الأقاليم: من تفكيك الدولة.. إلى تفكيك الوطن

موفق محادين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1847)

طرحت فكرة الأقاليم، أول مرة، في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وقد لخصتها دراسة للدكتور سفيان التل، صدرت عن المنظمة العربية للعلوم الادارية عام 1981 تحت عنوان “التخطيط الإقليمي والتجربة الأردنية” وتضمنت الفكرة تقسيم الأردن إلى اربعة أقاليم: إقليم إربد وعهد بدراسته إلى لجنة أردنية ـ يابانية، وعمان وعهد بدراسته إلى لجنة أردنية ـ امريكية، والجنوب (معان ـ العقبة) وعهد بدراسته إلى لجنة أردنية ـ المانية والكرك وكان قيد الاعداد.

وقد أكدت دراسة الدكتور التل الذي كان أحد اعضاء اللجنة الرئيسية، على ضرورة واهمية علاقة التخطيط الإقليمي بالعربي كما اظهرت الطابع الاداري والتنموي للفكرة.

لكن المشروع آخذ بعداً مختلفاً تماماً بعد معاهدة وادي عربة وتحول من مشروع أردني لتنمية المحافظات إلى واحد من استحقاقات المعاهدة ومحاولات العدو الصهيوني تحويل المشروع إلى ملاقط إقليمية مع كل الشرق العربي بالاضافة لتمرير الترانسفير الناعم، كما اعلنت ذلك جريدة الاسبوع الأردنية الصادرة بتاريخ 16/11/1995، والتي كان يرأس تحريرها الكاتب الصحفي جهاد المومني حيث تحدثت الصحيفة عن مشروع لتقسيم الأردن إلى عدة أقاليم وبحيث يساهم ربط إقليم الوسط بالضفة الغربية (في التوطين) كما يساهم ربط إقليم الجنوب بإيلات ووادي عربة في بناء اطار إقليمي مشترك مع “اسرائيل”.

وكذلك إقليم الشمال الذي يربط اسرائيل مع العراق (خط النفط) ومع سورية (خط المياه)…

وتحت تأثيرات المعطيات الإقليمية والدولية التي رافقت حصار العراق والعدوان عليه، وكذلك صعود حركة حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة وتعثر اوسلو ثم الحملة الدولية التي اخترعتها الادارة الامريكية تحت شعار مكافحة الارهاب… الخ، تراجع مشروع الأقاليم مؤقتاً قبل ان يظهر مجدداً بعد احتلال العراق وازمة أوسلو، حيث اعادت تصريحات رسمية على مستوى عال المشروع إلى دائرة الاهتمام (بترا 27/1/2005، والصحافة اليومية 6/2/2005، 8/10/2008، 19/10/2008، 3/3/2009) وتم تشكيل (لجنة ملكية) لمتابعته وترجمته مؤلفة من 12 شخص برئاسة زيد الرفاعي وعضوية رؤساء حكومات سابقين بينهم عبد الرؤوف الروابدة وعبد السلام المجالي وفايز الطراونة ووزراء ومسؤولين آخرين.. منهم عقل بلتاجي وممدوح العبادي.

ولم يختلف التصور الجديد للجنة الملكية كثيراً عن التصور الذي سبق لجريدة الاسبوع ان نشرته، فقد تضمن تقسيم الأردن إلى ثلاثة أقاليم بالاضافة للمناطق الخاصة مثل البتراء والعقبة:-

– إقليم الشمال(اليرموك) ويضم محافظات إربد والمفرق وعجلون وجرش.

– إقليم الوسط(رغدان) ويضم مادبا والبلقاء والزرقاء وضواحي عمان(لم تحسم أمانة عمان حتى الآن).

– إقليم الجنوب (مؤتة) ويضم الكرك والطفيلة ومعان.

ويتكون المجلس المحلي المفترض للإقليم بالانتخاب من 10 ممثلين عن كل محافظة واثنين بالتعيين بينهما امرأة.

