بن عامي… وحوار القاهرة… والقضية العصية على التصفية!

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1839)

يجزم البروفيسور شلومو بن عامي بأن حزب الليكود الذي جاءت به الإنتخابات الإسرائيلية الأخيرة لكي يشكل زعيمه بنيامين نتنياهو الحكومة، والتي من المرجح، حتى الآن، أنها ستقتصر على عتاة اليمين ومن على يمينهم من غلاته، سوف يحوّل ما توصف بالمفاوضات بين الاحتلال وفلسطينيي سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود الأوسلوية، “إلى ندوة أكاديمية”.

بن عامي أطلق حكمه هذا مع جملة أخرى من التوقعات المتعلقة بهذه المفاوضات يراها بمثابة الحتمية، ومرد ما يراه هنا هو رؤيته لمستقبل مجمل العلاقة بين الاحتلال والفلسطينيين. وقد تكتسب مثل هذه الرؤية أهميتها من كونها تعود لشخصية صهيونية مثل هذا الوزير السابق للخارجية الذي خاض شخصياً ملهاة مفاوضات واي ريفر زمن كلينتون ايام الراحل ياسر عرفات، وباعتباره واحداً من القلة الذكية من الصهاينة الأكثر دهاءً من الموصوفين “بالاعتدال” الذين يذكروننا ببيلن وبيرز مثلاً، أو الذين، وإن لا يقلون صهيونية عن نتنياهو، إلا إنهم يرون أن المصلحة الإسرائيلية هي في استمرارية حكاية ما تدعى “المسيرة السلمية” جنباً إلى جنب مع المسيرة التهويدية، تغطي الأولى الأخيرة وتوفر لها الوقت الكافي للاستكمال. ومن بين هذه الأحكام التي أطلقها مؤخراً من خلال مقابلة صحفية، وحيث اعتزال العمل الرسمي وعاد أستاذاً جامعياً يحاضر الآن في إسبانيا، إعلانه ما دعاه “الموت المطلق للعملية السلمية” والتي كما يقول “هي فعلاً لا تعني أحداً” في إسرائيل لا سيما بعد أن باعها ما يسمى “اليسار”، بل ويزيد فيؤكد أن فكرة “دولتين لشعبين” التي أورثها شارون لبوش ولازال يتمسك بها فلسطينيو المفاوضات “ليست طبيعية”، وأنها “لم تعد ذات شأن”، ويجب عند الإشارة إليها وضعها “بين قوسين”، مستبدلاً إياها بفكرة ما دعاه “الدولة الأردنية الفلسطينية في الضفة الغربية”.

أحكام بن عامي المستندة إلى رؤية وخبرة وتجربة يتمتع بها صاحبها لا تستند عنده إلى التحولات الموضوعية التي ساقت مجتمعاً استعمارياً بكامله، أي لم تقتصر على مستواه السياسي ونخبه وزعاماته فحسب، يميناً أكثر حتى الليبرمانية حيث جلب مؤخراً ليبرمان للحكم وغداً ربما ايغال عمير… أو إلى انحدار الواقع الفلسطيني إثر أوسلو إلى حيث الدرك التساومي البائس الذي يعد من وقود مثل هذا التحوّل والمشجع عليه… بل أنه، ورغم انطلاقه من موقع الناقد لليمين الإسرائيلي، يكرر ما يكرره الإسرائيليون على اختلافهم ومنذ شارون وحتى اليوم، فهو يقول مثلاً، أن “المفاوضات مع أبو مازن هي حوار مع أشباح لم تعد تمثل احداً”، لأنه “لا يمثل الشعب الفلسطيني و إنما زمرة أوسلو، وهي المجموعة الأقل شعبية في المجتمع الفلسطيني والتي تعاني من عجز مثير”.

