الحزب الشيوعي العراقي: من إستلام السلطة الى إستعادة الهوية الوطنية

إنتقال الصراع التاريخي في الحزب الشيوعي العراقي من قضية استلام السلطة الى صراع من أجل استعادة الهوية الوطنية للحزب وتاريخه الطبقي والوطني

صباح زيارة الموسوي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1836)

ملاحظة من “كنعان”

ترحب “كنعان” بكافة المساهمات التي تعالج الاوضاع في العراق المحتل، وبشكل خاص قضايا وإشكاليات اليسار العراقي ودوره في النضال الوطني والقومي، سعياً وراء إثراء الحوار وفي سبيل فهم أفضل للحالة العراقية بشكل عام واليسار العراقي بشكل خاص.

ومن هنا رأينا أهمية هذه المقالة والقضايا التي تثيرها. ويظل الاهم، بالرغم من بعض التفاصيل الواردة في المقالة، هو التركيز على الجوانب الاساسية وحيثيات الوضع العراقي بما يخدم قضية اليسار المقاوم في العراق.

“كنعان”

* * *

لم يتعرض الحزب الشيوعي العراقي طيلة تأريخ الصراعات فيه الى ما يتعرض له اليوم من انحسار لدوره الطبقي والوطني على حد سواء. فقد اتسمت جميع الصراعات وحتى الانشقاقات السابقة للاحتلال الامريكي لبلادنا، بسمة اساسية طبعت بطابعها صورة الصراع الداخلي في الحزب تتمثل بالصراع على اولوية جوهرية هي اسقاط الانظمة العميلة للاستعمار البريطاني حتى قيام ثورة 14 تموز 1958 الخالدة، والخلاف على اسلوب التصدي للانظمة الدكتاتورية في المرحلة الوطنية بعد الاستقلال وهدف استلام السلطة حد وصول الخلاف الى اسلوب الاطاحة بالحكم العارفي ( الانتفاضة الشعبية المسلحة أم الانقلاب العسكري). ولم ينخفض سقف قضايا الخلاف جوهريا في مرحلة السبعينيات، اذ تمحور على رفض فكرة طريق التطور اللاراسمالي واستراتيجية التحالف مع القوى البرجوازية الصغيرة المتمثلة بحزب البعث والذي تمخض على انتصار الخط اليميني الانتهازي في الحزب بدعم السوفييت والنظام البعثي معا، بعقد التحالف الذيلي في تموز 1973 وآثاره المدمرة على جماهيرية الحزب وصلت حد حل تنظيمه العسكري والمنظمات المهنية والديمقراطية ( اتحاد الطلبة العام – اتحاد الشبيبة – رابطة المرأة العراقية)، وهو خلاف يمثل امتدادا للصراع الذي احتدم في صفوف الحزب الشيوعي العراقي اثر انقلاب 8 شباط 1963 البعثي الفاشي وتصفية مكتسبات ثورة 14 تموز 1958 وفقدان الحزب الشيوعي لقيادته التاريخية الثانية ممثلة بالرفيق الشهيد سلام عادل ورفاقه الابطال، هذا الصراع المتمثل بتصدي القاعدة والكوادر وعدد من القيادات لخط آب 1964 الخروشوفي التصفوي القاضي بحل الحزب الشيوعي العراقي في حزب عارف الرجعي، صراع تواصل حتى انتفاضة الاهوار المسلحة واستشهاد قادتها وفي المقدمة منهم الشهيد الخالد خالد احمد زكي وقيام المخابرات الامريكية بعملية تسليم البعث السلطة للمرة الثانية في 17 تموز 1968. فجوهر قضايا الخلاف ظل في اطار وسقف استراتيجية استلام السلطة، صراع حول اساليب الكفاح من اجل استلام السلطة، صراع فكري حول طريق التطور الاجتماعي للوصول الى الاشتراكية.

ولم ينخفض سقف القضايا الحزبية والوطنية موضع الصراع اللاحق للفترة ( 1979- 2003)، اي لما يقارب ربع قرن من الزمان فقد تمحور فكريا وتنظيميا، طبقيا ووطنيا على المحاور التالية:

المحور الاول:مطالبة القاعدة الحزبية والكوادر بعقد مؤتمر وطني استثنائي لتقييم فترة 1968- 1979 ومحاسبة العناصر القيادية المسؤولة عن سياسة التحالف الذيلي مع البعث.