وذلك بالاضافة لمجلس مفوضي الأقاليم برئاسة رئيس الحكومة كما يضم وزراء الداخلية والعمل والبلديات والتخطيط.. ويرتبط مفوض كل إقليم برئيس الحكومة ويكون برتبة وزير ويعين بإرادة ملكية (العرب اليوم 8/11/2008).

ومن اللافت للانتباه هنا ان نظام التقسيمات الإدارية رقم 31 لسنة 1995، المادة (2) قد قسم المملكة إلى 12 محافظة لو دققنا فيها مجدداً لوجدنا ان كل إقليم من الأقاليم الثلاث الجديدة المقترحة يتضمن اربع محافظات (إربد، جرش، عجلون، المفرق) شمالاً (والكرك، الطفيلة، معان، العقبة) جنوباً بالاضافة للعاصمة والبلقاء والزرقاء ومادبا في الوسط.

ولم يخلو المشروع من ملاحظات من داخل الوسط الحكومي والرسمي نفسه كما عكستها تقارير وتحقيقات ومقالات صحفية لاحظت ذلك( ما كتبته رنا الصباغ في العرب اليوم تاريخ 18/12/2005 وما كتبه الصحفي رداد القلاب في العرب اليوم أيضًا تاريخ (8/11/2008 و 5/3/2009) بالاضافة للمخاوف التي آثارها فهد الخيطان في الجريدة نفسها ثلاث مرات: 7/1/2008 و 9/11/2008 و 20/11/2008 ورنا الصباغ (العرب اليوم 18/12/2005) ورولا الحروب(الانباط 12/3/2009) وسعد حتر (السجل 12/3/2009).

وقد تركزت المخاوف المذكورة كما مخاوف أوساط حكومية أيضًا على تحويل المشروع من لا مركزية ادارية لانصاف وخدمة المحافظات تنموياً وادارياً إلى مشروع يساعد على تفكيك الدولة وتعريض وحدتها (مع الايام) للخطر (عبد الكريم ملاحمة وزير سابق).

أما مفهوم الإقليم في مشاريع وزارة الداخلية (سمير الحباشنة 2004) وعيد الفايز (2006) فيركز، من جهة، على المحافظة كوحدة تنموية، ويتحدث من جهة ثانية كما مشروع اللجنة الملكية عن إقليم لعدة محافظات، له مجلس محلي منتخب بواقع عشرة أعضاء من كل محافظة (المادة 4) من المشروع الاصلي، ويقوم مجلس الإقليم بوضع أسس الاستثمار والرسوم المحلية واقرار الخطط الاقتصادية (المادة 8).

وبالاضافة لتركيزه على المحافظة كوحدة تنموية وكذلك تساؤلاته الوجيهة عن صلاحية حل المجلس المحلي للإقليم (المادة 4) فان الملاحظات الأخرى، ملاحظات غير جوهرية، مثل شروط الترشيح لعضوية المجلس(المادة 14) وإغفال وجود مدراء عامين لدوائر الاشغال العامة والدفاع المدني (المادة 7).

أما الأهم من كل ذلك فهو تقاطع المشروعين في نقل صلاحيات الوزراء إلى المحافظين ومفوضي الأقاليم ومراجعة نحو تسعين تشريعاً معظمها سيادية مثل:-

1- قانون الاحوال المدنية رقم 9 لسنة 2001.

2- قانون الإقامة رقم 4 لسنة 1973.

3- قانون ايجار الاموال غير المنقولة وبيعها لغير الأردنيين رقم 47 لسنة 2006.

4- قانون تصرف الاشخاص المعنويين في الاموال المنقولة وغير المنقولة لسنة 1953 أو تعديلاته وما يتضمنه من تملك او بيع الشركات الاجنبية للعقارات في المملكة.

5- قانون الاستملاك وتعديلاته رقم 22 لسنة 1987.

6- قانون الزراعة المؤقت رقم 44 لسنة 2004 وما يتضمنه من اصدار رخص الاستيراد والتصدير ومدخلات الانتاج الزراعي الخاصة بالإقليم.

