حين تصبح الصين الملاذ الأخير

وتُعطى بلدان العالم الثالث حصة في القرار

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1830)

ما الذي يدفع الصين، ذلك العملاق متثاقل الخطى ان يهتم اليوم، ربما أكثر من اميركا، في مطالبة دول العشرين بمواجهة الأزمة المالية، والتعاون الأوثق وزيادة حصة العالم الثالث في المؤسسات المالية الدولية. هل هي التقاط لحظة التراخي الأميركي، أم لوجود عوامل داخلية ساخنة تضغط على القيادة الصينية، أم توفر فرصة الوصول ولو ببطىء لقيادة العالم؟

كانت أحدث تصريحات من الصين هي لوزير خارجيتها يانغ جاي شي، الذي دعى دول العشرين لإحداث اختراق سريع في الأزمة المالية قبيل لقائها في أول نيسان المقبل في لندن، لكنه أكد أن هناك محددات كثيرة تعيق السياسة الخارجية والرغبة في صياغة سياسة تعاون وثيق مع الولايات المتحدة. لا بد لدول العشرين ان تتمكن من وضع الاقتصاد العالمي على مدرج الإنتعاش، وأن الصين تريد ان تكون لها كلمة رئيسية هناك، وأن تشارك على المدى الأطول في ترتيبات النظام المالي العالمي.

لكن هذا الحديث العام لغوياً ودولياً، لم يمنع الوزير الصيني من الانتقال إلى التحديد، بأن بلاده لن تدخر جهداً في الحفاظ على التوازن الاقتصادي المحلي وعلى نموه السريع. كان ذلك متوازيا مع انعقاد الجلسة السنوية للبرلمان الصيني، وكأن هذه رسالة إلى الصين نفسها أكثر مما هي إلى الآخرين بمعنى ان الحكومة غير متجاهلة او ناسية المشكلة الاجتماعية التي تعيشها المئات من الملايين في الريف الصيني. وهي مشكلة لا تعني فقط مازق بطالة هذه الأعداد، بل تبين كذلك أن النظام في الصين ذاهب بتسارع ليصح مركزاً راسمالياً وربما إمبريالياً!

يدعم هذا الاستنتاج عاملان يقومان على الأرض في الصين كدولة تصديرية:

□ تصدير السلع بكميات هائلة وباسعار تنافسية

□ وتصدير (داخلي) لقوة العمل عبر تشغيل عمالتها المحلية في شركات أجنبية عاملة هناك.

فهي اي الصين تجد نفسها في بؤرة تطورات النظام العالمي مما يدفع وزير خارجيتها للحديث عن ضرورة أن يلعب مؤتمر لندن دورا في استعادة الثقة، وتمتين التنسيق على صعيد السياسات الاقتصادية الكلية، واستقرار الأسواق المالية، واتخاذ الإجراءات الإصلاحية الضرورية في النظام المالي العالمي ونظام التضبيط الاقتصادي.

وبمعزل عن التأدب الدبلوماسي، وخاصة في الصين، فإن هذا الحديث يشير إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بمستويين من النقد. فهو إشارة إلى أن صندوق النقد الدولي بما هو المتحكم بالنظام النقدي الدولي لم يعد يقوم بدوره المطلوب، هذا إذا فعل كما يجب سابقا، وعلى اية حال فالصندوق وصل به الأمر هذه الأيام إلى انتقاد نفسه ايضا، وهذا دليل على شدة الأزمة، ونقد النظام المالي هو نقد لمؤسسي الصندوق اي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. كما ان الحديث عن التضبيط الاقتصادي مقصود به السياسات الإقتصادية التي أتبعت في الثلاثين سننة الأخيرة وخاصة في أميركا وبريطانيا المسماة عدم التضبيط De-regulation أي خروج الدولة من عملية ضبط الأسواق سواء المالية أو الصناعية، وهي السياسة التي ساهمت في الوقوع ما بين فَّكي الأزمة. ولكي يخفي النقد أجاب، في المؤتمر الصحفي الذي استغرق تسعين دقيقة، على سؤال فيما إذا كان يلقي اللوم في الأزمة على واشنطن وذلك بقوله: ” على الطرفين أن يعملا يداً بيد، وأن الصين قد بدأت بداية جيدة مع إدارة اوباما… ان الصين تشارك الولايات المتحدة مصالح ضخمة، وعلى كل بلد التعود على تفهم مصالح الآخر، وحفز التبادل والتعاون بينهما.”

