من الاستعراض القطيعي على الفضائيات … إلى تخويف “قاعدة” شرم الشيخ

وتفكيك مفاصل الدولة القطرية إلى الاحتلال “الحلال”

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1828)

أضحى شرم الشيخ جغرافيا القاعدة الحقيقية للإرهاب الرسمي، فأي دنس هذا لمصر! خمسة وثمانون بين حاكم وحاكم تابع وخبير قتل ومتموَّلٍ من دماء فقراء الدنيا ونفط العرب وبرتقال فلسطين يجتمعون بعد ثلاثة اشهر من تدمير غزة ليضعوا أكثر الخطط إحكاماً للحيلولة دون وصول علبة حليب لأطفال غزة. ولا سبيل إلى الحليب إلا في الأنفاق متسلِّلاً من بين صفوف جنود حاكم مصر لياتي الحليب مرتوياً برمال غزة.

والشرط واضح: إعترفوا بأن فلسطين المحتلة عام 1948 هي ليهود الكيان الصهيوني. لم يبق غيركم ايها الحفاة العراة لم يعترف!، وخذوا بعدها طعاما ودواء ليصبح عندها اسمها الأعلاف. أمَّا وانتم تتمسكون بشرفكم بإنسانيتكم وحقوقكم، ستموتون على الطرقات صرعى البرد والجوع والعطش، وسيقرأ عليكم حكام العرب قرآناً لا كالقرآن، وآيات من إنجيل المحافظية الجديدة وبابا روما الحالي القادم ليهنِّىء صهيون ب 15 ايار 1948. لا شيىء إلا حتى تعترفوا في دهاليز التحقيق معكم تتنكروا لكل شيىء، تستنكروا فلسطين وتستنكروا المقاومة. أنتم يا أبناء البدو كيف تجرأتم على مقاومة جيش جمع مئة لون من العيون الزرق ليزعم أنهم أمة أو قومية ويستوطن في أرضكم.

في شرم الشيخ “أو جُرم الشيخ” يقف اليوم العالم الرسمي بأجمعه يحاصر مليونا ونصف من المدنيين معظمهم من الأطفال والصبية. لا اقول النساء كي لا تغتاظ النسويات الغربيات فيقلن شرقي يحط من قدر النساء. أما هن تلك الغربيات فلم يقمن بتظاهرة واحدة ضد هذا الحصار، ربما لأنهن لا يرضعن أطفالهن حليباً.

يدين مابعد الحداثة في الغرب حداثتهم لفشلها في منع التذابح الأبيض، وتكلُّ أعينهم عن رؤية طائراتهم تقلع بوقود من دم عرب غزة وعرب بغداد وعرب بيروت!

تقف السيدة كلينتون متصابية قدر الإمكان، مرتاحة النفس بعد أن استقرت الأسرة على شراء قطة من أصل إيرلندي لتحمي بيتها الممتلىء بالفئران العربية، لتعلن أن: لا ماء ولا دواء ولا هواء لغزة إلا بالاعتراف بدولة الله التوراتية. ويتبعها فلسطيني ليعلن قائلا ” باسم الله الرحمن الرحيم، وباسم الشعب الفلسطيني أعلن الاعتراف ووجوب الاعتراف بإسرائيل، إلا فلا طعام لغزة”؟

ويقف جند الظام المصري ليحرسوا معبر رفح كما لو كانوا رقيب وعتيد، وليمنعوا جورج جالوي من إدخال قافلة الدواء إلى غزة، إلى أن تعترف حماس بالكيان.

في شرم الشيخ، كان المزاد على الدم: ملياران، ثلاثة، اربعة، خمسة وكسوراً، ولكن، لا فلس يدخل إلا إذا عادت سلطة رام الله إلى غزة.

ريع اقتصادي لموقف سياسي.

وسلطة رام الله لا تحكم في رام الله بالمعنى السيادي. نعم هناك شرطة وبوسعهم إهانة اي مواطن دون سبب، ولكن ليس بوسع كل شرطة وعساكر رام الله منع سيارة جيب صهيونية من فرض منع التجول على 2 مليون مواطن.