قد نقف أمام مثل هذا الكلام لاحقاً ونحن ننتقل لربطه بما يعرف الآن بحوار القاهرة، أو المصالحة الفلسطينية تحت الرعاية المصرية والمراقبة الغربية، والذي شارف على الإنتهاء و ينتظر المنتظرون دخانه الأبيض الذي لم يتصاعد أو تأجل تصاعده. لكننا نود أولاً الإشارة إلى أن بن عامي، النادب حظوظ “العملية السلمية”، لا يكف عن توضيح فهمه لما آلت إليه الأمور بشأن مصيرها المحتوم، أو حتى إجمالاً ما يمكن سحبه على مجمل الصراع العربي الصهيوني، دون أن ينسى أن يورد في ذات المقابلة تفسيراً إسرائيلياً تقليدياً للواقع السياسي الإسرائيلي، أو بالأحرى، يكرر من موقع المحذر ذريعةً إسرائيلية دائمة لتبرير التطرف الضارب أطنابه في مجتمعه عموماً، بقوله أن “الخوف التاريخي اليهودي لم يختف بل بقي حياً ويتعاظم”!

أنا من بين الذين لم يروا في هذه الفقيدة التي ينعاها شلومو بن عامي، و المسماة “العملية السلمية” إلا شراً مستطيراً، ومحطة تصفوية للقضية الفلسطينية لا أكثر، ولم أتنبأ لها سلفاً ومنذ أن بدأت إلا بما وصلت إليه، ولست ممن يأسفون على دفنها، بل أتمنى سرعة إهالة التراب على رمتها، لكن نعى بن عامي لهذه الغير مأسوف عليها يكتسب معنى ومغزى، لاسيما إذا ما ربطناه، كما سبق وأن أشرت، بحوار القاهرة، وبغض النظر عن النتيجة التي سوف يتمخض عنها جبله. فبالإضافة إلى مسألة أنا لا أتوقع، طبعاً، أن يشير إليها بن عامي، وهي طبيعة مجتمعه الإستعماري الإحلالي العنصري الذي حتام أن ينحو دائماً أكثر فأكثر نحو اليمين أو التطرف والعنصرية، فإن سوء الحال الفلسطينية التي هي من الحال العربية كفرع من أصل، هي التي أسهمت في دفع هذا التجمع الاستعماري العنصري المتطرف بالضرورة، إلى مزيد من التطرف والمغالاة الذي يفزع حتى بن عامي نفسه، والمثل الشعبي يقول، المال البائر يعلم الناس السرقة، فما بالك اللصوص الغزاة أصلاً؟

لم أكن أتوقع ان أعود لمعالجة حوار القاهرة للمرة الثالثة على التوالي، فقد سبق وأن خصصته بمقالين سابقين كان واضحاً منهما بأنني لم أكن سأتفاجأ بما قد تمخض عنه حوار العشرة أيام… هذا الذي بدأ مُفتتحاً بمؤتمره الصحفي التفاؤلي الاستعراضي المفرط وانتهى بمؤتمر خجول يعلن عن آخر ما وصلت إليه مسيرة ما كنت قد وصفته، فأغضبت الكثيرين من طرفي الحوار بلا استثناء، بالكرنفال الفلسطيني، أي انتهى إلى أن الحوار سيتوقف مرحلياً ريثما تعود الأطراف المشاركة فيه إلى مرجعياتها وقياداتها للتباحث، بعد أن اصطدمت بثلاث قضايا جوهرية لم يتم التوافق عليها بعد، وهي برنامج الحكومة، والنسبية في قانون الإنتخابات، وصلاحية القيادة المؤقتة للمنظمة في المرحلة الإنتقالية التي تسبق إعادة تطويرها لا بنائها المفترض، وكان قد قيل أن الفروغ من البت فيها في الأيام الأخيرة، أو توقيع الإتفاق التصالحي، هو في انتظار عودة مدير الإستخبارات المصرية المشرف على الحوار الوزير عمر سليمان من واشنطن حاملاً معه موافقة واشنطن من عدمها على برنامج هذه الحكومة الإنتقالية ودور حماس فيها، وعما إذا كانت هذه الحكومة المتفق على أنها توافقية “تحترم” أم “تلتزم” باتفاقيات المسيرة الأوسلوية، التي تعني من بين ما تعنيه الإعتراف بإسرائيل، أو شرط هيلاري كلينتون في شرم الشيخ، الأمر الذي نشك أن تحتمله مواقف ومنطلقات، وبعض أيدلوجيات، أطراف المقاومة، وخصوصاً حماس.