المحور الثاني:رسم سياسة الحزب الجديدة الهادفة الى اسقاط النظام البعثي الفاشي بأستخدام كافة أساليب النضال وفي المقدمة منها اسلوب الكفاح المسلح، ورفض مناورات قيادة عزيز محمد الانتهازية الهادفة الى امتصاص انتفاضة القاعدة الحزبية برفعها شعار يبقي على الطريق مفتوحا لعودة الحزب الشيوعي العراقي الى التحالف الذيلي حينما رفعت هذه القيادة شعار – انهاء الدكتاتورية – بدلا من رفع شعار القاعدة الحزبية – اسقاط النظام البعثي الفاشي -.

المحور الثالث:الموقف من الحرب العداونية التي شنها النظام البعثي الفاشي بالنيابة عن الامبريالية الامريكية والانظمة الخليجية المتخلفة وعموم النظام العربي الرجعي بهدف حرف الثورة الايرانية عن مسار تطورها التقدمي، الموقف من الحرب بعد تحولها الى حرب توسعية من جانب النظام الايراني وانقسام قيادة عزيز محمد الى اتجاهين:

ـ احدهما يدعوا للعودة الى احضان النظام البعثي الفاشي تحت – شعار الدفاع عن الوطن-

ـ والاخر التعويل على العدوان الايراني في اضعاف النظام ومن ثم اسقاطه.

المحور الرابع:مواجهة القاعدة لنتائج المؤتمر الرابع 1985 والذي حول الصراع في الحزب الشيوعي العراقي الى صراع أثني حيث حمل اعضاء القيادة من العرب مسؤولية السياسة الخاطئة ( 1968 – 1979) وكوفأت العناصر الكردية اليمينية وعلى راسها سكرتير الحزب عزيز محمد ليس بحفاظها على مواقعها القيادية فحسب، بل توصل المؤتمر الخامس الى قرار فصل منظمة اقليم كردستان عن جسد الحزب الطبقي والوطني والاممي على اساس عرقي وتحويلها الى حزب شيوعي كردستاني تابع تبعية مطلقة للقيادة الاقطاعية البارزانية – الطالبانية.

المحور الخامس:رفض القاعدة الحزبية لسياسة فرض الحصار الدولي على الشعب العراقي بعد ان دار النظام البعثي الفاشي على حلفاء الامس امارات الخليج وبضوء امريكي باحتلاله امارة الكويت، فقد رفضت القاعدة والكوادر الحزبية موقف القيادة الانتهازية القاضي بمواصة فرض الحصار على العراق بحجة اضعافه للنظام وتسهيل اسقاطه.

المحور السادس:رفض القاعدة والكوادر الحزبية للسياسة الذيلية القديمة الجديدة في التحالفات مع القوى الاقطاعية الكردية والقوى الدينية الرجعية بعد انتهاء حركة الكفاح المسلح في 1989، بأعتبارها سياسة تعود الى الجذور التصفوية التي تسببت في قطع طريق تطوير ثورة 14 تموز 1958 من ثورة وطنية الى ثورة وطنية ديمقراطية بقيادة الحزب الشيوعي العراقي، وعليه فقدت تصدت القاعدة والكوادر الحزبية لسياسة التبعية وطالبت بأن يلعب الحزب الشيوعي العراقي، بأعتباره حزب الطبقة العاملة العراقية والفلاحين.. حزب الشعب العراقي، دوره الكفاحي المستقل من اجل الاطاحة بالنظام البعثي الفاشي واقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية، وان تخضع جميع تحالفات الحزب لهذه القاعدة الثورية.

لقد اختارت زمرة عزيز محمد ولاحقا خليفته زمرة حميد طريق الذيلية والتبعية للقيادة الاقطاعية الكردية اوصلتها الى حد الخيانة الوطنية بعقود تخادمية بين عناصرها والمخابرات المركزية الامريكية حد انبطاحها تحت جزمة المحتل الامريكي، فكان دخولها العراق بعد سقوط الفاشية واحتلال الوطن ضمن صفقة عملاء الاحتلال، لينتقل الصراع في الحزب الشيوعي العراقي ولأول مرة في تاريخ الحزب من صراع فكري وتنظيمي الى صراع بين القاعدة والكوادر الحزبية من جهة وزمرة حميد مجيد الخائنة، صراع على الهوية الوطنية للحزب وتاريخه الطبقي والوطني، فأنتقل الصراع بعد الاحتلال الى صراع انقاذ الحزب الشيوعي العراقي من مخالب اللصوصية الامبريالية ممثلة بخونة الحزب والشعب والوطن، فاستعادة الحزب اسما وتنظيما واجب وطني قبل ان يكون واجبا حزبيا.

