مشروع القدس عاصمة ثقافية… صبغة ثقافية لانتهازية فئوية

محمد مراغة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1845)

□… ومن يمشي في شوارع القدس يعلم ويوقن أن المؤرخين عليهم شحذ أقلامهم لأندلسٍ جديدة…

□ لا نريد شعارا آخر…نريد أن ننتج مقولتنا وخبزنا…حتى نصمد ونبقى… وإلا صرنا نسكن أندلسً أخرى.

هي لحظة عصيبة عندما ينظر الفلسطيني لمراحل عبوره للحظته الراهنة…وعد ثم نكبة… نكسة ثم أيلول الأسود…. انتفاضة ثم مدريد وأوسلو.. انتفاضة ثانية ثم الضفة وغزة… وها نحن من جديد ها هنا… في لحظة وطنية مركبة ومفارقة لسياقها… تنعكس هذه اللحظة أكثر ما تنعكس على المشهد الثقافي الفلسطيني… الذي يعيش حالة ارتباك جد عميقة منذ لحظة أوسلو بالتحديد.. لأن روافد هذا المشهد قبل أوسلو كانت أفرادا وفصائل يعملون للإبداع الفني والأدبي بأنواعه ضمن الحالة الوطنية العامة ومحدودا بها… والمشهد الثقافي بعد أوسلو أخذ منحى آخر… حيث تمأسس بامتياز… وتشكلت نخبة مسيطرة على زمام المشهد الثقافي…. هذه النخبة ليست بالضرورة مبدعة ثقافيا، بل بالعكس هي تموقعت مصلحيا حول الإنتاج الثقافي الاستهلاكي الخالي من الحرفة، ولكنها استطاعت أن تبرزه على أنه فن نخبوي (أنظروا إلى انتاجات السينما الفلسطينية بشكل عام)…

هذه النخبة ضعفها يأتي من عدة نقاط، أولها بأنها غير شعبية وتستخدم شخصيات شعبية في مشاريع معينة…استخدام سلعي.

وثانيها بأنها غير قادرة على الإبداع (في لحظة ما كانت ما تنتجه يعتبر في خانة الإبداع على اعتبار أنه إنتاج جنيني تجريبي) لضيق أفقها الثقافي والطبقي والذي ينتج عنه ما يلبي بحده الأقصى شرط الداعم الغربي الأجنبي…

أما مصدر قوتها فيتمحور في هجينتها وقدرتها العالية في تجنيد الأموال ومن ثم الارتشاء الثقافي..فمن المتعاون مع الاحتلال في مرحلة سابقة (مثل مسرح معين)، الى اليساري السابق، أو الأكاديمي الذي يظهر على الفضائيات فأضحى حالة ثقافية فضائية…الخ، ومن يرث رأس المال الثقافي العائلي….الخ، ينتج عن مثل هذا الهجين تشتيت موقف الجمهور منها وبالتالي قدرتها على الاستمرار في اللعب في المشهد العام.

وهنا تبرز القدس عاصمة ثقافية في خضم هذا الانزياح الوطني والثقافي العام منذ مدريد وأوسلو بل أستطيع الجزم منذ أن تحولت فلسطين في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات إلى بقرة- دولار للكمبرادور السياسي المسيطر على منظمة التحرير الفلسطينية. فالقدس اقتراح متجدد ودائم للحلب البقرة-دولاري للنخبة القديمة والجديدة التي برزت بعد أوسلو والمتمثلة بأزلام السلطة وأزلام المشهد الثقافي الانجي أوزي في فلسطين… من هنا يتم الإعلان عن القدس عاصمة ثقافية كمشروع وليس كخطة وطنية إستراتيجية هدفها إنقاذ هذه المدينة من الغرق في الصهينة، إنقاذها وهي التي تعتبر ركن هام من أركان القضية الوطنية الثلاثة: العودة، القدس وحق تقرير المصير.

ولا يخجل رفيق الحسيني ولا يعتذر عندما يقول أن هذا المشروع هو كعكة وعلى الجميع تقاسمها… رفيق ومن معه في اللجنة القائمة على هذا المشروع يعتقدون بأن القدس هي كعكة للاقتسام (على فكرة كنت قد كتبت ما كتبت قبل ما سمي افتتاح الحدث، حين بصق الرئيس في وجه الشعب الفلسطيني معلنا أن حماس منعت الاحتفالات في غزة مثلما فعل الاحتلال الصهيوني، تباً)، وبالتالي أفترض أن اللجنة القائمة على الحدث منسجمة مع فكرة زعيمها وبصورة جلية، وهم يستغلون الحدث لتلبية مصالحهم الفردية الضيقة والمنسجمة مع موقعهم الطبقي وموقفهم السياسي اتجاه الفلسطينيين والقضية الفلسطينية….بالأمس كان سري نسيبة يوقع مع الصهاينة مشروع إسقاط العودة، واليوم الحسيني يرأس بمساعدة متسلقين للمشهد الثقافي والسياسي في القدس تحويل القدس من قضية نضال وطني في لب الوعي الفلسطيني ومسيرة المقاومة إلى مجرد كعكة للاستفادة منها… ومشروع للاستغلال….

القدس لا تتحمل أكثر من ذلك التلاعب بعد اليوم… على الجميع أن يصطف إما بجانب التمسك بالحقوق والثوابت ضمن تبني خطة وطنية ببعد عربي وإسلامي وعالمي يهدف إلى الحفاظ على المدينة من الضياع والنهوض بها سياسيا وثقافيا وتربويا واجتماعيا واقتصاديا… وإما استغلال المدينة لأهداف فردية وأنانية وطبقية جد محدودة….من هنا على جميع من له يد في مشروع القدس عاصمة ثقافية أن يتقدم بالاعتذار عن هذا المشروع وأن تتشكل لجنة من شخصيات مقدسية نظيفة اليد، لها احترامها وتاريخها الاجتماعي والوطني، مستعدة للعمل وبشكل طوعي على صوغ خطة وطنية تطرح على أهل المدينة وتناقشها معهم، للنهوض بها من كل النواحي، حتى تبقى في مقدمة المقاومة وليس في مقدمة الصهينة والتهويد…

القدس مثل قضية اللاجئين تمر بمرحلة جد حساسة وهامة.. نتيجة للخطة الإسرائيلية بفرض واقع جديد يضيق هامش المناورة فلسطينيا على المستويات المختلفة… ومن يمشي في شوارعها يعلم ويوقن أن المؤرخين عليهم شحذ أقلامهم لأندلسٍ جديدة..

في القدس لا يوجد حاجة إلى معرض غاليري آخر… نريد مدرسة معرفية ووطنية أخرى.. أو نريد على الأقل دعم المدارس الأهلية الموجودة والتي تندثر مع الوقت لصالح مدارس البلدية القائمة على التجهيل وليس التربية والعلم.

في القدس لا نريد حفلا موسيقيا آخر…نريد دعم تعليم الفنون والعلوم والآداب في المدارس.. نريد غسان كنفاني وناجي العلي يعودان لشبيبتنا كنماذج للثقافة الفلسطينية…

لا نريد شعارا آخر…نريد أن ننتج مقولتنا وخبزنا…حتى نصمد ونبقى… وإلا صرنا نسكن أندلسً أخرى.