الحزب الشيوعي العراقي: من الافلاس السياسي الى الافلاس الانتخابي!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1834)

ـ عندما يفلس التاجر، يقلب دفاتره القديمة ـ هذا هو حال حزب حميد مفيد في عراق اليوم، فقيادة هذا الحزب تعتاش على سمعة الماضي وعلى ديونه التي يبدو انها استنفذت ولم تعد كافية لتعويض الافلاس الحاضر!

اما بالنسبة للمثل اعلاه فهو شائع بين العديد من ابناء شعوب المنطقة، ويقال بطرق مختلفة، مثلا عندنا في العراق يقال : ” عندما يفلس اليهودي يقلب دفاتره القديمة ” عسى وعلى ان يجد فيها دينا قديما يستعين به، ربما ارادوا منه ايضا الاشارة الى اهمية عامل التعويض وان كان وهما ضالته في الماضي او في الاحلام، وعليه وضعوا الدفاتر كرمز لسجلات وحسابات الماضي، ربما يتذكر امجاد الامس عسى ان ترفع من اسهم معنوياته المنهارة، بحيث لا تجعله يفكر بالانتحار مثلا، بعد ان بارت تجارته،، وربما هو اشارة ايضا الى انه يبحث في ماضيه عن اسباب حاضره، او يحاول استعراض ماضيه كجزء من عملية المتاجرة التي يبتغي بها تحسين وضعه، بالاستدانة من المقتدرين مثلا بكفالة ماضيه!

اعتقد ان هذا المثل لا ينطبق اليوم فقط على التاجر، فأيا كان من اصحاب المهن عندما يتعرض الى فشل غير طاريء في صميم عمله، فانه حتما سيراجع نفسه وسيراجع حساباته وعلاقاته وما له وعليه فيها، ليعالج الاسباب عن دراية ومعرفة، وهكذا الحال بالنسبة للافراد والجماعات، وشؤون حياتهم العامة، بما فيها السياسة، والاحزاب، والتحزب، والانتخابات، والخسارة والربح والافلاس وارقام القياس، ومؤشرات الاحساس وانعدامه بالناس، وما العمل عندما يقع الفاس بالراس؟

شاهد الموضوع هو واقع حال النخب السياسية العراقية المثير للشفقة، وخاصة واقع حالة قيادة الحزب الشيوعي العراقي، كونه عينة حية على افلاس الحاضر رغم تشبثها بدعوى وراثتها لماضي تليد، غني عريق، متناسية انه قد سُوف جله، ما بين عقوق، وانتقائية، وانتهازية، وانبطاحية، وخواء، حتى تحول الشيوعي عندها الى نمط عشائري، اي ان الشيوعية في عهدها تخلقت بحالة التقهقر في محيطها ـ عشائريا وطائفيا وعرقيا ـ وانساقت الى حيث يساق المحيط، وليس كما كان الحال ايام كانت الشيوعية اختراق لكل بال ومتخلف وداعية لكل جديد ومشرف، فعندما تقول شيوعي الان لا تقصد به ذاك الرائد والطليعي فكرا وممارسة طبقيا ووطنيا وامميا، وانما هو احد منتسبي عشيرة مستحدثة لها شيخ ومجلس للحل والعقد، ولها افخاذ من بيوتات وافراد يسهل على زعيم كل فخذ فيها معرفتهم واحدا واحدا، وبالاسماء والانساب، اما التزكيات فهي لم تعد كما كانت بتقصي تاريخ المتقدم للانتساب، بل صارت كفالات بنكنوتية مغلفة بالولاء للشيخ وطريقته ومجلسه واحكامه، اما مقرات العشيرة فهي مرابعها حيث لا مرابع غيرها، وبما ان عشيرة الشيوعية لا تستطيع حتى مجاراة اصغر العشائر ـ الاصيلة ـ فانها لا تجد لنفسها مطرحا غير ذيل القائمة ـ الخانة الخلفية ـ والتي تتتصدرها كالعادة عشائر تصول وتجول في مرابعها ـ كالامية والزبيدية والربيعية والجبورية والساعدية والجنابية والوائلية والعنزية والشمرية والمالكية والطالبانية والبرزانية ـ !