7- قانون الاستثمار المؤقت رقم 68 لسنة 2003.

8- قانون مؤسسة المناطق الحرة وتعديلاته رقم 32 لسنة 1984.

9- قانون السياحة وتعديلاته رقم 20 لسنة 1987.

10- قانون التربية والتعليم وتعديلاته رقم 3 لسنة 1994.

11- قانون الاسلحة النارية رقم 34 لسنة 1973.

12- تعليمات وانظمة الاسلحة النارية رقم 75 و58.

13- تعليمات ترخيص شركات الامن والحماية.

14- تعليمات تنظيم الملاهي العمومية لسنة 1996.

فماذا تعني التعديلات المطلوبة من اللجنة الملكية ومن مشروع الداخلية على القوانين والانظمة والتعليمات المذكورة وغيرها كما سنرى، سوى تحويل الأردن إلى ملاقط إقليمية تدمج دولة العدو الصهيوني مع البلدان العربية المشرقية عبر سلسلة من المشاريع والبنى الإقليمية التحتية، بالاضافة لتوفير الترانسفير الناعم مع ازدياد القلق الصهيوني من القنبلة الفلسطينية الديموغرافية…

ماذا يعني منح صلاحيات التجنيس والاحوال المدنية غير تغطية وظيفة الترانسفير عند إقليم الوسط مثلاً المصمم، كما يبدو لعلاقة عرضية مع الضفة الغربية.. وماذا تعني صلاحيات مجالس الأقاليم حول الاستثمار وتأجير الاراضي والاستملاك غير تغطية مشاريع البنية التحتية المشتركة مع العدو.. وماذا تعني تعليمات تنظيم الملاهي الليلية سوى تغطية وتحويل إقليم الجنوب وخاصة العقبة ووادي عربة إلى صالونات كازينو للسياحة الخليجية..وهكذا..

وبالتدقيق في كل التشريعات المطروحة للتعديل، نلاحظ انها جميعاً ذات صلة قوية بالبعد الإقليمي في معظم المواد التي تضمنتها معاهدة وادي عربة، كما سنرى، ومن ذلك مثلاً المادة 13 حول التعاون الإقليمي في النقل والطرق، والمادة 17 في التعاون السياحي والمواد 7 و 19 و 20 و21 التي تنظم المشاريع الاقتصادية المشتركة ..الخ.

من تفكيك الدولة إلى تفكيك الوطن

1- خلفية المشروع واستحقاقاته: خصخصة ـ لامركزية ـ هويات قاتلة

في الخلفية الدولية للمشروع نلاحظ انه لا يقتصر على الأردن وحده، فهو جزء من استحقاقات تحولات دولية ابتدأت من حيث انتهى تعدد المراكز العالمية (خلال حقبة الثورة الرأسمالية الصناعية الأوروبية) ونظام القطبين أيضًا بعد الانهيار السوفياتي لصالح مركز امبراطوري واحد هو المركز الأمريكي، وقد ترافق ذلك مع تحول الرأسمالية الصناعية إلى رأسمالية مالية، حيث سادت أوهام واسعة عند المحافظين الجدد بإنتاج روما جديدة وامبراطورية رومانية جديدة ولكن بأيديولوجيا يهودية، هذه المرة وليس بأيديولوجيا مسيحية.

وبتعبير المفكر اليسار العالمي (المصري) سمير أمين دخل العالم (مؤقتاً) ثنائية المركز والمحيط…

وقد عبرت أوهام المحافظين الجدد عن نفسها بتخيل مريض للعالم (مجرد ولايات رومانية تابعة تفتقر إلى قرارات السيادة بشأن الحرب والسلم والاقتصادات الكبرى.

