قمة الرياض وحوار القاهرة… واقعية المختلفين وتكاذب النقيضَين!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1834)

حسناً فعل عرب قمة الرياض. إن عزّ التوافق أو لم يكن متاحاً، فليكن الإتفاق على حسن إدارة الخلاف. هنا واقعية ربما لم نعتدها، تعكس واقعاً نعرفه وتعترف بحال لا نجهلها. بيانهم الختامي أراحنا من الإنشغال كثيراً بما قد تتمخض عنه قمة الدوحة لاحقاً، ورسم لنا حدوداً لسقفٍ لها كنا سنخضعه لتوقعاتنا المتباينة و تكهناتنا المختلفة أو ما سيعلقه البعض منا عليها… وأيضاً، حتى للمراهنين منا على حوار القاهرة.

هنا العلاقة بين القمة المصغرة الساعية للتصالح في الرياض، أو تجنّب تداعيات الفرقة في القمة الكبيرة المقتربة في الدوحة، وحوار مصالحة المختلفين في القاهرة علاقة جدلية، أو هي علاقة العام بالخاص والأصل بالفرع، أو الحال العربي بالفلسطيني، أو كما يقول المثل الشعبي، الحال من بعضه.

العرب كما نعلم هم عرَبان، والفلسطينيون كما لا نجهل هم فلسطينيان. يجمعهم ويفرقهم هنا اختلاف الرؤية البائن لطبيعة الصراع في بلادنا. وبالتالي، اختلاف الموقف المعروفة من مستحقاته… إذن، أين المفاجئ أو اللا متوقع في كلٍ من حدثي القاهرة والرياض؟!

في الرياض ظلت الأطراف في مواقعها فلم تتغير الرؤى والمواقف والأجندات، وحيث حاول كلٍ من “المعتدل” و”الممانع” سحب مقابله باتجاهه، لم يجدا، وقد ظل كلٍ حيث هو، بداً من الكف عن المحاولة غير المجدية، والقناعة بالتعايش بديلاً لا بد منه للتخفيف من خسائر الفرقة المزمنة… لعل في هذا ما يشير إلى ما ستسفر عنه قمة الدوحة إن لم يطرأ ما ليس في الحسبان!

أما في القاهرة، فالوزير عمر سليمان و مساعدوه من ضباط الإستخبارات الموكلون بالإشراف المباشر على لجان الحوار الخمس، ومعهم الوزير أبو الغيط، وعن بعد الأمين العام للجامعة العربية عمر موسى، فيسابقون الزمن حتى لا تداهمهم قمة الدوحة دون نتيجة مبتغاة لحوار الإختلافات و مصالحة المختلفين… مع فارق:

أنه وإن عم التفاؤل، أو عمم، قبيل القمة وعند بدء الحوار، و كان في الأولى مرغوباً، وفي الثاني مستوجباً، أو ممنوع عدمه، فإن الواقعية في الرياض خفّفت و لو قليلاً من خيبة المتفائل وتشاؤم المتشائم. أما في الحوار، فهنا حكاية أخرى… إنه المفترض أنه للوصول إلى مصالحة يريدها الجميع لكنها لا تستقيم بدون وحدة وطنية، وهذه تستحيل في ظل إنعدام وجود برنامج حد أدنى وطني متفق عليه، الأمر الذي يصعب تصوره ونحن إزاء نهجين ومنطقين وبرنامجين لا يوجد عاقل يتخيل أن جامعاً يجمعهما… واحدهما يعتبر الرباعية والإتفاقات الأوسلوية وخيار التفاوض مرجعيته التي لا بديل عنها ويتمسك بها، ولآخر يعلن أن لا بديل عن المقاومة أو ما هو النقيض تماماً لمرجعية الأول. هنا يغدو التفاؤل المفتعل المرافق الذي يشاع على هامش حوار مصالحة المختلفين نوعاً من التكاذب و المراوغة و تقطيع الوقت، أو اللعب في الوقت الضائع بالنسبة لكلا طرفيه… المقاوم والمساوم. وهذا تفرضه على الأول مسايرة الظرف الزماني والمكاني، أو كما قلنا في مقال سابق، نوع من ممارسة للتقية، وما تستوجبه مرحلة ما بعد محرقة غزة من استحقاقات، ويتطلبه المزاج الوطني العاام الداعي للمصالحة، والضغوط العربية التي يتكفل بها الراعي والتي يواجهها… أما الثاني فاقتناص الفرصة السانحة لإعادة الروح لنهجه المتهتك، والاستقواء بضغوط الضاغطين لاستعادة زمام المبادرة، وانحياز المنحازين لخياراته لفرضها والخروج من أزمته القاتلة التي فاقمها حصاد هذه الخيارات المر، وصمود غزة الأسطوري، وفي سياق مسعاه لإعادة الروح لبرنامجه الذي لم يغادره ولا ينوي ذلك.