عالم شرم الشيخ بأسره يطالب بجندي صهيوني/فرنسي جاء معتدياً وكان اقل من المهمة، فاستسلم! ولا يذكرون أحد عشر ألف معتقل هم مناضلو حرية، وعشرات الآلاف ببغداد، بل ثلاثماية مليون عربي هم اسرى عند حكام شرم الشيخ.

فرنسا الفرانكفونية تطالب بشاليط وترفض الاعتذار لقتل مليون جزائري، ويتهافت مثقفون فلسطينيون على مراكزها الثقافية ليشربوا الكابتشينوويرطنوا بلغة الذين أدخلوا اسلاك الكهرباء في رحم جميلة بوحيرد. أما هي فتزور جنوب لبنان وتعانق مجاهدي حزب الله!

منذ سقوط غرناطة والشروع في مجزرة الكشوفات الجغرافية وصولاً إلى عشرات الملايين من القتلى في مستعمرات الإمبراطورية التي غابت الشمس ولم تغب جرائمها، وصولا إلى مليون شهيد في الفلبين ومليونين في فيتنام، والله أعلم في كوريا بايدي الجيش الأميركي المدجج بالرحمة، ومليون شهيد في الجزائر وحدها قتلوا لأنهم لم يرتقوا إلى التحول إلى فرانكفونيين… وصولا إلى مليون ونصف عراقي قتلوا لأنهم لم يقتلوا صدام حسين، إلى أن قرروا إعدامه علناً وبوقاحة مست الدين نفسه، فكان المشهد الكربلائي الثاني لحسين السُنَّة. الحسين الأول واجه عشرات آلاف الجند بسبعين فارساً، وحسين الثاني واجه الإمبريالية وعملائها بعنقه وحده.

هذا الحديث يُغضب الذين يروننا بعيون الاستشراق، جيد أن يغضبوا.

منذ كل هذه الضحايا في العالم وهي نزر يسير، لم نسمع لا عن تحريات ولا محاكمات، ومن كان سيفعل!. إلى أن تمت تصفية أحد كبار مقاولي العصر، مقاول على وطن، وليس شركة، رفيق الحريري. لم اسمع أحداً رفض وصفه بالشهيد سوى اسعد ابو خليل وأنا!

لا تجوز على الميت المحاكمة، ويجوز أن تذكروا مساوىء موتاكم، ولكن اقرأوا كتاب “الأيادي السوداء” لنجاح واكيم، لتجدوا أن الحريري ما كان يجب أن يُغتال، بل كان يجب أن يُحاكم لأن محاكمته تكشف طبقة بأكملها وليس في لبنان وحده، بل في الوطن العربي بأسره.

اي وطن هذا، فيه تتجسد وحدة لعرب السرقة والكمبرادور والفساد والعمالة المعلنة بافتخار، والجنس التجاري، وبيع الأوطان ووزارات الداخلية، ودوائر المخابرات. والممنوع من الوحدة هي الطبقات الشعبية بشكل خاص!

وهكذا، يداور الغرب ويُناور ليرمي بدم الحريري على المقاومة. هو الثأر البرجوازي الغربي لأن الحريري سليل عائلة جنرال موتورز او مرسيدس أو ديسكفري، أو مولود في الشانزليزيه.

فأية استباحة لهذه الأمة. أكل هذا من أجل راسمالي مقاول وراس المال المقاول هو الأشنع في الاستغلال أكثر حتى من را س المال الربوي الذي حذر منه الشيخ الجليل كارل هنريخ ماركس.

وفي السودان، أصبحت دارفور شارع ماركيت ستريت في سان فرنسيسكو، أو ضاحية ميتشيم في لندن او حي بيجال في باريس. بقدر راس المال تتغير الجغرافيا وتُحمل مئات آلاف الكيلومترات المربعة من قارة إلى أخرى، فقط لأن هذه الأرض مستباحةً!

ليس هناك من حاكم في عالم راس المال إلا وهو قاتل. بمعزل عن الأدوات والأساليب، ولكن من يُحاكم صدام حسين والبشير هو الشعب العربي وليس لصوص العولمة ومأفوني دماء الأمم. ومن هنا نحن نرفض هذا العدوان على السودان، من قتلة هم الأكثر مهارة والأكثر دموية. كان يجب محاكمة قيادة السودان منذ أن سلّمت كارلوس للطغيان الفرنسي.

