قراءة في تقرير فلسطيني عن عرب 48

محمد العبد الله

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1839)

التقرير الشامل الذي أعده مركز (ركاز- بنك المعلومات عن الأقلية العربية في “اسرائيل”) وجمعيتا ” الجليل للبحوث والخدمات الصحية” و” الأهالي – مركز التنمية الجماهيرية “، والذي تمت قراءته في اجتماع في مقر “جمعية الجليل” في مدينة شفاعمرو المحتلة منذ عام 1948، وبحضور لافت لمندوبي اللجان الأهلية، وبمشاركة اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية، وقيادات من القوى السياسية العربية، ساهم في تسليط الضوء على مختلف جوانب حياة المجتمع العربي الفلسطيني داخل الوطن المحتل منذ عام 1948، وذلك من خلال عملية المسح الشاملة التي شملت 3270 أسرة فلسطينية تعيش في مناطق التواجد العربي “الشمال، الوسط، الجنوب”، داخل المدن المختلطة، وفي التجمعات السكانية التي تقوم على إدارة شؤون حياتها مجالس محلية قروية، وفي بلدات تخضع لسلطة مجالس إقليمية. والدراسة الجديدة هي نتاج آخر عملية مسح قام بها مركز “ركاز” عام 2007، وكانت قد سبقتها عمليات مسح عام 2004، ثم مسح عام 2006. ويعتبر “محمد خطيب” مدير عام جمعية الجليل أن الدراسة الميدانية الأخيرة، التي قام خلالها فريق العمل الميداني بجمع البيانات وإجراء المقابلات منذ مايو/أيار وحتى أغسطس/آب عام 2007 هي “عملية مسح ضخمة وفرت قاعدة معلوماتية مفصلة ودقيقة تأخذ الكثير من الأمور بعين الاعتبار منها: التوزيع الجغرافي، التوزيع الطائفي، التجمعات السكانية (مختلطة وعربية وقرى ومدن)، القرى غير المعترف بها”.

لقد غطى طاقم العمل بعمليات التقصي المباشرة، وفق أحدث وأدق الاستبيانات، واقع الحال في بنية المجتمع العربي الخاضع للاحتلال والقمع المباشر والأسرلة، ولإجراءات التهميش والحصار والتفتيت المنهجية، وقدم في مجموعة بنود، هموم ومعاناة العرب أصحاب الأرض الأصليين، والتي يمكن اجمالها واختصارها في قضايا: المسكن، العمل، مستويات المعيشة، مسائل التعليم، موضوعات الصحة. وفي مجال السكن، أبرز التقرير أن القضية الأهم التي يعاني منها عرب الداخل تتحدد كما يقول “أحمد الشيخ محمد” مدير بنك المعلومات في جمعية الجليل والمشرف على الدراسة ” هناك كارثة سكنية نحن في صددها، هناك احتياج لأكثر من سبعين ألف مسكن جديدة للأسر الفلسطينية في الداخل، ولا ترى الأسر العربية، الآلية في كيفية تحقيق هذا الحلم، بسبب ممارسات الحكومة “الإسرائيلية”، إن كانت من خلال تضييق مناطق النفوذ، أو في مصادرة الأراضي، واستمرار المنهجية التي كانت ولا زالت في سياسة هدم البيوت”. وبحسب التقرير فإن حوالي 58.4% من الأسر الفلسطينية في البلاد تحتاج لوحدة سكنية على الأقل خلال العشر سنوات القادمة. خاصة إذا علمنا بأن حوالي 156 ألف فلسطيني، ما نسبته 9% من السكان العرب الفلسطينيين، من سكان القرى، وقلة من سكان بعض المدن ” حيفا، عكا، يافا، اللد والرملة ” قد استطاعوا البقاء في الوطن ضمن الحدود التي أقرتها هدنة العام 1949. وقد تضاعف عدد السكان العرب الفلسطينيين حتى نهاية عام 2006 بنحو 7.3 مرات، ليبلغ تعدادهم في أواسط العام 2007 نحو1.136.900 نسمة باستثناء مواطني مدينة القدس، مما يعني أن المجتمع الفلسطيني ” فتيّ جداً” وتبلغ نسبة من هم حتى سن 14 عاماً ما يعادل في المتوسط 58%.

