ليس دفاعا عن ايران

جادالله صفا ـ البرازيل

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1831)

شهد عقد السبعينات تحولات هامة بمنطقة الشرق الاوسط، خلقت واقعا جديدا على خارطة الصراع مع الكيان الصهيوني، حيث وقعت حكومة انور السادات بعد حرب اكتوبر اتفاقيات كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني مما اخرج جمهورية مصر العربية من دائرة الصراع. ولاول مرة بتاريخ الصراع مع هذا الكيان تقيم دولة عربية ومجاورة لهذا الكيان علاقات دبلوماسية معه بعد ان اعترفت بوجوده على جزء من الارض العربية، اما التحول الاخر فكان هو سقوط شاه ايران الذي كان يقيم علاقات استراتيجية مع هذا الكيان وانتصار الثورة الاسلامية بقيادة الخميني، وكان من اولى قرارات قيادة الثورة الاسلامية هو قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني واغلاق سفارة الكيان بطهران وفتح سفارة لفلسطين.

لقد مثلت مصر بعهد عبد الناصر قلعة حقيقية امام كل المحاولات الامبريالية الامريكية الرامية الى فرض هيمنه وسيطره على المنطقة العربية، وكانت هذه الحقبة قد شكلت بالفعل مرحلة نهوض قومي ووطني بكل المنطقة العربية، وجاء غياب عبد الناصر نكسة حقيقية للامة العربية، وادى هذا الغياب الى فتح ابواب الدول العربية امام الامبريالية العالمية والصهيونية لتمرير مخططاتهما الرامية لايجاد واقع عربي جديد يسمح به للهيمنة الامريكية الغربية والصهيونية ان تسود بالمنطقة، فكانت مراهنة السادات على الحل السلمي للصراع مع الكيان الصهيوني عاملا مساهما لاخراج مصر من دائرة الصراع مع هذا الكيان.

لقد تمكنت الادارة الامريكية والكيان الصهيوني من استغلال هذا الوضع الجديد في الشرق الاوسط وتجييره لصالح المشروع الامبريالي الصهيوني، فسارعت برفع وتيرة التناحرات الطائفية، حيث طغت على السطح حدة التناقضات والتناحرات والصراع بين النظام الجديد بايران والادارة الامريكية منذ اللحظات الاولى لانتصارها، حيث جمدت الادارة الامريكية الارصدة الايرانية ببنوكها ومصارفها، وقامت ايران بحجز موظفي السفارة الامريكية كرهائن، فامريكا وايران خطان متناحران ومتناقضان، هل هذه حقيقة يمكن ان نجزم بينهما؟ وهل العداء القائم بين ايران والادارة الامريكية قائم على اساس ديني؟ والتهديدات الامريكية لايران هل هي تهديدات جدية؟

السياسة الامريكية قائمة على التدخل بالشؤون الداخلية للدول، وممارسة سياسة الارهاب والعدوان، وهي سياسة قديمة تتجدد باستمرار، فعدوانها واعتداءاتها المستمرة على الدول والشعوب لا تعد ولا تحصى، فمنذ انهيار الشاه وانتصار الثورة الاسلامية بايران، واتخاذ موقف معادي منها من قبل الادارة الامريكية، وانتقال مصر من موقع العداء والمواجهة مع المخططات الامبريالية الصهيونية من خلال معاهدات الصلح واتفاقيات كامب ديفيد، الى خارج خط المواجهة، سمح للادارة الامريكية ان تعزز تواجدها بالمنطقة وتزيد من قواعدها العسكرية، وهي بالحقيقة تستخدم الاراضي العربية لاغراض عسكرية تخدم بالمحصلة مصالحها القائمة على استغلال الشعوب وسياستها العدوانية.

ان استخدام الاراضي العربية كقاعدة انطلاق عسكرية امريكية، تهدد دولا وشعوبا عدة بالمنطقة ودول الجوار او بالعالم، بدون اي شك تكون هذه الدول العربية مهددة واستقرارها ايضا مهدد من قبل تلك الدول، فامريكا لم تكن ولن تكون يوما من الايام صديقة، ولن تكون ابدا دولة حريصة على استقلال ووحدة هذه الدولة العربية او تلك، فالقواعد الامريكية الموجودة بالخليج العربي هي بالواقع قواعد تهدد استقلال واستقرار المنطقة باسرها، فما زلنا نشهد حتى اللحظة احتلال العراق وتدميره ونشر الارهاب والرعب على اراضيه تحت مبرارات وحجج غير مقنعه، فكانت دول الخليج قاعدة للعدوان على العراق، وتحالفا عربيا امريكيا تامريا على سلامة العراق ووحدة اراضيه، وان احتلال العراق والدور الامريكي لترتيب الوضع الداخلي العراقي على اساس طائفي الذي هو هدفا امريكا صهيونيا، هي الخطوة البدائية الاولى الرامية الى ترتيب المنطقة على اسس طائفية لن تسلم منها لا السعودية ولا مصر، والسودان مثالا اخرا مهدد استقراره واستقلاله وهو على الحدود الجنوبية لمصر كما هي السعودية على الحدود الجنوبية للعراق.

