية مضطرة لمسايرة شعوبها التي لم تكن قد اخترقت أو طوعت، فبدت قضية فلسطين وكأنها قضية الأنظمة العربية أيضاً؛ فحتى سلطة السادات احتاجت لما يقرب من عشر سنوات حتى تقبل علناً من جديد في جامعة الدول العربية. سفور السلطات فضح المتكئين على “شرعيتها”؛ فالحديث عن شرعية عربية اليوم، بعد كل هذا الوضوح في الاصطفاف، ليس له سوى معنى واحد، هو الانتقال إلى صف أنظمة التبعية التي شاركت في العدوان الأخير عبر الحصار وإثارة العداء للمقاومة تحت اسم حماس.

التعبير الآخر عن هذا التغير في طبيعة المنظمة هو تلك الظاهرة الغريبة التي نوه بها الدكتور عزمي بشارة. وهي أنه لأول مرة، بدلاً من أن تدأب حركة التحرر على حسم الصراع، تدأب على البحث عن حل والمبادرة إلى طرح الحلول، بالأصالة مرة وبالوكالة مرات؛ فحركة التحرر تقاتل من أجل التحرر وتترك لدولة الاغتصاب أن تنضج تحت الضغط لطرح الحلول. وعندما تبادر الضحية إلى طرح الحلول فلا شك أن هذه الحلول تنطوي على تنازلات ورغبة بالمصالحة. لذلك وجدنا هذه الحلول وقد أتت على شكل خلطة من “الشرعيات” الدولية والعربية والفلسطينية ومؤتمر مدريد… وفي مثل هذه الحال يكون المطروح فعلاً هو الحد الأدنى في هذه المرجعيات.

كل شعار وكل حل يفرز سلوكيات؛ فلقد وصل الأمر بالبعض إلى مطالبة المقاومة بالقبول ب “الشرعية العربية” كمخرج من الحصار الذي ضربته الدول الاستعمارية والسلطات التابعة لها إثر فوز حماس مباشرة. هذا يعني أن “الشرعية العربية” لا تلبي الحقوق الفلسطينية، بل يعني أنها شرط وأمر مطلوب من الخارج. لذلك كانت هذه الدعوة منافية لروح المقاومة؛ إن منطق المقاومة يفرض تجنب طرح مثل هذه المطالب إلى ما بعد كسر الحصار، أي أنه كان من المفروض أن تتوحد كل القوى ضد الحصار كي لا تكسر شوكة الشعب الفلسطيني، لأن هذا يعني دماراً لكل قوة مقاومة وليس دماراً لحماس وحدها؛ فعندما تنكسر إرادة الشعب لا يمكن لغير حماس أن يقاتل من أجل برنامجه، ومهما كان سقفه متدنياً. لذلك كانت المطالبة بهذا المخرج استقواء بالحصار من أجل فرض البرنامج الخاص بالمطالبين به، ما ينفي عن هذا البرنامج صفة التحرر.

كان هذا موقفاً لكل حلفاء السلطة في “جبهة اليسار” مع بعض الفروق الثانوية. البعض عكسه في سلوكه اليومي دون أن يعلنه والبعض الآخر عكسه وأعلنه. ولقد سبق هذا الاستقواء رفض أصحابه الاشتراك مع حماس في حكومة وحدة وطنية بحجة أن حماس لا تعترف بمنظمة التحرير وقرارات الشرعية الدولية، ما منح القوى المعادية حرية الحديث عن صراع مع حماس وحدها وليس مع المقاومة، لكن ما تبع تشكيل حماس لحكومتها من ممارسات برهن أن إسقاط حماس هو السبب الحقيقي لرفض المشاركة. هذا هدر للطاقات في صراع بيني يعبر عن نقص مناعة وطنية، وفي أحسن الحالات عن غباء وقصر نظر.

اليوم، بعد العدوان العسكري الأخير على الشعب الفلسطيني، يلاحظ أن ذكر فتح معبر رفح لا يأتي إلا مقروناً بذكر المصالحة بين الأطراف الفلسطينية، ما يعني عملياً أن فتح المعبر مشروط بتحقيق المصالحة. والمصالحة، الاسم الجديد ل “الوحدة الوطنية”، هي شرط لتقدم عملية “التسوية”، ذلك لأنه لا يمكن أن تجري العملية على الضفة دون غزة أو دون موافقة حماس وحلفائها.

إن قوى “الدولة المستقلة” لم تميز مطالبتها بالوحدة الوطنية وتجاوز الانقسام عن مطالبة الآخرين، كأن تدعو السلطة إلى التراجع عن سياستها التي أدت إلى الانقسام، هي لم تطالبها حتى بوقف التعاون الأمني مع العدو، لكنها في الوقت نفسه طالبت حماس واتهمتها وحرضت عليها، وفي الحد الأدنى أشاعت بين قواعدها أنه لا فرق بين حماس والسلطة ( هي تقول حماس وفتح )؛ فحسب زعمها لكليهما نفس الطبيعة. هنا يجري صرف النظر عن الفرق بين التعاون والمقاومة إلى الأخطاء والتفاصيل. وطبيعي أن موقفاً كهذا سينعكس صخباً ضد تصرف من طرف، وتعمية عن مثله من طرف آخر.

