إعادة الاعتبار للقرار 3379 *

الأستاذ الدكتور جورج جبور**

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1841)

في مفتتح الندوة الحوارية بعنوان:
إعادة الاعتبار للقرار 3379 المساوي بين الصهيونية والعنصرية في مؤتمر دربان (الحكومي) الثاني: جنيف، 20-24/4/2009 التي دعت إليها عدة هيئات غير حكومية سورية وعربية وإسلامية، وقام بتنظيمها الأستاذ الدكتور سهيل الملاذي، رئيس فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب،عضو مجلس إدارة الرابطة السورية للأمم المتحدة، وذلك في الساعة 00،11 من قبل ظهر يوم الأربعاء في 18/3/2009، قاعة المحاضرات في اتحاد الكتاب العرب، أوتستراد المزة، دمشق.

قبل خمسة أعوام، حين عُقد الاجتماع التأسيسي للرابطة السورية للأمم المتحدة، بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنصرية، كان أول همٍ من هموم المؤسسين محاولة الإسهام في تصحيح مسار منظمة الأمم المتحدة ولا سيما في ما يختص بقضية فلسطين. ونعلم في الرابطة أن محاولة تصحيح مسار الأمم المتحدة في تعاملها مع قضية فلسطين، بل مع الهم الفلسطيني، ليس بالأمر السهل أبداً.

وتنفيذاً لهذا الهم الشاغل قامت الرابطة بفعالياتٍ عديدةٍ حُظيت بتغطيةٍ فكريةٍ وإعلامية واسعة، وبأثرٍ ملموس في الرأي العام.

وفي 22/11/2008 قرر مجلس إدارة الرابطة ضرورة إثارة الاهتمام بموضوع الطبيعة العنصرية للصهيونية وللممارسات الإسرائيلية للأراضي المحتلة. كذلك أكد المجلس، في أوقاتٍ لاحقة، أن الجرائم الصهيونية في غزة، إنما هي ذات طبيعة عنصرية، إلى جانب أنها جرائم حرب وإبادة وعدوان وجرائم ضد الانسانية.

ثم في 17/1/2009، وبجهود الرابطة، وضمن إطار أكبر مؤتمر غير حكومي دولي شهدته البلاد العربية دعماً للمقاومة الفلسطينية، وأقصد بذلك منتدى بيروت العالمي (16-18/1/2009) ولدت اللجنة الدولية لإعادة الاعتبار للقرار 3379 المساوي بين الصهيونية والعنصرية. حددت اللجنة هدفاً وحيداً لها هو السعي لإعادة الاعتبار للقرار آنف الذكر من خلال مؤتمر دربان الثاني، الذي هو، بالتسمية الرسمية له، مؤتمر مراجعة مؤتمر دربان لمناهضة العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وكافة أشكال التعصب. أنهى مؤتمر دربان الأول أعماله يوم 8/9/2001، أي قبل ثلاثة أيام من الأحداث الجرمية التي شهدتها أمريكا يوم 11/9/2001.

ولنتذكر هنا : نجح مؤتمر دربان غير الحكومي في المطالبة بضرورة إعادة الاعتبار للقرار 3379. إلا أن المؤتمر الحكومي فشل في تحقيق ذلك الهدف.

ندوتنا اليوم ذات هدف محدد هو محاولة تحقيق ما عجز مؤتمر دربان الحكومي الأول عن تحقيقه. ولدينا بضعة أسابيع لمتابعة ذلك الهدف. كيف؟

في التصور، علينا اتخاذ الخطوات التالية:

1) قيام الدول العربية، ومعها الأمانة العامة للجامعة، بتوجيه رسائل إلى الأمم المتحدة، بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنصرية، تطالب بإعادة الاعتبار للقرار وبالتذكير بعملية الاغتيال الظالمة التي تعرض لها. درج الرئيس حافظ الأسد على توجيه مثل هذه الرسائل طيلة سنواتٍ من رئاسته.

2) قيام مؤتمر القمة العربي المقرر عقده يومي 27 و28 آذار 2009 باتخاذ قرارٍ يطالب بإعادة الاعتبار للقرار. ومن واجب القادة العرب أن يتذكروا، ومن واجبنا أن نذكرهم، أنهم اتخذوا، في ثلاثة مؤتمرات قمة عربية وإسلامية سابقة، قراراتٍ بضرورة دعم القرار 3379 والتصدي لمحاولات إلغائه. هذه المؤتمرات الثلاثة هي:
– قمة الكويت الاسلامية: شباط 1987
– قمة بغداد العربية: أيار 1990
– قمة داكار الاسلامية: كانون الأول 1991
كذلك من الواجب أن يتذكروا أن وزراء الخارجية العرب، وقبل أيام من مؤتمر دربان الحكومي عام 2001، قرروا ضرورة إعادة الاعتبار للقرار الملغى.

