ليبرمانيات

سعد محيو

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1840)

“أقترح إغراق سجناء حماس في البحر الميت، لأن هذه أسفل نقطة في العالم. وأنا كوزير للمواصلات مستعد للتبرّع بالحافلات لنقلهم إلى هناك”.

“يجب تطبيق العقوبة نفسها التي طبّقت على النازيين على النواب العرب “الإسرائيليين” الذين يجتمعون مع حماس: الإعدام”.

“يتعيّن تدمير كل المتاجر والمؤسسات في رام الله، وهذه لن تكون جرائم حرب بل أعمال إنسانية”.

“يمكن ل”إسرائيل” قصف السد العالي وإغراق كل مصر. وإذا لم يرد الرئيس مبارك زيارة “إسرائيل” فليذهب إلى الجحيم”.

هذا غيض من فيض أفيفدور ليبرمان، المرجح أن يكون وزير خارجية “إسرائيل” والمتفاوض باسمها، مع مصر والأردن (اللتين تقيمان علاقات دبلوماسية مع الدولة العبرية) ومع الفلسطينيين والأسرة الدولية.

بيد أن المعضلة مع هذا اليهودي الروسي، الذي كان اسمه قبل أن يهاجر إلى “إسرائيل” العام 1978 أيفيت مفوفيتش والذي عمل في الاتحاد السوفييتي السابق كفتوة حانات، لا تكمن فقط في عنصرية لسانه الفاشي، بل أيضاً في سياساته النازية. فهو يريد إجراء “فحوصات دم” لكل عرب 48 لمعرفة مدى ولائهم ليس ل”إسرائيلية” دولة “إسرائيل” بل ليهوديتها. وإذا ما سقطوا في هذا الامتحان فسيحق إسقاط الجنسية عنهم.

أما موقفه من مسألة الدولة الفلسطينية التي ادّعى العام 2006 أنه بات يوافق عليها، فهو يتلخص بأن هذه الفكرة تقوم على ثلاثة افتراضات رئيسية خاطئة: 1- أن المسألة الفلسطينية هي السبب الرئيسي للنزاع في الشرق الأوسط. 2- وأن هذا الصراع يدور حول الأراضي وليس الإيديولوجيا. 3- وأن إقامة دولة فلسطينية يحل المشكلة.

ثم هناك بالطبع رفض الانسحاب من الجولان، والتمسك بمواصلة الاستيطان في الضفة الغربية، ومعاودة احتلال غزة، والدعوات المتواصلة لقصف إيران.

هذا هو رأس الدبلوماسية “الإسرائيلية” العتيد، الذي قرر نتنياهو أن يقدمه لإدارة أمريكية جديدة تقول إنها تريد أن تفتح صفحة جديدة في الشرق الأوسط تستند إلى حل الصراع العربي وتسوية الخلافات مع إيران بالتي هي أحسن.

الامتعاض في واشنطن وبروكسل كان سيد الموقف من هذه الخطوة. لكن الامتعاض الغربي إزاء أي أمر “إسرائيلي” شيء، والموقف شيء آخر. هنا ستكون النغمة الموسيقية الرتيبة الوحيدة هي ما أعلنه خافيير سولانا من “مواصلة العمل كالمعتاد” مع “إسرائيل”، مع بذل الجهود الذهنية لاكتشاف النزعة البراغماتية في عقل ليبرمان المتطرف. أما الاتهامات، حتى في داخل “إسرائيل”، حول نازية وفاشية ليبرمان فلا شأن للغربيين بها، وهي قصر على حركة حماس الرافضة للاعتراف بيهودية “إسرائيل”.

الموقف الغربي هذا متوقع ومفهوم. لكن، ماذا عن الموقف العربي؟

لقد أبلغ مستشار سعودي “فاينانشال تايمز” أن تعيين ليبرمان سيكون “كارثة مطلقة”، فيما كان صائب عريقات يقول إن هذه نهاية العملية السلمية.

بداية جيدة، لكنها غير كافية. فأمام القمة العربية المقبلة في الدوحة فرصة ذهبية لرد هذه الهدية الليبرمانية المسمومة إلى أصحابها عبر سحب مبادرة السلام العربية من الطاولة، وعبر إبلاغ “إسرائيل” رسمياً (ومن جانب كل الأطراف العربية هذه المرة) أن السلام لا يقوم على رجل واحدة، ولاهو رقصة من طرف واحد.

هذا الموقف الحاسم والصارم هو الطريقة الوحيدة، ليس فقط لهز العصا في وجه تل أبيب وإثبات الوجود مع إدارة أوباما، بل أيضاً لإبلاغ الأطراف الإقليمية الأخرى بأن العرب قادرون فعلاً، وجادون فعلاً في السعي لاستعادة الحقوق العربية بأنفسهم.

فهل يفعلون؟

هل؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: جريدة ” الخليج ” الاماراتية ـ الخميس 19 / 3 / 2009 ـ صفحة ” رأي ودراسات “