سيناريو الغضب العربي المستمر

هاتفه رشيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1831)

منذ اليوم الاول لاندلاع الحرب على غزة في 27/12/2008 ” دعا السيد حسن نصر الله شعب مصر لفتح المعابر بصدورهم العارية ” وكأن السيد قد كفر وقتها، حيث تهافت أزلام النظام المصري من حملة الليبرالية الجديدة الى اعلان الحرب عليه واتهامه بتشجيع الانقلاب على النظام المصري، هل يعقل أن يقوم الشعب في مصر بتلك الخطوة والتي تعني بكل تأكيد ترجمة حقيقية للغضب الشعبي العارم والرفض القوي الصارخ لما يحدث في غزة. طبعا لم يتجرأ أحد أن يقدم على هكذا خطوة، ولكن مثل هذا الحدث لو تحقق لما مرَ هكذا دون تأثير وستكون دماء هؤلاء الشرارة التي تشعل لهيب التغيير والرد الحقيقي لا بالشعارات والاعتصامات واللطم والنحيب..بل ستكون التعبير الحقيقي للغضب الشعبي.

ثمة دراسة تعتبر من أوليات الدراسات العلمية عن الغضب أجريت عام 1899 ومنذ ذلك التاريخ تعتبر هذه الدراسة نموذجا كطريقة لتهدئة الغضب سيكولوجيا بانتظار تغير مناسب في الدفعة الادرينالية لتصل الى وضع لا يتوقع عنده حدوث مزيد من محفزات الغضب، فلنفرض مثلا أن خلافا حدث مع شخص ما يقتضي الابتعاد عنه بعض الوقت وفي الفترة التي يتم فيها تهدئة الغضب يستطيع الشخص الغاضب أن يكبح دورة التفكير العدائي المتصاعدة بالبحث عن شئ يلهيه. ويرى (زيلمان ) أن عملية الالهاء في حد ذاتها وسيلة قوية للغاية لتغيير الحالة النفسية لسبب بسيط وهو أن تخفيف الغضب يصل الى النقطة التي يمكن أن يقضي فيها الشخص وقتا سارا في المقام الاول وبالتالي يهدأ ويغض النظر. وهذا ما حصل معنا. نثور ونغضب بالمظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات معتقدين أنها الحل الوحيد الذي نستطيع التعبير به عن غضبنا، تفور الدماء في العروق ولكن دون جدوى. واحد وعشرون يوماً من القتل والتدمير، صور على كل الشاشات الفضائية لأطفال يُذبحون يوميا دون رادع، وخلال هذه الفترة يتم إلهاء الشعب العربي عبر أخبار تحركات القادة العرب واندفاعهم لعقد قمة طارئة فيتم التفريغ التدريجي لموجات الغضب الجماهيري الى أن وصلنا الى إنهاء الحرب ومعها توقفت كل مظاهر الغضب العربي.

ولكن… هذا مسلسل لا نهاية له ولن يتوقف الا بالارادة الحرة والوعي الحقيقي لفهم الاخر وطريقة تعامله ونواياه وفهمنا لذاتنا وقدراتنا الكامنه.

فقد تكون فكرة القضاء على اسرائيل بالنظر الى موازيين القوى السياسية والعسكرية مسألة معقدة بل عند الكثيرين مستحيلة ولكن في الحقيقة قابله للتنفيذ كفكرة نشوء اسرائيل نفسها التي كانت مستحيلة الا أنها تحققت. حيث تحققت بالظلم والقتل وابادة وتهجير شعب فلسطين، وفرض سياسة القوة العسكرية. وهذه الفكرة (أي زوال اسرائيل) تطبيقها ممكن في حالة التوحد على موقف واحد وهو الإضراب الشامل، والمقاطعة التامة لكل المنتجات والبضائع الامريكية والاوربية والاسرائيلية والدعم المستمر لكل أشكال المقاومة الهادفة الى تحرير فلسطين ورفض الانصياع لمخططات الاستسلام.

لقد عُرف الاضراب الشامل منذ تاريخ طويل وأثبت فعاليته في تغيير سياسات عدد كبير من الدول كعامل رادع قوي يؤثر على طريقة تعامل الغرب معنا وقد أثبتت فعاليته في حرب تشرين التحريرية، وليكن شعار يا عمال العرب اتحدوا حقيقة وليس مجرد شعار.

وأما خيار المقاطعة التامة لكل البضائع الامريكية والاوربية والاسرائيلية، فتأتي أهميته لقوة السوق العربية وما يحققه الغرب من أرباح هائلة من تصديره لمنتجاته وهذا ما يجعلهم بمالنا يصنعون الاسلحة والطائرات والدبابات لقتل العرب، والمضحك والمبكي في نفس الوقت أننا نقوم بإستدامة هذا المسلسل المأساوي من الشراء والدفع والقتل… نشتري منهم، فيضربون ويقتلون ويشردون ويدمرون، وعليك أنت العربي أن تقوم فيما بعد أيضا بدفع التعويضات وبناء وما هدموه…

وعودا على بدء، تأتي أهمية الوحدة العربية على اتخاذ الموقف الموحد القوي وتصبح بذلك امكانية زوال اسرائيل حقيقة وليس حلما. فالاضراب الشامل لتحقيق المطالب في قطع العلاقات مع اسرائيل وطرد السفارات ووقف التطبيع سيجعل اسرائيل كما كانت عام 1948 كيانا غريبا ضمن وطن عربي حر ما زال فيه نبض الاسلام والمسيح.

وبالمقاطعة الاقتصادية سنتمكن من الضغط على الدول المعنية باتخاذ القرارت التي تسهم في تنفيذ مطالب الشعب العربي على الاقل ضمن حدود قرارات هيئة الامم المتحدة في حق الشعب الفلسطيني بالعودة الى أرضه وحق تقرير مصيره، واترك الباقي للديمغرافية (من حيث عدد السكان ) وللارادة الحرة لشعب فلسطين وقوته في تقديم الدروس للمقاومة والعزة والكرامة العربية، حيث ستزول اسرائيل رويدا رويدا……(مسافة الالف ميل تبدأ بخطوة واحدة ).

وهنا تأتي ضرورة التعبئة الجماهيرية وتوعيتها لهذه المهمة وهي مسؤولية الاحزاب التقدمية والنقابات الممثلة لكافة قطاعات المجتمع. ومسؤولية كل مثقف عربي شريف ينبض قلبه بالعروبة حقا ولم يلهث وراء قتلة الضمير العربي.

قالت امرأة وهي تصرخ على شاشات التلفاز ” وينكم يا عرب… وينكم يا عرب”، وفي غزة قالوا الكلمة الحق كلمة الصمود والتصدي وقدموا دروسا لكل العرب في التضحية والفداء والبسالة وأعلنوها لا نريد منكم شيئا سوى أن تقفوا معنا ” وهذا هو الموقف الذي يحتاجه أهل غزة والذي تحتاجه فلسطين منا. وتذكروا أن هذا ليس مسلسلاً واحداً فحسب بل هو مسلسلات مستمرة وباخراج أمريكي صهيوني أوروبي ذكي، وانتاج عربي متآمر، فهل بامكانننا أن نغير السيناريو؟