ولكن، ما الذي يدفع الصين، علاوة على الأدب الدبلوماسي، إلى توجيه النقد الناعم لأميركا في حين وجه لها اصدقائها نقداً أكثر سخونة؟ هو الاقتصاد بالطبع، فالولايات المتحدة هي أكبر مستورد للمنتجات الصينية، كما ان الصين هي اكبر دولة أجنبية مالكة لسندات في الخزينة الأميركية. فأية علاقة وثيقة هذه. علاقة يمكن الزعم أنها فيما لو تضعضعت سيكون هناك غرقاً ثنائياً، من هنا مصلحة كل طرف في الإمساك بكتف الآخر! لذا فالصين سعيدة بمحاولات الإنقاذ المالي الأميركية لأن هدفها حفز الاستهلاك، تشجيع المواطن الأميركي على الشراء. وضمن هذا الشراء يكون بالطبع شراء السلع الصينية التي تتدفق إلى السواق الأميركية بأسعار تنافسية. وحفز الشراء يحفز الإنتاج، ويحفز النمو الاقتصادي فتكون سندات الخزينة الأميركية التي للصين حصة كبيرة فيها، بل متنامية، تكون في أمان.

كما ان الترابط يتنامى أكثر، فمن الواضح أن الولايات المتحدة مضطرة لرصد ميزانيات إنقاذ جديدة، أو إضافية، وفي هذه الحالة، فإن السندات الصينية سوف تزداد. وإذا كانت الصين في موقع يسمح لها بعدم رفع سعر صرف اليوان الصيني الذي بدوره يحافظ على سلع الصين رخيصة مما ينافس الراسمال الأميركي، فإن الإدارة الدميقراطية تحمل في داخلها نقاشاً ساخناًُ في هذا المستوى مع الصين كما اشرت في مقال سابق.

صحيح ان مؤتمرلندن سوف يتابع مقررات مؤتمر 15 تشرين الثاني 2008 فيما يخص التنسيق واتخاذ إجراءات لإنعاش الاقتصاد الدولي، وإصلاح النظم المالية وكذلك الأسس التي قامت عليها المؤسسات المالية الدولية. ولكن على الأرض، فإن هذه المقررات لا تنسحب بنفس القدر بين كل دولة وأخرى ولا بين الدول كمجموع، بمعنى أن نموذج تشابك المصالح بين كل بلد وآخر هو الذي يحدد تعميق العلاقة.

رغم أن الصين صاحبة الاقتصاد الثالث في العالم، إلا لأنها تتحرك دولياً على محور مرن أكثر من الولايات المتحدة. فالصين ذات اقتصاد خليط بين (اشتراكي وراسمالي – حتى الآن)، وهي محسوبة على دول عدم الانحياز، وعلى العالم الثالث، كما أن صورتها في العالم الثالث ليست صورة عملاق جشع…الخ، وهذا ما يدفعها لاستثمار هذه المميزات كي تحقق السبق الناعم على أميركا دون أن تتمكن أميركا من الاعتراض الشديد. لذا، تدعو الصين مؤتمر لندن المقبل ليعطي بلدان العالم الثالث دوراً أكبر في الترتيبات المالية الدولية وتحديداً في الصندوق والبنك الدوليين اللذين هما احتكاراً غربياً بامتياز.

