يوم المرأة العالمي: المرأة الفلسطينية بين محاولات الغربنة والتهميش

جمالات ابويوسف

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1826)

ما قبل عام 1948

كانت فلسطين قبل الحرب االعالمية الاولي جزءا من الوطن العربي الذي خضع لسيطرة الامبراطورية العثمانية. بعد نهاية هذه الحرب، تم تقاسم تركة هذه الامبراطورية المهزومة بين القوى المنتصرة الاستعمارية الغربية والمتمثلة في فرنسا وبريطانيا، خضعت فلسطين لما يعرف بالانتداب البريطاني الذي عمل على تسهيل تنفيذ المشروع الصهيوني حسب وعد بلفور1917، الوعد باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

قاوم الشعب الفلسطيني الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية التي بدات مشروعها التطهيري ضده، وانطلقت الثورات الفلسطينية في تلك الفترة ما بين 1920-1948، وصلت ذروتها ما بين عام 1936 وعام 1939، حيث كانت القرية الفلسطينية مركزها، بينما كانت النخبة الفلسطينية تسكن المدن التي بدأت تفتح ابوابها للوعي الحداثي، فهي النخبة السائدة والمهيمنة على الفعل والتعبير السياسي التي عُرفت بطبقة الافندية. هذا التباين ما بين المدينة والقرية عكس مدى عمق وتداخل اشكال الاشتباك مع المهدد الوجودي للشعب الفلسطيني، دفاع الوجود لطبقة الافندية كان هو الحفاظ على سلطاتها التي كانت قائمة منذ العهد العثماني، فالانتداب البريطاني وما يحمله من مشروع احلالي أي المشروع الصهيوني، كان يعني تصفية هذه الطبقة وسلطاتها في المجتمع الفلسطيني.

بينما كانت المعركة الاعمق والاكثر مباشرة هي التي تدور في القرية الفلسطينية. فالمهدد الوجودي كان مباشرا وقد بدات ترجمته عبر بدايات سلب الارض لصالح الوكالة الصهيونية وعبر بدايات عملية التطهير العرقي “الطرد والقتل والاقتلاع”، لذا كانت القرية هي الوقود والبيئة لكل الثورات التي حدثت في ذلك الوقت، ولا بد من الاشارة هنا الى ان المجتمع الفلسطيني كان في غالبيته مجتمعاً زراعياً قروياً، بنمط اقتصاد الكفاف او الاقتصاد الاسري.

واجهت المرأة الفلسطينية في تلك الفترة ما واجهه المجتمع الفلسطيني. ربما لم تشارك هي بقدر واسع في المقاومة المسلحة مثلما شارك الرجل، إلا أن هذا لا يعني بحد ذاته ضعفا وغيابا لدور المرأة في المقاومة. اضافة الى انه بدأ ظهور نخبة نسائية فلسطينية تقوم بادوار مستقلة مرتبطة بالعمل الخيري والاغاثي عبر تأسيس الجمعيات النسائية الخيرية، وقد اقتصر هذا الدور على المدينة حيث تتواجد هذه النخبة، ربما كان هذا جزءا من عملية تثبيت لسلطات طبقة الافندية او العائلات في المجتمع الفلسطيني في ذلك الحين. على الرغم من ذلك فانه كان ايضا تعبيرا عن خروج المرأة الى الفضاء العام، لتؤدي دورا في مجتمع يواجه صراعا وجوديا. ربما لم يكن هذا الدور هو التعبير الاساسي عن الدور المقاوم الذي لعبته المرأة الفلسطينية، فالمعركة الحقيقية لم تكن تدور هنالك بل كما ذكرنا في القرية، ومهما كان هناك من علاقات بين هذه الطبقة وبين القرية او الاوساط الشعبية في المدينة، فان هذه العلاقة كانت علاقة فوقية ذات تاثير محدود خاصة في مجتمع ذكوري يسيطر فيه الرجل على العلاقات الخارجية للاسرة، لذا كانت الصلة بين نساء النخبة في المدينة ونساء القرية ضعيفة.