الجميع هنا يريد المصالحة التي لا تتوفر شروطها، والراعي يصرّ على فرضها وفق سقفٍ يريده، بل قرره، لها، وزمن حدده للإحتفال بإنجاز يريد حمله في جيبه إلى الدوحة، ويستوفي به المطلوب منه دولياً… هل نتجنّى على أحد؟

من ضمن ما دعيت المحددات التي يستوجب على المحاورين الإلتزام بها، أو أهمها، “الإتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية”، بلغة أخرى، الاعتراف بإسرائيل… أوليس في هذا ما يعني مطالبة المقاوم الإنتقال إلى موقع المساوم؟!

وفي كلمة الإفتتاح الحواري عبر الوزير عمر سليمان رئيس الاستخبارات المصرية عن أهم المطلوب من المتحاورين، وهو التوافق فيما بينهم على “حكومة فلسطينية توافقية غير فصائلية”، ولعل هذا يعد وفق سير الحوار أمر ليس صعباً، لكنما توصيفه لهذه الحكومة المطلوبة بأنها “قادرة على التواصل مع العالم لخدمة قضايا رفع الحصار والإنتخابات وإعادة الإعمار” ما يجعلها تنسجم مع ما تتطلبه مرجعية الرباعية ويتفق مع نهج رام الله. بل إن الوزير راعي الحوار أوضح بجلاء أن مؤتمر شرم الشيخ تحديداً قد وضع سقفاً ورسم خارطة للمصالحة العتيدة عبر تشكيل مثل هذه الحكومة، ولا يبدو أنه إذا ما تحقق هذا أن يغدو ما تسعى باقي اللجان لحله ملحاً لأن “الوقت محدود، عليناً أن ننهي ما هو متاح ونؤجل ما هو مستعصي”!

هذا يجعل توافق “السلة الواحدة”، المعلنة بداية سلالاً، فالمهم، كما يقول الوزير أبو الغيط، هو التوافق على “ما يمكن البناء عليه للتقدم في القضايا الأخرى… واستئناف العملية السلمية”… أي حكومة تسيير أعمال و”إعادة إعمار” لا إعادة بناء منظمة… حكومة تترك السياسة للمنظمة والمنظمة على حالها إلى يوم أن يحين التوافق على إعادة بناءها، هذا الذي هو لصعوبته برسم التأجيل، ومرجعيتها، و نعني الحكومة، الرباعية… هل هذا ما تقوى حماس ومن معها في فريق المقاومة على قبوله؟!

نشك في هذا… لقد شاب دخان التفاؤل الزائد، الذي رافق تكاذباً سير الحوار وكان الأقرب إلى تواطؤ كافة أطرافه ورعاتهم على بثه، تسريبات لم تلبث وأن ارتفعت وتيرتها إلى التصريحات التي تخبرنا أنه رغم تحذير أو وعيد الوزيرين الراعيين أبو الغيط وسليمان: “أنتم تعلون عواقب الفشل”! بأنه لا اتفاق بعد حول الحكومة العتيدة ولا الإنتخابات، ولا قانونها النسبي، ولا المنظمة، وعاد المتحاورون إلى حكاية “احترام الإتفاقيات” أم “الإلتزام بها”، وأخيراً لا توافق لا على شكل الحكومة ولا على طبيعتها… إذن، على ماذا توافقوا حتى الآن؟!

على ما توصلت إليه لجنة المصالحة، و”ميثاق الشرف”، وهذا يضاف إلى كل ما قلنا أنه لن يكون بدون وحدة وطنية، وهذه لا تكون بلا برنامج حد أدنى وطني… أي أنه لا مصالحة حقيقية أو تدوم بدون التوافق حول إعادة بناء المنظمة، وهذا ضرب من العبث دون إعادة الاعتبار إلى ميثاقها الأصيل… المنظمة أولاً!

… وبانتظار الدوحة، واقعية الرياض أسفرت عن حسن إدارة الخلافات المزمنة والباقية لا أكثر، فهل تنجح ضغوط القاهرة في ضبط خلافات الحوارات المستوجبة، وإن فعلت، وتوج عمر سليمان وضباطه جهوده باحتفالية قاهرية من نوع ما، يظل السؤال الفلسطيني، وقبله العربي: وهل حقاً يمكن الجمع بين طرفي العربين والفلسطينيين… بين طرفي كلٍ من هذين الاثنين اللذين لا تجمعهما وحدة الرؤية لطبيعة الصراع في بلادهم، وبالتالي تفرقهم حتماً المواقف النقيضة موضوعياً من استحقاقاته!