اما السؤال الراهن اليوم فهو:

هل يستمر رفاق الوطن في الهرولة خلف الاحداث وهل يستمر رفاق المنفى توسد الانترنيت؟

أم نتقدم الى أمام بتشكيل القيادة المشتركة لفصائل اليسار العراقي؟

لقد وجدت من المفيد الاجابة على هذا السؤال عبر مناقشة مقالة لرفيق كادر من الوطن طرح افكارا هامة تشكل في محصلتها اجابة على هذا السؤال الموجه بنفس الوقت لرفاق اليسار الثوري داخل الوطن وفي المنافي.. ادناه الافكار الجوهرية للرفيق علي العبود ومناقشتي لها في أطار محاولة الاجابة على نفس السؤال.

الرفيق العزيز علي العبود

تحية شيوعية واخرى عراقية خالصة

جاء تناولك للحالة الحنبلية لجماعة حميد مجيد في اطار تاريخي وراهن لمدرسة انتهازية واحدة.. أسمح لي ايها الرفيق العزيز ان اسجل تعليقي متداخلا مع ما ورد في مقالتك الدقيقة باستشهادات من الاراء الواردة فيها < الاستشهادات محصورة بين مزدوجين> وفق التبويب التالي

المسألة الاولى:< فإني اذّكر بعض الاساتذة في اللجنة المركزية / الحزب الشيوعي العراقي والاستاذ حميد مجيد موسى عندما كنا حاضرين في كونفرنس طلابية بغداد عام 1976 التي انتخبت ممثليها الى المؤتمر الثالث عندما ادليت بطريقة تفكيري في ذلك الوقت وكان رقمي (6) في الكونفرنس وقلت بارجحية الحل المسلح لانجاز الثورة الوطنية وليس كما مطروح في البرنامج حيث الحل السلمي وامتعض حينها الاستاذ عبد الرزاق الصافي حيث كان مشرفاً من المكتب السياسي وبعد المؤتمر بسنتين سارت الامورباتجاه القمع الوحشي>

رفيقي العزيز

لقد كنت من بين حضور هذا الاجتماع جنبا الى جنب مع الرفيقين الشهيدين علي جبار سلمان ومنعم ثاني ورفاق اخرين واتذكر جيدا ورطة عبد الرزاق الصافي في مواجهة الطروحات الجريئة للكوادر الطلابية.. وبعد الموتمر بسنتين شنت الحملة البعثية الفاشية، فأختير افشل عنصر في قيادة الطلابية بتسفيره الى براغ ليعيث وعلى مدى ربع قرن من الزمان بالعمل الطلابي خارج الوطن فسادا.. تصور كادر طلابي فاشل تنظيميا يتربع ربع قرن على كرسي اتحاد الطلبة في منافسة للدكتاتور صدام نفسه الذي لم يتخلى عن كرسيه الا بالحفرة والشنق… مما حول الجمعيات في الخارج الى مسرح للفساد والشللية والنفاق والانتهازية.. الخ القائمة

الثانية::< واذا سألت حنابلتهم اين هي قيادتكم من محنتنا في الداخل منذ عام 1978 وحتى عام 2003 عندما حافظنا على نشاطنا الماركسي بسرية تامة في الشارع العراقي ومدننا تشهد علينا دون ان تتلوث ايدينا مع البعث ولكنهم يقولون انكم تبالغون وتكذبون ونقول لهم من حقكم ان تقولوا هكذا لان بعض من دخلوا في قيادات تنظيماتكم المحلية بعد 2003 هم كانوا اعضاء في حزب البعث على طريقة (خلينة نعيش)>

رفيقي العزيز

ان من دمر الحزب وقسمه عنصريا وخرب تجربة الكفاح المسلح ورفع شعار العودة للعراق ب 5% من اعضاء الحزب، والذي فسد وتعفن في الخارج. لابد له حين يعود على دبابة المحتل ان يختار من < شيوعيي> الداخل اولئك الذين تقول فيهم <لان بعض من دخلوا في قيادات تنظيماتكم المحلية بعد 2003 هم كانوا اعضاء في حزب البعث على طريقة (خلينة نعيش)>

فالطيور على اشكالها تقع.. اذ ان مرحلة الانبطاح تحت البسطال الامريكي تتطلب كادر انبطاحي.. كادر امتهن الخنوع والخيانة