كانت المرأة في القرية او في الاوساط الشعبية في ذلك الحين تقوم بدور مقاوم اكثر مباشر ليس فقط عبر المشاركة في المقاومة المسلحة حيث كانت مشاركتها هنا رمزية، بل كان الدور الاكبر والذي لا يقل اهمية عن ذلك كان في دعم المقاومة المسلحة وفي المشاركة في اشكال المقاومة الاخرى والتي تكاد تهدف الى الحفاظ على صمود الاسرة والمجتمع خاصة في حالات القمع المكثفة التي تعرض لها المجتمع الفلسطيني. لم يعط الكثير من المؤرخين الاهتمام اللازم لحجم هذا الدور، حيث ان التاريخ الشفوي ما زال الاكثر ثراءا في التعبير عن ذلك. المؤرخ في العادة رجلا فلم يدون ما قامت به المرأة الفلسطينية ولم يأخذ بالحسبان روايتها هي ايضا لذلك التاريخ.

على اية حال ولحسن الحظ فان هذا التاريخ ليس ببعيد وما زال بعض النساء اللاتي لديهن ما يروينه. وما زال كل ما قد قيل عنهن عالق في اذهان اجيال لاحقة، واعطي هنا مثالا عما حفظته ذاكرتي نقلا عن امي وعن جدتي.

تعرض جميع رجال قرية حلحول، في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، الى الاعتقال في ساحة مدرسة القرية، حيث كان الفصل صيفا وشديد الحر، كان الهدف من الاعتقال هو تجويع وتعطيش الرجال من اجل اجبارهم على الادلاء معلومات عن الثوار الذين كانوا يرابطون في جبال هذه القرية، صمد الرجال مدة اربعة عشر يوميا ولم يحصل الانتداب البريطاني على اية معلومة، كما استشهد عدد قليل منهم. جاء لاحقا، وبعد عشرات السنين، من يريد توثيق هذه الحادثة، تحدثوا عن الصمود الاسطوري والشهداء وماذا كان يقول ويهدد الضابط الانكليزي…الخ. لكنه لم يتبادر الى ذهن أي باحث هنا أي تساؤل حول السر الذي جعل الرجال يصمدون، اذ ان الاجابة هي المرأة في حلحول، التي نظمت طرقا لتزويد الماء الى الرجال المحاصرين بحيث لا يشعر الكثير منهم بالعطش، كما نظمن اعتصامات امام السفارات الاجنبية في القدس من اجل ان يوصلن صرخات رجالهن المحاصرين تحت الجوع والعطش الى العالم.

قد يتشابه هذا المثال مع مئات من الامثال غيره، لكن ذلك يوضح بكل تأكيد بان المرأة الفلسطينية قد لعبت دورا ايجابيا في المقاومة الفلسطينية في تلك الفترة، وهو لم يكن دورا منظما بل عفويا لاسباب لا مجال هنا لشرحها.

ايضا منذ ذلك العهد بدأ زمن “ام الشهيد” واخت الاسير وزوجة المناضل، الذي قد تنظم والتحق بالثورة، وهنا على المرأة ان تكون عمود البيت، حامية الاطفال، وزارعة الارض وان تحمل هموما وقلقا لمستقبل مرير.

كما ذكر اعلاه كانت غالب هذه الادوار تؤديها نساء القرية الفلسطينية في ذلك التاريخ، القرية التي هي غالبية الشعب الفلسطيني، ونمط من العلاقات ما بين الرجل والمرأة محكومة بالادوار التي يقوما بها داخل اطار نمط انتاج اقتصاد الكفاف الزراعي، حيث تمحور وتمحورت حوله الاسرة الممتدة، الاب والابناء والاحفاد اضافة الام وزوجات الابناء… الخ، اسرة ممتدة بطريركية، الرجل صاحب السلطات الاولى في الاسرة والمجتمع، على الرغم من ان النساء كن يعملن مع الرجال في الارض وزراعتها على قدم وساق، وكن يقمن بالعمل المنزلي الانتاجي مثل تصنيع وحفظ وتخزين الطعام، البناء، جمع الحطب، احضار الماء واطعام الماشية… الخ. اضف/ي الى ذلك مسؤوليات الدور الانجابي والعناية بالاطفال، اذ تكون الحصيلة مسؤوليات مضاعفة عدة مرات عن مسؤوليات الرجل، الا ان حجم هذه المسؤوليات لم تكن هي المحدد لحجم السلطة التي تتمتع بها داخل الاسرة والمجتمع، لكن هذا كان عاملا في جعل سلطة المرأة سلطة احتياطية وليس سلطة هامشية، أي انه تستطيع ان تنوب عن الرجل في حال غيابه دون أي صعوبة. لقد لعب الرجل هنا دور الاب صاحب السلطة الاولى، أما المرأة فقد لعبت دور الام صاحبة المسؤولية الواسعة الممتدة في فضاء اكثر رحابة وخارج جدران البيت او الحريم وثقافته السلبية، انها هي التي لا يمكنها العمل الا في الهواء الطلق، ولا تنعزل فيه عن الاخرين، عمل انتاجي ذو مردود واضح على الاسرة وبالتالي المجتمع الشبه تعاوني. هنا قد يكون السبب الذي يكمن وراء شخصية قوية الحضور للمرأة الفلسطينية، ذات الطلة الايجابية الصامدة خاصة عند الكوارث والنكبات، اذ ما زالت على ذلك حتى يومنا هذا وان بدت مسحة الهم على وجهها اكثر عمقا مما سبق.