ولا ننسى أن عبدالواحد محمد نور رئيس ما يسمي بجيش تحرير السوادان وهو التشكيل الذي بدأ التمرد المسلح في دارفور سنة 2003 وأكثر المتمردين رفضا للانهاء السلمي للنزاع في اطار الحفاط علي وحدة السودان ارضا وشعبا، هو عميل للصهيونية وقد اعترف هو بنفسه وعلنا أنه أتم عملية التطبيع بينه وبين الكيان الصهيوني في دارفور وعزمه علي تحقيق ذلك في عاصمة السودان وكل مدنه. ونور هذا رقم متاخر بين المعترفين بالكيان الصهيوني.

محمياً بجيوش أميركا يقف المالكي في العراق ليعلن استعداده لمصالحة البعثيين إذا عادوا إلى العراق. هل يوجد اسوأ منها مرحلة حين يقف عميل هكذا على بطن أمة ويتفاخر؟ وأية أمة؟ أمة حين تتراخى قبضة أميركا يقدم لها حكامم الأمة ثروتها ويعترفون بنظام عميل وطائفي في بغداد ويتبادلون السفراء وأنخاب بيع النفط والتراب. كل غانية أو غلام ببئر نفط.

في فلسطين هناك كيان صهيوني تجسد منذ سايكس ـ بيكو، واليوم يجدد الكيان نفسه في دارفور، وفي أجزاء من العراق بحضانة الحزبين الحاكمين والعميلين يتم ترسيخ كيان صهيوني في العراق. ولم تتوقف محاولات إقامة كيان صهيوني في لبنان.

شر البلية ما يَُضحك. فالنظام في المغرب يقطع علاقاته مع إيران لأنها تحتل جزراً للإمارات العربية المتحدة، فما بالك لو كانت هذه الإمارات متفرقة! بينما سبتة ومليلية تحتلهما إسبانيا وهما في معدة المغرب!. إذا كان الاحتلال يُقاس بالحلال والحرام، يبقى الاحتلال الإيراني “احتلال حلال”.

الصمت اثمن والصراخ معيبة!

لم يعد للصراخ قيمة ولا للخطابات. إذا لم يكن للفعل دور، للرد دور، فالصمت اثمن. فمن الصمت يولد الرد لا من الصراخ. من الصمت يولد الخوف، وبالخوف فقط تواجهون شرم الجرم.

فطالما الدولة القطرية في قاعدة شرم الشيخ تقايض على أمة ووطن، فليس إلا تفكيك مفاصلها. وطالما الدول المعادية تقيم معهداً دائما للتآمر والاحتلال والقمع والتجويع في شرم الشيخ، فلا بد من تخويف بعثاتها وممثليها وأنجزتها، وفرانكفونييها ومثقفيها، وليس رعاياها.

يجب ان تجرد هذه الأنظمة الأجنبية المعادية من كافة وساءل تجسسها على الأمة ناهيك عن آليات نهب الثروة والدماء.

لم تعد الأنظمة تخشى الصراخ، بل غدت تحبذه فهو انتفاخ، وتنفيس في النهاية لا أكثر. المهم تقنين الغضب واستثماره لا رميه مجاناً في الهواء. أصبحت التظاهرات مشهداً تلفزيونياً يجذب للحظات ثم يتلاشى. ولا يبقى إذن إلا الخوف. يجب أن يصل الخوف إلى المناطق الخضراء، وإلى البعثات العسكرية التي تدرب العملاء، وأوكار الثقافة التي تدجن العقول، إلى كل ما يبعثه الرسمي.

وعندها سيعرف المجتمع المدني هناك أنه إنما يرسل إلى هنا بشراً مسمومين. بهذا لا يحصل فك الارتباط بالاقتصاد، بالتبادل التجاري القائم على تبادل لامتكافىء، بل كذلك على فك الارتباط التجسسي والمخابراتي والقمعي والثقافي الكمبرادوري.

هذا هو الرد الشعبي، أما الرد الرسمي، فليس متوفراً في الوطن العربي، ليكون بمصادرة ما تسمى أملاك ومصالح الأعداء كما يحصل في فنزويلا اليوم.