عند عودتي الى بغداد في بداية عام 2004 بعد ربع قرن من المنفى وبعد عقد اللقاءات والاجتماعات مع مختلف اجيال الشيوعيين العراقيين صدمت بهيمنة الجانب العاطفي على الاكثرية الساحقة منهم ( اللقاءات شملت رفاق من داخل تنظيم حميد ومن خارجه)عاطفة فرحة التخلص من كابوس النظام البعثي الفاشي ومهادنة المحتل باسم الديمقراطية.. لحظتها وفي احدى الاجتماعات اللاحقة زمنيا وكنا محاصرين في احدى البيوت نتيجة هجوم حكومة علاوي على جماعة الصدر اقترحت فكرة اصدار صحيفة يسارية لتشكل نواة تجمع التيار اليساري الثوري.. وتم ذلك فعلا.. اورد هذه التفاصيل لاصل الى الاستنتاج التالي: لقد احتاج هؤلاء الرفاق لعامين من الزمن لكي يفيقوا من النوبة العاطفية.. ولم يتحرك او تتحرك اي مجموعة سواء من داخل جماعة تنظيم حميد او من خارجه الا بعد مرور عامي النوبة العاطفية، في الوقت الذي تمكنت فيه القوى الدينية السوداء من اشعال المجتمع بشعاراتها الطائفية في خط مواز للشعارت العنصرية للقيادات الاقطاعية الكردية مما افسح المجال للقوى الارهابية من ان تحصل على حاضنة في بعض المناطق العراقية كرد فعل سلبي على هذه الشعارات.

وظلت عجلة اليسار تهرول خلف الاحداث.

ثالثا: < في ذلك الوقت كنا مجموعة من الافراد المتواصلين الناشطين سراً نتابع ما هو جديد وكان هناك من الشجعان من يستنسخ سراً ويوزع في العراق ما هو خطير على النظام الدكتاتوري…. ان امكانية اصدار بيان ماركسي بسيطة جداً وامكانية اعلان تأسيس تجمع ماركسي من البساطة فإنها لا تتطلب ذلك الجهد ولكن لكل خطوة استحقاقاتها فإن خطوة الاعلان تقترن معها او تعقبها كسب جزء من الجمهرة المسحوقة ثم دعوة الفصائل الماركسية الى التنسيق وليس التوحيد>

نعم ايها الرفيق العزيز

هذا هو لب القضية اليوم الاعلان عن قيادة مشتركة لفصائل اليسار العراقي وفق برنامج وطني تحرري، يعلن اهدافه بوضوح وبساطة. ولتبقى الفصائل مستقلة بعضها عن البعض الاخر، وفي ذلك فوائد جمة، من ابرزها

1) تنشط على شكل فصائل تنظيمية مستقلة للحفاظ على سريتها وعدم كشفها للعدو الراهن او المستقبلي.

2) تجنيبها التعرض لهيمنة ( مكتب سياسي) دكتاتوري جديد وبالتالي منحها حرية التفكير والمساهمة الحقيقية في رسم السياسة العامة.

3) القيام بنشاطات سياسية جماهيرية بتوجيه من القيادة المشتركة باسم القيادة المشتركة او اسم قائمة انتخابية مشتركة.

4) خوض الانتخابات باعتبارها شكل من اشكال الكفاح السياسي وفق برنامج واقعي يلامس حاجيات الجماهير ومنفصل تمام الانفصال عن العملية السياسية الاحتلالية. فخوض الانتخابات شئ والدخول في صفقات العملية الاحتلالية شئ اخر تماما. وهذا ما لم يتنبه له اليسار العراقي لحظة سقوط الاحتلال، ورغم مبادرتنا ودعوتنا جماهير اليسار العراقي الى تبني هذه الاستراتيجية، لكن وللاسف ظل اليسار يهرول خلف الاحداث.

ولا يزال يهرول حد اعلان احد الرفاق اليوم وبعد مرور ستة سنوات على الاحتلال فكرته في اهمية خوض الانتخابات باعتبارها كما علق رفيق اخرعليها بالقول ( فكرة جريئة لم تطرح من قبل ) علما ان الرفيقين من نشطاء اليسار في المنفى فاقتضى التوضيح.

ان خطوة البداية نحو تشكيل القيادة المشتركة لليسار العراقي تتجسد في تقييم دور اليسار الثوري العراقي خلال سنوات الاحتلال في اطار نقد ذاتي علمي وشجاع.

في الختام اني ارى بأن مقالتك قد طرحت السؤال ضمنا واجابت عليه وفق منهج جدلي رائع… والذي اسمح لنفسي ان اصيغه كالتالي، آملا ان يلقى آذان صاغية من رفاق اليسار الثوري سواء كانوا في الوطن او في المنفى:

هل يستمر رفاق الوطن في الهرولة خلف الاحداث وهل يستمر رفاق المنفى توسد الانترنيت أم نتقدم الى أمام بتشكيل القيادة المشتركة لفصائل اليسار العراقي؟