مصارف الأرصدة الهالكة والمسمومة!

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1832)

يحتاج الإنسان غالباً إلى المقارنة والقياس كي يحدّد حجم أو أهمية ما يحتاج إلى تحديد، وبصدد الأرصدة المالية الهالكة أو المسمومة في المصارف الدولية العملاقة، خاصة الأميركية (الهالكة والمسمومة بسبب العجز عن السداد أو التبديد الغامض أو مصادر التوظيف غير الشرعية) فإننا لن نعرف مقدار ضخامتها وخطورتها إذا لم نجر، على سبيل المثال، مقارنة بين حجم الأرصدة المالية الهالكة والمسمومة التي في حوزة محتالين اثنين أميركيين هما برنارد مادوف وألان ستانفورد، والتي هي إجمالاً في حدود 200 مليار دولار، وبين خطة دعم النمو في أوروبا التي أقرتها الحكومات الأوروبية ورصدت لها 200 مليار يورو!

لقد أثنت دول منطقة اليورو على المساهمة الألمانية في خطة النمو الأوروبية بمبلغ 81 مليار يورو، بينما نرى مادوف لوحده وقد استولى احتيالاً على 50 مليار دولار من أرصدة مودعيه، ونرى ستانفورد، شريكه غير المعلن، وقد استولى على ثمانية مليارات، لتبقى عشرات المليارات الأخرى، التي في عهدة الرجلين، مجهولة المصير!

وجدير بالذكر هنا، كمثال آخر لا يقلّ أهمية، أنّ القمة المالية الأوروبية المصغّرة، التي انعقدت في برلين يوم 22/2/2009، بحثت زيادة رأس مال صندوق النقد الدولي لتمكينه من القيام بمهام دعم الدول المتعثّرة، حيث الصندوق قادر حالياً على تحريك 200 مليار دولار، وينبغي ومن الممكن مضاعفة المبلغ تقريباً!

هذه هي الأرقام المالية التي أوردتها الحكومات الأوروبية بصدد دعم النمو الأوروبي ودعم صندوق النقد الدولي، ولنقارنها الآن فقط بالأرقام المالية التي استولى عليها رجلان اثنان، مادوف وستانفورد، كانت في حوزتهما كودائع مصرفية من جهة، وشبه مصرفية، أي استثمارية (تشغيل أموال) من جهة أخرى!

عمليّات الاحتيال المحكمة مقبولة ومطلوبة!

غير أنّ قصة مادوف وستانفورد وأمثالهما من الأفراد لا تختلف في جوهرها ونتائجها عن قصة مصارف عملاقة، أميركية وأوروبية، حيث انكشفت هذه المصارف بدورها عن أرصدة هالكة وأرصدة مسمومة، لكنّها عوملت من قبل الحكومة كهيئات عامة ومؤسسات محترمة، أي أنّ “عجزها” اعتبر مفهوماً إن لم يكن مبرّراً! وهكذا يجري العمل اليوم على أعلى المستويات الحكومية الأميركية لإقالة مصرف ” سيتي غروب” و”بنك أوف أميركا” من “عثرتهما”، وذلك سوف يتمّ بالتأكيد على حساب دافعي الضرائب الأميركيين!

إنّ هذا النظام المالي الربوي الدولي، الذي رفعته الحقبة الريغانية/التاتشرية في ثمانينات القرن الماضي إلى موقع القيادة الدولية المتفرّدة، لا يعترض على عمليات الاحتيال إذا كانت محكمة بحيث يستحيل الإمساك بها، بل هو يشجعها في الواقع، ويوفّر لها المناخات الملائمة، باعتبارها من دعائم الحرّية كما يفهمها، وعندما أصبح لا بدّ من تدخّل الدولة، وأفرادها بالطبع ليسوا بعيدين عن خفايا عمليات الاحتيال المصرفية الكبرى، قال محامي الاستثمارات المالية روجين كوهين لصحيفة “فاينانشال تايمز” ما يلي: “تبدو أية إجراءات حكومية أميركية لمساندة المصارف المريضة كأنّها بداية تأميم جزئي، لأنّ كلّ دعم حكومي يكون عبر شراء حصة في المصرف وزيادة دور الدولة فيه، وهذا يعني أنّ أسهم المصرف تصبح أقلّ جاذبية للمستثمرين”! هل ثمّة أوضح من هذا الكلام الذي يشير إلى ضرورة بقاء أبواب الاحتيال مفتوحة على مصاريعها؟ أي أنّ على الحكومة الأميركية، أو غيرها من حكومات الربا الدولي، تأميم بعض المصارف مؤقتاً، حتى تهدأ الأسواق، ثمّ تعيد طرحها للبيع! وهذا بالضبط ما صرّح به ألان غريسبان الرئيس السابق لمجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي! أي أنّ على الحكومة العمل على تجاوز عمليات الاحتيال المخفقة، بتهدئة الأسواق على حساب المواطن العام، ومن ثمّ إعادة الأوضاع إلى أفضل مما كانت عليه لصالح عمليات احتيال أكثر إحكاماً وامتناعاً على الانكشاف!

انهيار أعمدة هيكل الليبرالية الجديدة!

يرى رجال المال والأعمال الليبراليون أنّ التأميم الجزئي أو الكلّي يعني في النهاية أنّ الإدارة المالية (الحكومية أو شبه الحكومية) ستكون مسؤولة عن الالتزامات الإيجابية والسلبية للمصرف، فالمصرف سيصبح قادراً على ضخّ أيّة مبالغ في أيّة عملية استثمارية يريدها، أي قادراً على المنافسة والاستحواز الكبير خلافاً لغيره من المصارف الخاصة، وبما أنّ التأميم الجزئي في أميركا سيمهّد لإجراءات مماثلة في أوروبا، فإنّ ذلك سوف يعني سلسلة من الضوابط الحكومية على العمل المصرفي في العالم قد تحدّ من اقتصاد السوق الذي اتسع رسمياً منذ الثمانينات، والذي أصبح منهجاً وخريطة طريق في الأسواق الناشئة (أنظر صحيفة “الحياة” – 22/2 – مقالة رفله خرباطي).

لقد انطلقت الليبرالية الجديدة من الولايات المتحدة وبريطانيا، في ثمانينات القرن الماضي، لتجعل من مؤسسات المال المنفلتة، خاصة في أميركا، مراكز إمبراطورية لا سلطان لأحد عليها بل تخضع لها جميع السلطات في العالم، وهاهم الليبراليون اليوم ينظرون بقلق إلى احتمال انهيار 171 مصرفاً أميركياً مهدّداً بالسقوط هذا العام (2009) وإلى الاحتمالات القوية لتدخّل الحكومات، خصوصاً حكومات الاتحاد الأوروبي، بالتأميم الجزئي أو الكلّي، وبالتدخّل في مسارات قطاعات الاقتصاد والمال والتعليم والرعاية الصحية، تماماً بعكس اتجاهات الليبرالية الجديدة، التي انهارت تحصيناتها المالية العالمية كما يقول ميشال مرقص، وسقطت أعمدة هيكلها بعد أن خسرت البورصات أكثر من 40 في المائة من قيمتها!

ns_shamali@yahoo.com