لكن المعنى الحقيقي لهذا هو بالتحديد إعطاء الصين دوراً اكبر، لأن الدول الفقيرة لن يكون لها ما تفعله بصلاحيات ابعد من طاقتها، مما يدفعها لإحالة التنفيذ والحيازة على الصين التي بدأت تربطها بهذه البلدان علاقات اقتصادية قوية لا سيما في إفريقيا، ناهيك عن أن علاقتها بأميركا اللاتينية قوية وكذلك بروسيا. بمعنى آخر، فإن مزيدا من الأصوات للفقراء سوف تصب لصالح المقترحات والسياسات الصنية. ومما يعزز استنتاجنا هذا ما أكمل به حديثه، الوزير الصيني، بقوله:” إن الأزمة المالية الدولية لا بد أن تعطي كلمة اكبر للبلدان الفقيرة ولبلاده”. وهذا يعني لا مباشرة انه يتحدث باسمها أو له طموح بذلك.

لعل اللافت في التصريحات الصينية انه رغم الأزمة، توجد لدى قادتها ثقة غير بسيطة في اقتصاد بلادهم، فقد أكد رئيس الوزراء ان النمو في بلاده لن يهبط ما دون 8% هذا العام. هذا بعد أن كان أعلى من عشرة في السنوات السابقة. واللافت أكثر قول وزير الخارجية بأن مساهمة بلاده في توازن الاقتصاد العالمي ستكون باستمرار النمو السريع نسبياً لاقتصادها. وكأنه هذه المرة يشير إلى مسألتين:

□ الأولى، كأن الاقتصاد الصيني يطمح في الحلول محل الأميركي بأن يكون اقتصاد الملاذ الأخير The economy of last Resort على الصعيد العالمي

□ والثاني، تطميناً للعمال الصينيين الذين أخذوا يتململون مؤخراً!

بكلمة أخرى، فإذا كان الشعار المألوف أميركيا ان على المواطن ليدعم الاقتصاد بأن يزيد استهلاكه، فإن الصين تحاول مخاطبة المواطن العالمي كما لو كان مواطناً صينياً لكن اهمية هذا كامنة في أن على كل دولة قومية أن تكون حذرة وحريصة على فلوس مواطنيها بأن تدور قدر الإمكان في السوق المحلي.

والسؤال، هل حقا يمكن للنمو الصيني خدمة الاقتصاد العالمي في فترة التخبط الحالية؟ يكون لهذا السؤال معناه حين نعلم ان اقتصادات العالم الثلاث الأقوى تعيش أزمة تباطؤ (اميركا، اليابان وألمانيا) بينما لا زال النمو في الصين عالٍ جداً (8%) مقارنة بالتباطؤ وحتى الركود في الاقتصادات الأخرى.

لقد خصصت الصين رزمة تحفيز اقتصادي بقيمة 4 تريليون يوان، (580 بليون دولار) وهذه كمية مغرية لشركائها التجاريين ولغيرهم في نفس الوقت، ومن هنا فرصة أن يجرَّ الاقتصاد الصيني النمو العالمي، وبالطبع عبر استغلال الصين للبلدان التي ستحاول الانتفاع من القاطرة الصينية. ولعل ما يسيل لعاب الدول الأخرى هو الاحتياطي الصيني من العملات الصعبة والذي يغري البنوك الدولية التي تعاني أزمة سيولة بأن تتعامل مع الصين؟

من المهم الإشارة إلى أن قوة الاقتصاد الصيني سواء في النمو العالي، وتوفر الاحتياط النقدي وعدم رفع قيمة العملة، كل هذه لعبت دوراً في عدم تضعضع قيمة عملتها خلال الأزمة المالية الحالية. هل السبب هو وجود الاحتياطي النقدي أو قوة التصدير أم كلاهما؟

بهذا المعنى، وطالما ان الاقتصاد الصيني منفتح عالمياً، فإن التعاون الاقتصادي معه هو ما يفسر قول الصين ان نموها يحفز النمو العالمي، بمعنى أن العجلة الاقتصادية تجد ما يحركها بغض النظر عن كون لونه أصفراً هذه المرة، وهذا التحريك يوفر ثقة ما للاقتصاد الدولي.

