سألتنـي عـن الشجـن …

بسام الهلسه

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1827)

* سألتني عن الشجن. لم يكن موضوع الحديث.. لكنها قطعت السياق وسألت عن الشجن ومعناه. فأجبت بطريقة معجمية موارياً ما فيَّ من شجن عميق.

لم أدر لم سألت.. لكن “الحديث ذو شجون” كما يقال في العربية. ربما كان حديثنا عن مأساة غزة هو السبب؟ فـ“الشجا يبعث الشجا” عند العرب الذين اثقلهم الحزن والهم، حتى صار السرور نادراً فاكتفوا بإطلاقه إسماً على أبنائهم من باب التفاؤل والدعاء بمجيئه!

وإذا كان الشعر العربي القديم حافلاً بالحديث عن أيام السرور القليلة والعابرة التي تبدو وكأنها استثناء من الأصل، مقارنة بأيام الحزن والشجن الطويلة والمهيمنة، فإن نبرة الحزن تكاد تكون النبرة الغالبة في الغناء العربي.

أذكر أنه خلال “انتفاضة الأقصى” لفتت انتباهي الطريقة الحزينة التي أدَّى بها الفلسطينيون إحدى أغاني الأعراس الفرحة:

” سَبَّل عيونو ومد إيدو يحنونه

خصره رِقيِّق وبالمنديل يطوونه”

أما العراقيون فلا أظنني بحاجة للحديث عما هو معروف. فللحزن نكهة بل هوية عراقية. وللشاعر الصديق “مظفر النواب” قصيدة تتوالد فيها صور الحزن الغامر الكثيف:

” مو حزن لاﭽن حزين !

مثل ما تنقطع جوا المطر شدَّة ياسمين

مثل بلبل قعد متأخر

لقى البستان كله بليَّا تين

مثل صندوق العرس

ينباع خردة عشق

من تمضي السنين

آخ آني قِتلك مو حزن

لاﭽن حزين ”

وإذا ما صوبنا نحو مصر التي يمتاز أهلها بحس الدعابة، فإننا نجد أن عادة المصريين في طرح النكات إنما هي -غالباً- أسلوبهم في التحايل على ضيق العيش ومغالبة الشعور الممض بالقهر والعجز والبؤس.

هذا الشعور بالقهر والبؤس والعجز عن السيطرة على المصير -الشخصي والجماعي- هو أهم الأسباب الباعثة على الشجن، والتي ينبغي البحث عنها في الظروف والأوضاع العربية الواقعية التي تشكلت تاريخياً: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، قبل البحث عنها في البنية الشعورية والنفسية والذهنية لهذا الفرد “الشجي” أو ذاك، والذين لديهم بالطبع تجاربهم وأحوالهم “الشجنية” الخاصة والمنفردة.

* * *

لكن شيوع الشجن وتوطنه في بلاد العرب، لا يوجب التعميم والإطلاق.. فثمة من لا هَمَّ لديهم ولا هُمْ يحزنون، وثمة من هم لاهُون، ومن هم خالو البال…

وهؤلاء هم من أشار إليهم القول المأثور:

” ويلُ الشجيّ من الخَليْ ! “

alhalaseh@gmail.com