لجان الحوار الفلسطينية… هل تُشكل خطوة للأمام ؟

محمد العبد الله

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1829)

مع سرعة انفضاض اللقاء الأهم في مشهد اجتماعات القاهرة الفلسطينية_ التي لم يستغرق اخراجها للعلن سوى بضعة ساعات _تكون الستارة قد أسدلت على الفصل الأول من مشاهد الحوار “المصالحة”. لتبدأ بعد أيام قليلة الفصول الأخرى، التي توزعت نشاطاتها على لجان خمس، ستعكس خلال اجتماعاتها ومناقشاتها، حرارة الملفات المطروحة، والتي تحسس سخونتها المتحاورون في اللقاءات الثنائية، أوالجماعية، وفي ثنايا كلمة راعي اللقاء ومهندسه، مدير المخابرات العامة “عمر سليمان”.

ما حملته لغة البيان الختامي، وتصريحات قادة فتح وحماس، أعادت تسريع الخطوات لتحقيق “التهدئة الداخلية”، من خلال تنفيس أجواء الاحتقان الداخلي، إعلامياً على الأقل. فالاجراءات العملية التي لم يتوقف العمل بها خلال ساعات اللقاء، وأثناء تلاوة بيان الاتفاق، وحتى هذه اللحظات تدفع بنا جميعاً، لعدم الإفراط في التفاؤل، وللتعامل مع التطورات المباشرة بشكل واقعي، أقرب ما يكون إلى “التشاؤل”!. فأجهزة السلطة الأمنية في رام الله المحتلة بدأت بتصعيد ممارساتها القمعية الاستفزازية ضد حماس قبل بدء المؤتمر بيومين. وحملة الاعتقالات لم تتوقف حتى الآن، إذ تم اعتقال تسعة وعشرين من أبناء وأنصار الحركة، خمسة عشر منهم اعتقلوا في يوم انعقاد اللقاء الحواري، كما استدعي سبعة وستون عضواً ونصيراً للحركة للمراكز الأمنية. أما حديث الإفراج عن المعتقلين، فلا يعدو كونه محاولة لذر الرماد في العيون. فالأرقام متواضعة للغاية، خمسة وأربعون من بين أكثر من أربعمائة تحتجزهم السلطة في سجونها. ناهيك عن معتقلي القوى المقاتلة الأخرى، التي تأتي حركة الجهاد الإسلامي في طليعتها. إن هذه الممارسات لاتكشف فقط عن نوايا البعض المعادي لأية جهود تصالحية، بل تعيدنا لقراءة الواقع الحقيقي للإتفاقات التي تلتزم بها سلطة رام الله المحتلة، سواء مافرضه اتفاق اوسلو سيء الصيت، أو التطبيقات العملية لبنود خارطة الطريق الكارثية.

التصريحات التي أدلى بها رئيس السلطة مؤخراً حول “طبيعة مهام حكومة الوحدة الوطنية أو حكومة الاجماع الوطني..حكومة تلتزم بالتزاماتنا المعروفة وهي رؤية الدولتين.. هذه الالتزامات الموقعة، بحيث يكون كل شيء واضحاً امام هذه الحكومة لتمارس عملها، لأننا لانريد أن نعود مرة أخرى للحصار” أشارت إلى وجود عقبات قديمة/جديدة تنتصب على طريق الحوار. والحديث عن “الالتزامات” يطرح جملة من القضايا التي لابد من اعتراف أية حكومة توافقية قادمة بها “رؤية الدولتين” التي تمثل اعترافاً بكيان العدو الارهابي، وهو ما ترفضه بعض القوى. وقد دفع هذا التصريح ” أيمن طه ” أحد قادة حماس للقول “إن تصريحات عباس تقوض فرص التوصل إلى حكومة وحدة.. والحركة ترفض أي شروط مسبقة لتشكيل حكومة الوحدة.. وأن حماس لن تقبل بأي حكومة وحدة تعترف باسرائيل”. لكن العديد من التصريحات والمواقف التي وردت في تصريحاتٍ لقادة حماس في أكثر من مناسبة، أشارت إلى موافقة الحركة على” قيام دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلت عام 1967″، والعمل على “تهدئة تمتد لعشرة سنوات واكثر”، ترتبط بتوافقات _غير مباشرة_ بين الطرفين على حزمة من القضايا .