3) قيام مؤتمر القمة العربي القادم بمخاطبة المنظمات الاقليمية الحكومية الثلاث ذات الصلة بالقرار3379. هذه المنظمات هي:
– منظمة المؤتمر الاسلامي، وكل الدول العربية أعضاء فيها.
– منظمة الوحدة الأفريقية وهي الآن الاتحاد الأفريقي. ورئيس الاتحاد اليوم هو الرئيس معمر القذفي.
– منظومة دول عدم الانحياز وهي التي تجسد على نحوٍ ممتاز هموم دول العالم الثالث في أفريقيا وآسيا خاصةَ، وفي أمريكا اللاتينية.

هذه الخطوات الثلاث العاجلة إنما تنسجم الانسجام كله مع ما يرى كل عامل من أجل مجد حقوق الإنسان أن من الواجب القيام به. إنها رد الفعل الطبيعي على العنصرية التي أظهرتها إسرائيل في عدوانها على غزة، وقبل ذلك في عدوانها على لبنان، والتي تمارسها في فلسطين منذ أن أقرّت عصبة الأمم في جنيف عام 1922 صك الانتداب على فلسطين.

وهي أيضاً رد الفعل الطبيعي على المجيء المتوقع للعنصري ليبرمان وزيراً للخارجية في حكومة نتنياهو الموغلة في اليمينية.

نعم! يستحسن الغرب الصهيونية ويراها منسجمة مع حقوق الانسان. هذا شأنه. هو الآثم الذي اضطهد اليهود وانتهك حقوقهم. والشاهد: مسألة دريفوس التي هي، في العمق، دلالة على قصورٍ في الثورة الفرنسية لجهة عدم التزامها مبدأ المساواة في المواطنة. أما في منطقتنا من العالم فالصهيونية عنصرية بامتياز. هي كذلك بالإجماع المطلق لكل سكان المنطقة. ويشهد إعلاميو الغرب على توصيف سكان المنطقة للصهيونية بأنها عنصرية.

السؤال إذن المطروح امام القادة العرب في الدوحة: ألا ترون أن من الضروري أن تعبّروا عن مشاعر الرأي العام العربي الذي يرى بغالبيته الساحقة، بل بمجموعه، أن الصهيونية عنصرية؟ أليس من العجز غير المقبول أن تصمتوا عن العنصرية الصهيونية، وكأنكم بذلك تعبرون عن مشاعر الرأي العام الغربي؟ أليس من كرامتكم، أيها القادة العرب، أن تؤكدوا ما أعلنتم اقتناعكم به مراتٍ ثلاث بشأن دعم القرار 3379 والتصدي لمحاولات إلغائه؟

أيها القادة العرب:

لقد حدد شهداء غزة موعداً للقرار 3379 في مؤتمر دربان الثاني. سارعوا إلى الموعد. اذهبوا بأنفسكم لابممثليكم. أعلنوا عن نيتكم الذهاب في قمتكم بالدوحة. موعدكم في جنيف مقدَّس. مشاركتكم في دربان الثاني يضع مؤتمر مناهضة العنصرية في موضع الأهمية الذي ينبغي أن يوضع به على جدول أعمال العالم. بإعلانكم في الدوحة المشاركة في مؤتمر دربان الثاني تنقذون من الإلغاء أو التقزيم ذلك المؤتمر الذي تُبذل محاولاتٌ استثنائيةٌ لإلغائه أو لتقزيمه.

أثرت موضوع إعادة الاعتبار للقرار 3379 في مؤتمر منتدى الفكر العربي الذي عُقد في عمّان يومي 3 و4 آذار 2009. في جلسة الختام علّق رئيس المنتدى على ما قلت. ولم تُتح لي فرصة للرد، إذ بالتعليق انتهت الجلسة. رئيس المنتدى هو الأمير الحسن. وسموّه وأنا هما العربيان الوحيدان اللذان اضطلعا بمهمتين في متابعة مؤتمر دربان الأول الحكومي. قال الحسن: إعادة الاعتبار للقرار أمرٌ هام ولكنه يتطلب أولاًً ترميم البيت العربي. أقول من دمشق لرئيس المنتدى وللزملاء الكرام المشاركين في مؤتمر عمّان: السعي لإعادة الاعتبار للقرار 3379 إنما هو، في جوهره، أكثر المحاولات جدّية لترميم البيت العربي. أؤمن ايماناً عميقاً بأن كل عربي، بما في ذلك كل حاكم عربي، إنما يؤمن ايماناً عميقاً بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، كما قررت الجمعية العامة يوم 10/11/1975.

هل ستنجح محاولة إعادة الاعتبار للقرار؟ العمل أولاً، وبعده ياتي الفشل أو النجاح. وقل إعملوا، والسلام عليكم ورحمة الله.

* كلمة إلى مؤتمر القمة العربي في الدوحة (27-28/3/2009)

** الأستاذ الدكتور جورج جبور هو رئيس اللجنة الدولية التي أنشأها “منتدى بيروت العالمي” (16-18/1/2009) لإعادة الاعتبار للقرار /3379/ المساوي بين الصهيونية والعنصرية

المصدر: ” كلنا شركاء”، سوريا، 21/3/2009