ما بعد عام 1948

عام 1948هو عام النكبة الاولى للشعب الفلسطيني، العام الذي اعلن فيه قيام الكيان الصهيوني بعد ان تم طرد اكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني من وطنه، وتم تدمير قراه ومدنه على ايدي العصابات الصهيونية، هذا الكيان قد اقيم فوق ما يعادل ال 78 بالمئة من ارض فلسطين التاريخية. وبذلك حل اليهود القادمون من كل اصقاع الدنيا مكان الفلسطيني الذي اصبح يعيش في المنفى ويواجه ظروف تشرد قاسية وصعبة الاحتمال، فقد المأوى واصبح يسكن العراء تحت البرد القارس او الحر الشديد، وفقد العمل ومصدر الرزق المتمثل في الارض وزراعتها، وبدأ يفقد اطفاله الذين واجهوا الجوع والمرض. لم يستطع الرجل انذاك ايجاد حل يدفع به صعوبة تلك الحال، المرأة هي التي بدأت لتكون خيمة تجمع وتحمي اطفالها واسرتها. اذ لم تردد لحظة واحدة عندما كان الامر ان تستخرح من قسوة صخرة المنفى طعاما يعيد الحياة لمن هم تحت الخيمة الاولى. لقد قبلت القيام بالعمل الذي تخضع فيه للذل والاهانة والاستغلال، لكنها كانت قد اعادت التوازن للمخيم بعد زلزال الرحيل الكارثي، المخيم الذي بدأ يعد نفسه فيما بعد للعودة عبر الثورة والمقاومة التي امتدت رقعتها الى وحيثما يوجد الفلسطيني.

ما بعد عام 1967

تم احتلال ما تبقى من ارض فلسطين، الضفة الغربية وقطاع غزة، وتطور المقاومة الفلسطينية، عبر تنظيم واسع للشعب الفلسطيني في تنظيمات المقاومة خاصة التي تتبنى الكفاح المسلح، سواءا في الداخل او الخارج. وفي ذلك الوقت ايضا كانت بداية انطلاقات واسعة للنضال الجماهيري ضد الاحتلال الاسرائيلي وعنصريته سواءا في فلسطين عام 1948 او في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث كان وما زال الاحتلال يسعى الى السيطرة على الارض عبر مصادرتها لبناء مزيد من المستوطنات، ومن اجل تدمير الممكنات الاقتصادية للشعب الفلسطيني، خاصة الزراعة التي كانت وما زالت تشكل عامل البقاء والصمود على ارض فلسطين. في ذلك الوقت ايضا تم فتح سوق العمل الاسرائيلي امام الايدي العاملة الفلسطينية، بينما بقيت المرأة بالقرب من ارضها، تعمل بها وتحافظ عليها من المصادرة والاستيطان.

خاضت المقاومة الفلسطينية العديد من المعارك والتجارب، ولانها كانت تتماهي جيدا مع المجتمع الفلسطيني الذكوري، لم تستطيع ولم تضع ايضا في برامجها ما يمكن المرأة من المشاركة واخذ دور جدير بها، بل ترك المجال لمشاركة رمزية لها، وبذلك ظل دورها المقاوم عفويا خارج اطار الفصيل الذكوري وتجربة العمل العام المنظم.