مع تجهيز الملفات لقضايا الحوار، ومع بدء اللقاءات والمداولات الاستباقية حول القضايا المطروحة على اللجان الخمس التي ستبدأ عملها في العاشر من الشهر الحالي، تكون القوى قد بدأت الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل!. لكن اللافت لنظر المراقبين كان غياب قضية “التهدئة”، وتهويد ماتبقى من القدس عن فقرات البيان. ومع ذلك فإن الثلاثة أسابيع المفتوحة لمعالجة تلك القضايا لن تكون كافية لقراءة هادئة غير متعجلة، لاتُستنزف عبر السباق مع الزمن، من أجل التوافق حول تشخيص الأزمة، كضرورة للتوصل إلى وضع الحلول لها . تحت عنوان كل ملف، يتجمع تاريخ طويل من الاختلافات والتناقضات بين أكثر من رؤية. فما بين لجان المصالحة والحكومة والأمن والانتخابات، تتسع دوائر الاختلافات المتباينة بين رؤية وأخرى، وتشكيل وآخر فيما يخص الأجهزة واللجان الأمنية والأذرع المسلحة للقوى المقاتلة. كما أن ملف المنظمة المفتوح على “التطوير والتفعيل وإعادة البناء لمؤسساتها” تتقاذفه آراء ومضامين متعددة، سيعمل أصحاب الرؤى المتعارضة _لن نقول المتناقضة_على تثبيتها. فما بين إعادة البناء على بنود الميثاق، وتفعيل الدور الوظيفي/الكفاحي للمنظمة، كحاضنة لقوى وفعاليات النضال الوطني الفلسطيني، ورؤية البعض المهيمن عليها_ كهيكل يحمل الإسم، ومفرغ من المضمون النضالي، لكنه عند “اللحظة الحاسمة”، الختم الجاهز لمهر أي قرار_، تتباعد مساحة اللقاء.

في مرحلة “مابعد غزة” التي تحدث عنها الكثيرون، و”بَشََّرَ” بمفاعيلها المقاومون، توسمت الأمة بأن مرحلة جديدة ستبدأ، وبأن “حكومات للمقاومة” والممانعة ستنشأ، وبقيام “مرجعيات وهيئات ولجان” لتثوير الأطر، وتفعيل أدوات العمل . لكن ماحملته الأسابيع الأولى التي أعقبت وقف العدوان على غزة، تشير إلى أن اللغة النمطية المتداولة، والعبارات الفضفاضة، عادت لتتسيد الخطاب اليومي، على الرغم من برنامج “نتنياهو/ليبرمان” القادم، الأكثر عدوانية ودموية، وبناء عشرات الآلاف من الوحدات السكنية، لاستقدام مستعمرين جدد لاحتلال الضفة الفلسطينية والقدس الشرقية، واشتراطات “كلينتون” التعجيزية. يأتي كل هذا في ذات الوقت الذي تعلن فيه الدول المانحة في مؤتمر شرم الشيخ عن اعتماد المليارات لإعادة إعمار غزة_ جيش الاحتلال يهدم ويدمر، والعالم “المتحضر” يعيد البناء؟؟_ ولايعرف شعب غزة الصامد كم من الوقت سينتظر، حتى تبدأ الورشات عملها، بعد أن يتم رفع الحصار وفتح المعابر أمام حركة البشر والسيارات.

إن اللوحة الأخيرة في المشهد الاحتفالي كما أرادها المشرف على ترتيبات المؤتمر الصحفي، تضمنت ترتيباً وتوزيعاً مجحفاً لممثلي بعض القوى. فلم تكن الأسماء التي جلست على كراسي المنصة تمثل الوزن الكفاحي الراهن في الحركة الوطنية الفلسطينية. كما أن وقوف البعض في خلفية المشهد _ وهذه تقليعة جديدة في المؤتمرات_ قد حملت من الإستخفاف بالمندوب المشارك و” فصيله ” بالحوار الشيء الكثير، خاصة وأن هذه المواقع “الخلفية” كان يشغلها المرافقون والحراسات الأمنية . إن مشاركة بعض القوى والشخصيات لم تكن تعكس حقيقة فعلها ودورها في معارك الدفاع عن الأرض والشعب، بل أن جلوسها على الكراسي، فرضته حسابات واستحقاقات المرحلة وتحالفاتها.

إن أية جهود صادقة لتحقيق المصالحة، يجب أن تنطلق من مسلمات أساسية، تأتي في مقدمتها أن معيار وطنية أي حوار، تأتي من حقيقة مواقف الأطراف من قضية الصراع مع العدو الصهيوني/ الاحتلالي/الاجلائي، وترسيخ مقاومته. إن أهمية وحدة الصف، تنتج من طبيعة التوحد حول تحقيق أهداف النضال الوطني والقومي، وكل حديث عن المصالحة الفلسطينية، سيظل مرتبطاً بقناعة القوى والفعاليات والكفاءات الفلسطينية، بأن كل أشكال “السُلطات” في ظل الاحتلال، وتحت وصاية بنود اتفاق أوسلو، ستتحول إلى أنماط جديدة من الإدارات المدنية فقط، مما يجعل الرهان على دورها السياسي، وهماً وهروباً إلى الأمام، بعيداً عن المقاومة.