لقداخذت قيادة الحزب بنظام تزاوج المحاصصات الداخلي ليعادل ـ كصة بكصة ـ نظام المحاصصات الخارجي، حتى يتكاثر منتسبيها على حسبة النسب الجديدة، وهي منفتحة كالعشائر الاخرى على الاحلاف والتوسع، ولكنها وبسبب قلة خبرتها بالمشروع العشائري ايضا، وضعف صيرورتها وضحالة امكانياتها لحماية من ينتسب لها ـ يذب جرش معها ـ فانها تعاني عشائريا ايضا من انحسار ودونية وتمييز بسبب من قلة اعداد منتسبيها، لان الانتساب للعشائر الكبيرة والقوية هو الاضمن لكل باحث عن ضمان عشائري، ناهيك عن العدة حيث لا راية خفاقة ولا افق ولا رأي سديد ولا خيالة او هجانة تحمي مرابع العشيرة الشيوعية، عشيرة ـ حميد مفيد ـ !

لقد انفرط العقد وضاعت حباته تماما منذ ان انخراط الحزب تحت خيمة المؤتمر الوطني العراقي بقيادة احمد الجلبي وبتنسيق كامل وشامل مع الطالباني والبرزاني، وبعد ان فرخ الحزب الشيوعي العراقي حزبا شيوعيا كردستانيا مفصولا عن الحزب الشيوعي العراقي، وهاتان العلامتان تشكلان انحرفا بنيويا في مسلسل الانحدار الى مستنقع السماسرة، فجرى شفط النسغ الشيوعي واستبداله بماء مغذى بالفيتامينات الليبرالية، وليست اي ليبرالية، انها الليبرالية المتصهينة، وعبر وسطاء كثر، نعم كان تقسيم الحزب عنصريا هو اول الغيث في مسلسل التفصيص الجاري الان على قدم وساق تماهيا مع رغبات القادة العشائريين المتحكمين في شمال العراق وبعدها انهالات الاهلة، في دخول قيادة الحزب الكوتا الشيعية ضمن نظام المحاصصة الطائفية والعنصرية في مجلس الحكم البغيض ووزارته، وقبلها دخولها في احضان المشروع الامريكي لغزو العراق ـ زيارات خاصة ولقاءات وتنسيقات مباشرة وغير مباشرة كشف عن بعضها السيد محمود عثمان القيادي المخضرم في التحالف الكردستاني، في معرض دفاعه عن ضرورات التنسيق مع الامريكان قبل غزوهم للعراق، حيث قال : لا احد من كل الموجودين في مجلس الحكم يستطيع ان ينفي تعاونه مع الامريكان قبل دخولهم العراق من عجيل الياور الى حميد موسى.. ثم وفي سياق حديثه عن زياراته المكوكية لواشنطن والاتفاق على تشكيل مكتب متابعة في شمال العراق قال انه التقى في البنتاغون مع حميد مجيد حيث كان ينتظر دوره بالدخول!

كتاب بول بريمر عامي في العراق يتابع سرد البقية، وهو شهادة شاهد من كبار اهلها، والاهم من هذا وذاك، لنطالع مواقف قيادة الحزب خلال الستة اعوام الماضية، هل فيها شيء ينفي عنها الانغماس في المشاركة وعن طيب خاطر من قبل الغزو وبعده؟

هل وجدتم موقفا واحدا حقيقيا وواضحا يدين ويناهض الاحتلال الامريكي؟

هل وجدتم ادانة صريحة وعلنية وفعلية للممارسات الطائفية للاحزاب الاسلامية الحاكمة؟ هل وجدتم ادانة واستنكار واستهجان مقرونة بافعال للممارسات الخاطئة والعنصرية لحزبي الطالباني والبرزاني بحق ابناء شعبنا العراقي بعربه وكرده وتركمانه ومسيحييه وشبكه ويزيدييه؟

هل وجدتم ادانة واضحة لحكومة علاوي وفسادها ايام حكمها؟

هل