كانت نتائج معارك المقاومة الفلسطينية والمتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، مليئة ايضا في الاخفاقات السياسية، خاصة في الشتات، ولا مجال هنا لتفصيل الاسباب. لم يؤثر ذلك على جذوة المقاومة والنضال في الضفة الغربية وقطاع غزة المستمرة في التراكم لغاية الانتفاضة الاولى التي عبرت عن انفجار جماهيري مفتوح في مواجهة الكيان الصهيوني، وهنا اخذت المرأة الفلسطينية ولاول مرة دورا واسعا كميا ونوعيا في المعركة ضد المشروع الصهيوني، قد شاركت في المظاهرات وفي تنظيمها، في اللجان الشعبية، في حملات المقاطعة والاعتماد على النفس في تطوير العمل النسوي المنظم والدفاع عن حقوق النساء وتوعيتهن، في الدفاع عن الارض وزراعتها، وفي حملات التضامن مع المعتقلين والتصدي للقمع الصهيوني… الخ. كانت المرأة موجودة في كل المعارك.

وعلى الرغم من ذلك لم تأخذ المرأة الفلسطينية دورا متقدما داخل التنظيم السياسي او في قيادة الانتفاضة، كما ان هذا التنظيم قد اخفق في التعامل مع هذه الانتفاضة واستيعابها وبالتحديد مع المرأة، اذ لم يكن معنيا بتطوير امكاناته وتطعيمها بامكانات وطاقات ثورية جديدة، كما كان لغالبية الفصائل المشاركة في المقاومة اهدافا سياسية محدودة وهي الدخول بالمفاوضات مع الكيان الصهيوني، من اجل انجاز تسوية يتم الحصول فيها على جزء من الحقوق، (الحقوق لا تتجزأ).

واجهت الانتفاضة قمعا شديدا من الكيان الصهيوني، حملات واسعة ومستمرة من الاعتقال، القتل والتصفيات، العقوبات الجماعية مثل منع التجول واعتداءات قطعان المستوطنين… الخ، ولان مشاركة المرأة كانت واسعة، كما استطاعت اقتحام الحيز العام عبر الانتفاضة اكثر فاكثر. بدأ الصدام الفعلي بين سلطة الرجل مهما كان لونه الايديولوجي، وسلطة المرأة التي دخلت لتوها هذه التجربة. كان امتعاض رجال التنظيمات السياسية كثيرا من النساء اللاتي اخذن يتقدمن بجرأة فائقة الى الصفوف الامامية، حاولوا طمس وتجاهل ذلك، اضافة الى خوفهم من ان تنتقل عدوى ذلك الى بيوتهم، أي الى حريمهم، هنا شعرت النساء ان التنظيم السياسي قد خذلهن.

هذا من ناحية اما من الناحية الاخرى وهي الاحتلال الصهيوني الذي تنبه الى هذه النقلة النوعية لموقع المرأة في المقاومة وفي المجتمع، حيث ان هذا الاحتلال ايضا ذكوري وذكوريته اقوي من غيره هنا، فهو لا يتورع من استخدام كل الوسائل لضرب قوة المرأة الفلسطينية المقاومة. لقد اختار اسلوبا يساهم في عزل المرأة الفلسطينية المقاومة عن بقية النساء وعن العمل الجماهيري الذي تفوقت هي به. عرف هذا الاسلوب باسلوب “الاسقاط”، ومن خلاله استطاع الاحتلال ان يخيف ويرعب المجتمع خاصة الرجال من خروج النساء من البيت وبالتحديد المشاركة في النضال والمقاومة، والاسقاط يعني تهديد النساء من قبل المخابرات الصهيونية بنشر صور فاضحة لهن، كانت المخابرات قد صورتها اثناء تعرضهن للاغتصاب من قبل من يكون بالعادة عميل، والضحية هنا هي عادة ما تكون امرأة قد بدأت تشارك في الانتفاضة. ما يقصده المحتل هنا هو ربط مشاركة المرأة بالمقاومة بموضوع شرف العائلة اضافة الى التعامل مع الاحتلال الصهيوني، كانت هذه ضربة كبيرة لدور ولمكانة المرأة في المقاومة والنضال، ولم تعالج ولم تتم مواجهتها الا حسب المفهوم الذكوري وهو عودة المرأة الى طوع الرجل وسلطانه، بعد ذلك قد استيقظت بقوة عادات وانماط من العلاقات المتخلفة ما بين الرجل والمرأة كانت قد بدأت بالزوال، مثل الزواج المبكر والزواج القسري للمرأة، اعتقد الاهل ان زواج البنت حماية لها، ذلك بعد ان كانوا مقتنعين بان تعليم المرأة هو حماية لها.