الطريف هنا أن القضية الأساس الأصعب التي من المفترض أن لها الأولوية، وأنه إن جرى التوافق عليها فعلاً، وهذا ليس سهلاً في نظري، فإنه ستحل بالضرورة تلقائياً كافة المسائل الأخرى ومن بينها الثلاث العالقة تلك، أي لأنها وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية واختلاف الرؤى حولها هي أم المعارك المختلف عليها، وهي إعادة تشكيل منظمة التحرير، وحتى ليس حلم إعادة بنائها الذي سحب من التبادل، قد أعلن أنها حلت!

في مقالي الثاني ربما زدت من غضب الغاضبين و من عددهم… ولا بأس، فالحقيقة مرّة، والواقع أمرّ، والصدق مُكلف… عندما تحدثت عن تكاذب طرفي الحوار النقيضين، المقاوم والمساوم، اللذين لا يجمعهما من حيث الرؤى والبرامج جامع… هذين اللذين اضطرتهما إلى الحوار وصرف شيكات التفاؤل بلا رصيد إعلامياً، ظروف ما بعد غزة، ومطلب الوحدة شعبياً، واستحقاقات القمة العربية المقتربة، وضغط الضاغطين، والرعاة، ورعاة الرعاة، ومن يراقب ويوجه عن بعد أو عن قرب، والمانحين، وعلى رأسهم أصحاب حق الإملاء وحق النقض، الذين ذهب الوزير سليمان لاستمزاج مشيئتهم، وكل ما يجعل حكاية القرار الوطني المستقل الذي اتاح لمن شاء من العرب نفض يده من قضية قضايا الأمة المركزية، وسهل للجانحين من رافعيه الوصول إلى أوسلو، نكتة مضحكة وسمجة في آن…!

لقد سبق الوقفة الحوارية وعودة المحاورين إلى مرجعياتهم جدل فلسطيني النوعية بامتياز فيه حرص مجمع عليه من طرفيه ورعاتهم على إبقاء القدرة على إطلاق دخان التفاؤل، أو عدم قطع شعرة معاوية، تشارك في رقصته الكرنفالية كافة الأطراف، والتي لا تملك في تنازلاتها التوافقية المداورة القدرة على مغادرة مواقفها ومجافاة برامجها، على الجبهتين: التساومية و المقاومة، فأطلقت بالتالي في فضاء الحوار الإجباري المسلطة الأضواء عليه مصطلحات عجائبية تعكس هذه السمات، من مثل: “تخفيف الشروط”، و”الجملة السياسية”، و”التحايل على اللغة”، و”ترجمة التفاهمات إلى لغة مفهومة”…إلخ!

المشكلة أن المتحاورين جميعاً يصولون و يجولون في ملعب أوسلو و تحت سقفها، وتحت رعاية كامب ديفيد، وفي ظل راهن عربي يغرق في انحداره، وإذا ما كان من تصالح فلا بد للمتصالحين من التوافق على مرجعيتها، ونعني أوسلو، أو بتسمية أخرى أحدث مرجعية الرباعية… أي قبول إملاءات الراعي ومن لزّمه أمر الرعاية، بلغة أخرى تدجين المقاومين وبعث الروح في المساومين، وبهذا آل الحوار إلى الحال الذي هو فيها، أي وكأنما لم تعد المسألة عند المتحاورين هي إعادة بناء المنظمة وإنما إعادة بناء السلطة الأوسلوية تحت الاحتلال، الذي حرص على أن يراقب حوار الطرفين عن قرب… كأنما متعهدي هذا البناء المحليين ومهندسيه المجتهدين ومقاوليه الملتزمين بمواصلته لم يسمعوا بعد بما يقوله لهم قبل سواهم شلومو بن عامي… ما بعد غزة انتقلنا من المذبحة الدموية إلى التصفوية… والضمانة، هي أنه وحيث لا يملك الفلسطينيون إلا دمهم المقاوم ولم يتبق لديهم أو معهم سواه، أن من معجزات قضيتهم الأعدل من بين قضايا العالم أنها تظل العصية على التصفية…