وفي موضوع العمل والبطالة، فقد أشار التقرير إلى أن نسبة المشاركة في قوى العمل تبلغ 42.6% بين السكان الفلسطينيين مقارنة بـ 58.5% بين اليهود، كما أن19% من النساء العربيات يعملن مقابل 56% من النساء اليهوديات. وأن نسبة البطالة تزيد قليلاً عن 10%، لكن واقع الأمر يشير إلى أن 25% من قوى العمل تعيش بطالة كاملة، أو مبطنة “مقنعة ” في العديد من المجالات. وهذا ينقلنا للحديث عن مستويات المعيشة التي تتأثر بالعمل وبحالة البطالة. وتوضح الدراسة الميدانية بأن أكثر من نصف عدد الأسر الفلسطينية يعتمد على الأجور والرواتب كمصدر للدخل، لكن 32.5% من الأسر العربية تعتمد على المخصصات الحكومية “العلاوة الاجتماعية للأولاد، الشيخوخة، البطالة، الإعاقة، والتقاعد..”. وقد انعكس ذلك على معدل الصرف الشهري”غير الصافي” للأسر العربية الذي بلغ 1700 دولار، مقابل 3350 دولاراً للأسرة اليهودية.

في مسائل التعليم فإن النسبة العامة لمعرفة القراءة والكتابة بين المواطنين الفلسطينيين”15 عاماً وأكثر” تصل إلى 95%. كما بلغت نسبة من أنهى مرحلة الدراسة الثانوية 20.8%، ونسبة الحاصلين على شهادة جامعية 7.5%. علماً بأن 50% من الأسر العربية الفلسطينية تمتلك جهاز الحاسوب، و40% من السكان العرب يقرأون الصحف.أما قضايا الصحة، فهي مرتبطة بنمط الغذاء والسكن والوضع النفسي والمعيشي للمواطن العربي. ولهذا فإن 68% من المواطنين من الفئة العمرية 60 سنة واكثر يعانون من الأمراض المزمنة. كما أن 51% من الفلسطينيين منتسبون إلى التأمين المكمل مقابل 85% من اليهود.

إن المسح الاحصائي الذي قام به المركز وفر للمهتمين، كما يقول “عبد السلام مصالحة” رئيس الهيئة الإدارية لجمعية الجليل “إمكانية الحصول على معلومات دقيقة عن العرب المواطنين في البلاد، لأنه ليس بالأمر السهل، إذ أنهم لم يصنفوا احصائيًا في المصادر “الاسرائيلية” الرسمية كفئة سكانية إلاّ بشكلٍ جزئي، دائماً كان هناك نقص وبعثرة للمعلومات التي تتعلق بالعرب مما خلق اشكاليات احصائية وموضوعية حول مصداقية العينة التي تمثل المواطنين العرب، فجاء هذا المسح لركاز (بنك المعلومات التابع لجمعية الجليل) من منظار مجتمعنا نفسه ليقدم لنا نموذج شامل عن البيانات والمؤشرات الرئيسية التي تميّز المجتمع الفلسطيني في البلاد”.

لقد أعاد التقرير التأكيد على عنصرية حكومات العدو المتعاقبة في تعاملها مع السكان العرب الأصليين في كل مايتعلق بمجالات حياتهم وإقامتهم: الأرض والبناء عليها، التعليم، الثقافة، البنية التحتية، الميزانيات المخصصة للمجالس والقرى العربية، والقمع السياسي اليومي، الذي يفضح “ديمقراطية” هذا الكيان الإرهابي.

مع نشر هذا التقرير، تتوفر لقوى الحركة الوطنية الفلسطينية، رؤية بحثية مجتمعية، تساعدها على ربط المشكلات الإجتماعية والاقتصادية داخل الوطن، بجذر القضية الأساس، وهو الاحتلال الذي أسس للنكبة الكبرى وكل مانتج عنها من معاناة، مما يتيح لأحزاب وتجمعات وفصائل العمل السياسي، إمكانية رسم برنامج النضال الوطني الإجتماعي، المرتبط والمستند على كفاحها التحرري، لمواجهة “أسرلة” المجتمع العربي، وشطب انتمائه بشعبه وأمته. والتصدي لمحاولات التطهير العرقي المستمر منذ أكثر من ستة عقود، وماتشهده مدن “عكا ويافا والقدس والناصرة العليا” سوى الحلقات الجديدة في مسلسل “التهويد”، الذي سيتصاعد على يد الثنائي الإجرامي القادم “نتنياهو، ليبرمان” في محاولات الطرد/الترانسفير، أو في فاشية الدعوة العنصرية الداعية “ربط المواطنة بالولاء”!.

إن شعبنا داخل الوطن وهو يواجه كل هذا العدوان، يجب أن يعرف “بالأفعال” وليس بالأقوال فقط، على أنه ليس وحيداً. فهل ترتقي نضالات الحركة الوطنية في الضفة وغزة ومناطق اللجوء لمستوى تضحياته؟