إذاً المصالحة أو الوحدة الوطنية ليست مطلوبة إلا كغطاء لتراجع مطلوب من المقاومة، من حماس بلغة الأطراف المعادية، فإذا ما تمت المصالحة بهذا الشكل، أي على قاعدة شروط هذه الأطراف، يكون الشعب الفلسطيني قد استسلم وتخلى عن قراره المستقل تحت ضغط الحصار والحروب المتحررة من الضوابط: أقول الشعب الفلسطيني لأننا إذا ما أخذنا الانتخابات في أراضي 67 مقياساً، نجد أن حماس وحدها دون حلفائها ( الجهاد ولجان المقاومة الشعبية ) قد فازت ب ( 77 ) مقعداً في “المجلس التشريعي” مقابل ( 52 ) للسلطة وحلفائها في “جبهة اليسار”. هذا رغم أن العالم كله بما يملك من وسائل تأثير يقف إلى جانب السلطة، ولا شك أن رصيد الأخيرين قد تراجع كثيراً عما كان عليه في تلك الانتخابات؛ فيكفي أن تقطع أموال الدول الاستعمارية والسلطات التابعة لها حتى تظهر شعبية السلطة الحقيقية، مجموعة من ذوي المصالح المشتركة مع العدو والمتعاونين والفاسدين والموظفين.

من هنا، من حقيقة تمثيل حماس وحلفائها للشعب الفلسطيني، كان من المفترض أن تبادر القوى الفلسطينية كافة، من باب الحرص على إرادة الصمود عند الشعب، التي هي عماد كل مقاومة، أن تبادر إلى إعلان موقف موحد يرفض الحوار تحت الضغط، أي قبل فتح معبر رفح، أو قبل تنفيذ شروط حماس البسيطة والمحقة (إطلاق سراح المقاومين ووقف التعاون الأمني مع العدو)، لأن ما سينتج في هذه الحال ليس مصالحة وليس وحدة وطنية، بل هو تنفيذ أمر جلب تقوم به السلطة المصرية لصالح سلطة أوسلو؛ فأنا لا أفهم من ترك هذه القوى لحماس وحدها في مواجهة الحصار إلا أنه رفض لنتائج العملية الديمقراطية، واستمرار لسياستها في التخلي لسلطات التبعية عن القرار المستقل.

لذلك تكون ذهنية البحث عن حل أكثر من تفريطية. إنها مدمرة من حيث كونها غير عقلانية؛ فالشعب الفلسطيني قد يستسلم بتأثير الحصار، لكن الاستسلام هو قبول بالإكراه وليس بالرضا. وعدم الرضا يعني

أولاً: أن الشعب سيعمل باستمرار من أجل تغيير الواقع المفروض، وسينتظر الفرصة الملائمة لتغييره. هذا من المؤكد لأن المجتمع لا يقبل الفراغ؛ فإن تكيفت قوى المقاومة الحالية مع الواقع الجديد ولم تأت محاولات التغيير منها، فلا شك أن الشعب سيلد قوى مقاومة أخرى.

ثانياً: سيجعل القوى المستفيدة من الاستسلام حراساً له وقوى قمع لمحاولات تغييره، خاصة أنها ستتخلص بفعل هذه السياسة من عناصرها الحية، الديمقراطية، التي ما زالت تؤمن بالمقاومة (1 ).

هذا من ناحية المقاومة، أما إذا ما تم الاتفاق نتيجة لتراجع السلطة بسبب عزلتها، أو لتبريد الغضب الشعبي بعد العدوان ( 2 )، أو لتوجه دولي إلى الحوار مع حماس، أو لأي سبب آخر، فهذا يعني أن السلطة هي التي ستنقلب على الاتفاق في الوقت المناسب، وأنها ستبقى قوة تعطيل للمقاومة، لأن تراجعها لا يعني تغيراً في طبيعتها؛ فالطريق الذي سلكته باتجاه واحد.

كل ما سبق في هذا العرض يؤشر إلى ألغام موقوتة. لذا أرجح أن تكون المصالحة، إذا ما تمت، مجرد هدنة يلتقط فيها الطرفان أنفاسهما ويعيدان ترتيب أوضاعهما ثم نبدأ بعدها من الصفر. يعزز هذا الاعتقاد الموضوعات المطروحة للحوار والتي تشكل صواعق لهذه الألغام.

1 ـ إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية على أسس مهنية ووطنية : يتم تفسير “وطنية” أحياناً ليس بتغيير وظيفتها أو عقيدتها، بل بضم عناصر من مختلف الفصائل إليها. هذا على أهميته غير كاف، وكان بالأولى إلغاؤها أو تحويلها إلى قوة شرطية.