لم يكن الشاه يوما من الايام حريصا على وحدة الاراضي العربية واستقلالها واستقرارها، وكانت ايران بعهده دولة صديقة وحليفة لاسرائيل، وان خسارة امريكا لحليف كان يقع على الحدود الجنوبية للاتحاد السوفياتي خسارة كبيرة يجب تعويضها بالمنطقة، وكان توقيع مصر لاتفاقيات كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني وخروجه من دائرة الصراع والمواجهة مع هذا الكيان قد سمح للادارة الامريكية تعويض خسارتها وانتهاك حرمة الاراضي العربية لتكون قاعدة انطلاق وتهديد لكافة دول الجوار والمنطقة.

نعم ايران كانت دولة اغلب سكانها من الشيعية قبل انتصار الثورة الاسلامية بقيادة الخميني، ومنطقتنا العربية ليست خالية من الطائفية، والدور الايراني بعهد الشاه الذي كان يهدد حرمة واستقلال الدول العربية وشعوبها ما زال بالذاكرة، والاستيلاء على الجزر الثلاث وضم جزء من العراق لايران، حصلت بعهد الشاه، ولكن الغير مسموح به هو ان تنتهك امريكا حرمة الاراضي العربية وان تقيم قواعد عسكرية لتكون قاعدة انطلاق عدوانية، لان ايران بالتاكيد ستهدد الدول العربية واستقرارها ما دامت اراضيها مهددة من قبل القوات الامريكية، فامريكا ترفع راية العداء ضد ايران، مستخدمة كل الاسلحة السياسية والدبلوماسية لفرض حصارا عليها يكون مؤلما تعاقب بها شعب ايران وتهدد استقلاله وحريته، وتهدد ايضا بضربة عسكرية.

فاذا شعرت ايران ان استقلالها وسيادتها مهددة وان الاراضي العربية المجاورة هي الاراضي المرشحة لعدوان عليها، فبالتاكيد انها ستعمل على زعزعة استقرار هذه الدول، والتلويح بانها ستكون ايضا هدفا للرد اذا تم الاعتداء عليها انطلاقا من هذه الاراضي، كذلك اذا شعرت ايران انها دولة مهددة من الكيان الصهيوني، فهي بالتاكيد ستقيم تحالفاتها وستدعم اطرافا فلسطينية وعربية تحت مسميات التحالف والتصدي وغيرها من المسميات والمصطلحات، وتسليح هذه الاطراف وتمويلها لمواجهة اخطار تحدق بها وبمستقبلها واستقرارها وسيادتها واستقلالها، هكذا تبنى وتقام التحالفات، فما هو سر تحالف الثورة الفلسطينية مع الاتحاد السوفياتي الذي صوت الى جانب اقامة الكيان الصهيوني على الارض الفلسطينية؟ الم يكن السلاح الفلسطيني اغلبه سلاح سوفياتي؟ وهل نحن كفلسطينين نسعى الى حل شامل وعادل ام الى حل انفرادي يسمح للكيان الصهيوني بفرض شروطه وسيطرته وهيمنته؟

الخلاصة التي اريد الوصول اليها هو ان تعود مصر الى خط المواجهة من اجل الدفاع عن استقلال وسيادة الدول العربية، وتاخذ دورها القيادي وتؤكد على انتمائها الوطني والقومي، للتخلص من القواعد الامريكية والتصدي لكل محاولات التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية من قبل الغرب والامبريالية، والتحرر من القيود التي تفرضها المساعدات الغربية والامريكية عليها، لتكون مصر العربية الوطنية والقومية التي عرفناها بالخمسينات والستينات، وما زال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 مثالا بالاذهان عندما اعلنت مصر سيادتها على قناة السويس من خلال تاميمها، فالخطر الذي نواجهه وتواجهه امتنا العربية هو الخطر الامبريالي الصهيوني، الذي يهدد مستقبلنا وامالنا وطموحاتنا واستقلالنا وسيادة دولنا، فمصر هي دولة مستهدفة واستقراها مهدد وسيادتها ناقصة، فاذا كانت ايران دولة اقليمية لماذا لن تكون مصر ايضا دولة لها نفوذها الدولي ومقررة بسياسات دولية خاصة بمنطقة الشرق الاوسط؟

نعم، تطمح شعوبنا العربية الى دور ايجابي لمصر للدفاع عن الحقوق العربية وسيادة واستقلال دولها، ولكن ما زالت مصر مقيدة باتفاقيات كامب ديفيد المذلة والمهينة، وبهذه الحالة ستبقى مصر خارج دائرة الصراع، وستسمح مصر لان تكون المنطقة العربية ساحة المواجهة بين القوى العظمى، فهل ستعود مصر الى الصف الوطني ام ستواصل مسيرة الهزيمة والاستسلام؟