كان قادة الانتفاضة الاولى تنظيمات تطمح للتسوية والتفاوض مع الاحتلال الصهيوني، بينما تنظيم حماس الذي دخل العمل الوطني المقاوم عبر هذه الانتفاضة، تم تقديمه على انه مشروع لضرب العمل الوطني المقاوم في ذلك الوقت، خاصة ان التيار السياسي لهذا التنظيم كان موجودا قبل هذا الوقت ولم يكن له دور في المقاومة. بهذا الحال تكون هذه الانتفاضة قد وصلت الى الطريق الذي يؤدي الى اجراء التسوية والتفاوض مع الكيان الصهيوني، بدءا باستدخال مشروع التسوية والمفاوضات تحت مسمى “صناعة السلام ما بين الشعبين الاسرائيلي والفلسطيني”، حيث تم التعبير عن ذلك باستخدام نفس ادوات الانتفاضة نفسها، مثل تلك المظاهرات المشتركة لقوى السلام الصهيوني مع حركات سلام عالمية هي بالاساس داعمة لقوى السلام الصهيونية، اضافة الى مشاركة فلسطينية. هذه المظاهرات لم تواجه قمعا كالذي سبق لمظاهرات فلسطينية ولم يعقبها شهداء كما كانت هي العادة. عبر هذا المسرح بدأ يتم تقديم قيادات ورموز جديدة ليس لها أي صلة بالانتفاضة الاولى او بالحركة الشعبية الفلسطينية، من بين هذه القيادات كان هناك قيادات نسوية. وقد خرجت الى النور مرة اخرى نخبة نسوية بورجوازية/ ارستقراطية عادت بالظهور بوجه وطني، هذه التي كانت تخاف وترفض المقاومة والنضال. أما الكادر النسوي الذي انتجته هذه الانتفاضة فقد اختار الائتلاف مع هذا المنتج الجديد الداعم للتسوية، “وهنا نرى ايضا ان جزءا لا باس به منهن هن من حريم التنظيمات الساعية للتسوية، كان رجالهن يحرصون على عدم مشاركتهن في العمل الوطني. اما الان اصبحت المشاركة لها فوائد فهذا مشروع واعد بالسلام والازدهار حسب تصورهم، وهكذا تشكلت نخبة نسوية اخرى تحمل شعارا هو المشاركة في صناعة السلام، وعلى ضوء ذلك كانت حنان عشراوي الناطق الرسمي باسم الوفد الفلسطيني المشارك في مفاوضات مدريد التي افضت الى اوسلو.

اوسلو الكارثة الثالثة

لقد توصلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لاتفاق تسوية يتم من خلاله تمرير مشروعات ليبرالية معولمة “نيوليبرزم” تضع الشعب الفلسطيني وقضيته على طريق التصفية من خلال تدمير كل الممكنات الثورية الساعية نحو انجاز مشروع التحرير الحقيقي للشعب الفلسطيني. لذا فقد تم استقطاب كل الكوادر عبر مشروع السلطة الفلسطينية كتعبير وكافق سياسي لها، وتم استقطاب كوادر اخرى خاصة اليسارية منها عبر المفهوم الراسمالي المعولم للمجتمع المدني في بلدان العالم الثالث المستعمر عبر ظاهرة “الانجزة”، المنظمات غير الحكومية. هنا تشكلت او تم اعادة هيكلة المنظمات النسوية بحيث يتوائم وضعها مع شروط الممول الذي دخل على الخط عبر اتفاق سلام اوسلو، الذي اعطى دورا ومساحة حرة للدول الغربية الداعمة للمشروع الصهيوني للعمل وللعبث في المجتمع الفلسطيني تحت مسمى الدول المانحة. تبنت هذه المنظمات برامج يتم عبرها الترويج للثقافة الفردية لتحل محل الثقافة الطبقية والوطنية او أية ثقافة جمعية في مرحلة ما زالت مرحلة تحرر وطني، وعبر هذه المنظمات النسوية ايضا يتم الترويج لثقافة الاستهلاك خاصة لمنتجات الغرب بدل ثقافة الانتاج والصمود والدفاع عن الارض، كما عملت على حجب أي محاولة لتشكيل حركة نسوية تعبر عن المصالح الحقيقية للنساء ومطالبهم الوطنية والاجتماعية.