2 ـ أحد أهداف الحوار تشكيل حكومة وحدة، بينما مجرد قيام حكومة تحت الاحتلال كان أهم عامل للانقسام، فالمطلوب إلغاؤها هي الأخرى.

3 ـ الأهم أن المصالحة والوحدة لم تبدأ من حيث كان يجب، أي من تفعيل المنظمة بعد بنائها على أسس صحيحة، بل شكلت عدة لجان إحداها لجنة المنظمة. هذا يعني أن هذه المنظمة إذا ما تمت إعادة بنائها وتفعيلها ستكون أسيرة ما تتوصل إليه هذه اللجان، فكأنها لم تبن ولم تفعل؛ تجاوز الانقسام والوحدة الوطنية، لا تستحقان اسمهما إلا إذا تما في إطار منظمة التحرير، بعد إعادة بنائها بما يعكس أوزان القوى، ومن ثم تفعيلها وجعلها مرجعية للشعب الفلسطيني كله. وكل وحدة أخرى لن تصمد إلا كعلامة على الموت أو فقدان الحيوية.

قد يقولون إن الدول الاستعمارية (هم يسمونها المجتمع الدولي) لا تعترف بمنظمة تحرير تسيطر عليها حماس وحلفاؤها. هذا صحيح. ذلك أن قادة هذه الدول تشرط الحوار مع حماس باعترافها بإسرائيل، لكن هذا الصحيح حجة عليهم. إنه لمن الوقاحة، ومما ينتقص من إنسانيتنا مطالبتهم لنا بالاعتراف بإسرائيل قبل إنجاز حق المشردين بالعودة، وإنها لمصيبة حقاً هذه اللهفة إلى الحوار؛ فلماذا نقبل الحوار معهم قبل أن يعترفوا بمسؤوليتهم عن زرع هذا الكيان في منطقتنا؟! إنهم يمارسون عدوانهم على كل حال؛ فرغم كل الجرائم التي ارتكبها هذا الكيان في تاريخه، ورغم كل وحشية عدوانه الأخير نراهم ينشطون في منع وصول السلاح إلى الضحية، فهل سيمدوننا بالسلاح إذا اعترفنا، أم إن الاعتراف مقدمة لأمور أخرى؟! علينا أن نقاوم وعليهم أن ينضجوا هم للحوار، وما هذه اللهفة للحوار إلا تعبيراً آخر عن الميول التي تم عرضها.

4 ـ موضوع الخلاف الأساسي هو الاعتراف بإسرائيل، والإلتزام بالاتفاقيات السابقة ونبذ الإرهاب. وكل هذا تم السكوت عنه فكيف سيتم التعامل مع هذه الأمور؟!.

لعم، هذا ما سيتوصل إليه الحوار، في حين المطلوب هو برنامج واضح ضابط لسلوك الكل. قد يقول قائل إن الوضع قاس جداً، إذ لا يوجد حليف للمقاومة ذو وزن، وحتى السلطة العربية الوحيدة الداعمة غير مأمونة الجانب على طول الخط، باعتبارها سلطة تسوية هي الأخرى ولها اعتباراتها من هذا الدعم. هذا لم يعد صحيحاً بعد أن أصبحت المقاومة مقتصرة على الداخل، ومن ناحية أخرى لم يعتمد وجود المقاومة في يوم من الأيام على الدعم رغم أهميته، بل إن الصمود والتمسك بالحقوق هو الذي يستجلب الدعم. وفي كل الحالات هذا لا يعني المبادرة إلى التدمير الذاتي، بل في أسوأ الحالات يعني وجوب الاستسلام دون توقيع، أو يعني تخفيض مستوى الصراع إلى حد الاكتفاء بصد هجمات العدو، أي البحث عن أشكال من الصراع منخفضة المستوى بانتظار الظروف المواتية.

( 1 ) هذه السياسة من نفس طبيعة السياسة التي اتبعتها الأنظمة التابعة مع هذه القوى بهدف ترويضها. وغداً إذا ما تنازلت المقاومة سيقولون: ألم نقل لكم إن الحصار فوق طاقتنا لأنه دولي بتواطؤ عربي؟! أي إنهم سيحملونها المسؤولية عن نتائج سياستهم.

( 2 ) من الملاحظ أنه يتولد عن صمود المقاومة بعد كل عدوان موجة من الحماسة والغضب. ولتبريدهما تلجأ الدول الاستعمارية والدول التابعة لها بتحريك عملية التسوية كوسيلة تبريد. على الأغلب لا تخرج مساعي المصالحة عن هذا الاطار. لهذا عدلت السلطة المصرية ورقتها بحيث ترضي المقاومة. لذلك أعتقد أنه سيتم إفشال الحوار قبل التوصل إلى نتائج، لأن المقاومة تعلمت أن تطالب بضمانات للتنفيذ.

* تعتبر هذه المقالة تكثيفاً لعدد من المقالات التي كتبتها في الموضوع الفلسطيني، خاصة بعد العدوان الأخير.