رسملة أم وراثة الراسمالية

أما وقد تأكدت الصين ان قبضة الولايات المتحدة تتراخى حقاً، فقد بدأت العام الجديد بدبلوماسية اقتصادية نشطة حيث زار رئيسها هو جنتاو، ورئيس وزرائها وين جياباو، آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا حيث اقاموا برامج علاقات وتعاون اقتصادي هناك. وبالطبع ركزوا على “رفض” سياسات الحماية الاقتصادية وحققوا إجماعاً على وجوب مواجهة الأزمة بشكل مشترك.

ربما نلاحظ هنا التغير الملموس. فالصين التي اقامت قوتها الاقتصادية في حقبة ماو تسي تونغ، على استراتيجية فك الارتباط De-Linking ، بل واتهمت بأنها صاحبة مدرسة الانعزال Autarkyهي التي تنادي اليوم برفض الحماية الاقتصادية التي هي درجة متواضعة مقارنة مع فك الارتباط.

في زيارة الثقة لأوروبا وقع رئيس الوزراء الصيني اتفاقات شراء وتعاون بقيمة 10 بليون دولار مع ألمانيا بريطانيا وسويسرا وإسبانيا. من هنا قال رئيس المجلس الصيني للجنة آسيا والباسفيك للأعمال بألمانيا : “ان الصين قد اثبتت أنها شرك يُعتمد عليه في الأزمات”.

تحدر الإشارة إلى ان استفحال الأزمة في الدول المتقدمة، مقابل تواصل النمو النسبي في الصين يدعم وجهة نظرها بوجوب توسيع دور الدول النامية في المسائل المالية والاقتصادية العالمية. وهو ما أكد عليه وزير الخارجية البريطاني. بقوله هناك حاجة لإعادة توازن القوة في الاقتصاد الدولي كإعطاء دور أكبر للعشرين، بدل انحصاره في الوضع الاستشنائي للثمانية الكبار الذين تتراجع حصتهم في الاقتصاد الدولي.

ما الذي يحكم هذا الحديث على صعيد عالمي؟ هل هو الانتاج ، بمعنى القدرة الإنتاجية الضخمة، ام التجارة ام تواصل انقسام العالم إلى منتج ومشتري. وربما هنا يتضح الاهتمام ببلدان المحيط، بما هي قوة استهلاك تكميلية للمركز التي تتثاقل قوته الاستهلاكية، وخاصة بلدان المحيط التي تتوفر لديها سيولات مالية، ناهيك عن الأسواق الواسعة، والتوالد ذي النسب العالية، وكل هذه قوة شرائية، وإن بدرجات.

لكن الاهتمام ببلدان العالم الثالث-المحيط- ليس أمراً بلا إشكالات. فلا بد ان تتنافس الدول الكبرى عليه، رغم ما يبدو على السطح من رغبات في التعاون فيما بينها. ولكن ما يحسم في التحليل الأخير هو قدرة كل اقتصاد على قَطْرِ أكثر اقتصادات أخرى ورائه. هل يعجب الولايات المتحدة هذا؟ أم ستحاول الحصول بالسلاح ما لم تتمكن من الحصول عليه بالمنافسة الاقتصادية؟ هذا سؤال برسم الإجابة وهو يرتد إلى احتمالات حرب باردة وربما ساخنة. وهو، إن حصل، ربما يستدعي من جديد نقداً إضافياً لتننظير كارل كاوتسكي لمرحلة ما بعد او ما فوق الامبريالية.

لا ننسى أن الصين تأثرت بالأزمة المالية الدولية ولا يسعها إسعاف اقتصاد العالم لوحدها.

ولكن، هل يعيد التاريخ نفسه؟ فقد شهدت العقود الستة الماضية في الاقتصاد العالمي تراجعا مستمراً في حصة بلدان المحيط في التجارة الدولية. هل يسير المؤشر هذه الإيام إلى استعادة حصتها؟ ربما نعم؟ ولكن يبقى السؤال ابعد من الحصة. بمعنى هل هذه الحصة هي في توسع الإنتاج، أم التوسع النسبي في الاستهلاك! وهذا يفتح على التبادل اللامتكافىء طالما التطور لا متكافىء.