على الرغم من ان عملية اوسلو نجحت في تحويل النخبة السياسية التي كانت تستظل بمنظمة التحريرالفلسطينية الى طبقة تنتفع من مشروع التطبيع والتسوية مع اعداء الشعب الفلسطيني، وبالتالي توهم العديد من ان لا مخرج من النفق الا عبر المفاوضات. وعلى الرغم من انها كانت المدخل الى تحويل الضفة الغربية وغزة الى معازل وجيتوهات يحاصر بها الفلسطينيون، على الرغم من ذلك ومن عواقب وخيمة اخري حلت على الشعب الفلسطيني وقضيته نتجة هذا الاتفاق، الا ان الشعب الفلسطيني قد اخرج بدائل اخرى، عبرت عن ذلك الانتفاضة الثانية عام 2000، وكذلك انفصال غزة عن سلطة عباس بعد ان تنكر العالم الغربي ( الدول المانحة) وراعية عملية ما يسمى بالسلام، الولايات المتحدة الاميريكية، هؤلاء تنكروا لخيار الشعب الفلسطيني الذي تم التعبير عنه هذه المرة في الانتخابات التشريعية، حيث انتخب خيار المقاومة الذي تمثل في انتخاب حماس.

خيار المقاومة هذا حماس والجهاد والمجموعات التي ما زالت تمارس الكفاح المسلح من تنظيمات (م.ت.ف) هي ما زالت مقاومات نحو اعادة استنهاض الشعب الفلسطيني من اجل ان يخرج من نفق بلا افق غير التفاوض على مزيد من التفريط بالحقوق، هذه المقاومات بحاجة الى برنامج مقاومة موحد او كما اعلن عن ذلك خالد مشعل أي الحاجة الى مرجعية للمقاومة. وحتى يتحقق ذلك يبدو ان هناك شروط ذاتية اكثر منها موضوعية منها استيعاب وتأطير المشاركة الشعبية الواسعة ليس عبر لون سياسي واحد فهذا لا يكفي، أي ان حماس او المنظمات الاسلامية لوحدها لا يمكنها ان تفعل ذلك لوحدها، خاصة ان هذه التنظيمات تضع العمل الجماهيري على هامش برامجها. هذا هو المجال الذي تاخذ فيه المرأة دورا مهما. ولنأخذ مثال المرأة في حماس الممثلة في فرعها النسوي. لقد استطاع هذا الفرع ان يستقطب العديد من النساء الفلسطينيات، لكن تنظيم حماس قد حدد مسبقا المساحة المسموح للمرأة العمل بها وهي مساحة العمل الخيري عبر مؤسسات حماس الخيرية اضافة الى دور الاسناد في المقاومة، اذ لا يوجد لها مجال في ان تكون مقاومة او تتخذ قرارات بهذا الشان، كل الشأن هنا للرجال، كما قامت مشاركة النساء في هده الحركة على مبدأ العزل ما بين الرجل والمرأة، وهذا بدوره قد يعني استبعادا وتهميشا لدورها.

تبدو الحركة النسوية التابعة لحماس قد جاءت ردا معاكسا لمشروع نساء التسوية المتغربنات / نساء المنظمات الغير حكومية، فهذا لا يؤهله بان يكون البديل عنه. النساء في حماس يعتبرن القضية الوطنية هي القضية الوحيدة في المجتمع الفلسطيني، بينما نساء المنظمات غير حكومية يعتبرن ان عدم المساواة بين الرجل والمرأة هي القضية الاولى للمرأة الفلسطينية بينما القضية الوطنية هي قضية ثانوية بالنسبة لها.

هنا او هناك، لدى حماس او لدى نساء المنظمات غير الحكومية، يجري تهميش واضعاف لدور المرأة في المقاومة. هنا: لا نضع اللوم على حماس، انها تنفذ ما تعتقد به، وهناك: تغيب اطراف اخرى غير حماس او الجهاد عن المقاومة.

الان هذه هي المعضلة الاساس لانطلاق مشروع مقاومة فلسطيني، مشروع يمكن ان تشارك به المرأة مع الرجل في المقاومة وبالتحرير مشابها لما كانت تفعله حين كانت تشارك الرجل في زرع الارض وجني الثمار، بفارق هو المساواة في المسؤولية وفي التمثيل.