وقد سعت هذه السياسة الرعناء المذكورة إلى تغليف شكفلها الامبريالي المتوحش الجديد بالمفهوم الدارج (العولمة) وما يستدعيه من خلط بين ثورة الاتصالات وسيولة أسواق الرساميل والبضائع وقوة العمل وبين إطلاق استراتيجية تفكيك عالمية، تحول الدول القومية والوطنية، كما تشكلت خلال حقبة الثورة الصناعية الاوروبية إلى شكل من الدول الشرطية ـ الجابية في الحقبة الامبريالية الأمريكية، وبما قاد إلى تصنيفات القاموس الأمريكي نفسه: الدول الفاشلة (التي لا تلبي الحاجات الأساسية للمواطنين بفضل سياسات البنك الدولي ورفع الدعم الحكومي للسلع والخدمات الأساسية) ثم الدولة المتهاوية التي تفتقد إلى السيطرة المركزية وتذكرنا بدورة الدول المنهار في الفلسفة الاغريقية..

أما الأدوات والذرائع التي استخدمها المحافظون الجدد لإطلاق استراتيجية التفكيك المذكورة، فأخطرها الأدوات التالية التي خرجت من وزارات التخطيط في البلدان المستهدفة حيث ترافق اسم هذه الوزارات والقائمين عليها مع الاجندة الأمريكية وخاصة وكالة التنمية الامريكية ( U. S. Aid) والبنك وصندوق النقد الدوليين:-

1- فتحت شعار الإصلاح الاقتصادي تم تفكيك القطاع العام لصالح خصخصة في خدمة المافيات المالية وليس من أجل وتائر تنمية أوسع وقد تولى ذلك رجال البنك الدولي ووكالة التنمية الأمريكية.

2- وتحت شعار الاصلاح السياسي تم تفكيك الروابط المركزية الأخرى للدول المستهدفة وذلك تحت شعار اللامركزية الإدارية.

3-وتحت شعار الإصلاح الاجتماعي، وفي مفارقة لاحظها من قبل المفكر العالمي غوندر فرانك والمفكر اليسار اللبناني، مهدي عامل، فإنه بقدر ما جرى دمج اقتصادات دول المحيط بالنظام الرأسمالي العالمي، بقدر ما تم إعادة إنتاج ما أسماه الروائي اللبناني، أمين معلوف، بالهويات القاتلة، أي الهويات الجهوية والطائفية ما قبل الرأسمالية.. ولم تخلو هذه المحاولات من إقحام الثقافات الشفهية والفرعية في هذا الهدف الشيطاني.

هذا على صعيد الاطار الدولي العام، أما على صعيد الشرق الأوسط، فلاحظنا كيف تصرف العدو الصهيوني بالمنطق الأمريكي نفسه.

فمقابل روما عالمية جديدة وولايات رومانية تابعة لها، رسم العدو لنفسه في مؤتمرات هرتسليا المتعاقبة استراتيجية مماثلة في الشرق الأوسط، سرعان ما تضاءلت تحت فشله أمام حزب الله ومعسكر الممانعة العربي والإقليمي ابتداءاً بالمقاومة العراقية وانتهاءاً بالمقاومة الفلسطينية، فراح يفكر في استراتيجية البنيلوكس الثلاثي: كونفدرالية كانتونات أردنية ـ فلسطينية ضمن تقسيم عمل إقليمي مركز (تل أبيب).

وقد كان العدو محكوماً في منطقه المذكور كما جاء في مؤتمرات هرتسليا إلى الاعتبارات التالية:-

1- القلق من استنفاذ دوره الوظيفي التقليدي، والبحث عن دور جديد.

2- القلق مما اعتبره لغماً فلسطينياً ديموغرافياً برسم الانفجار.

3- القلق مما انتهت اليه تجربة شبيهة هي تجربة النظام العنصري الاستيطاني في جنوب افريقيا.

ولذلك راح العدو يفكر في اختراع شكل جديد لأمنه يتجاوز الأمن السياسي والعسكري المباشر والاتفاقيات والمعاهدات الموقعة مع انظمة قد تتغير أو تضعف إلى أمن موضوعي، يسمح في الوقت نفسه بتصدير القلق الديموغرافي الفلسطيني إلى الأردن كما يسمح بتحويل الأردن والسلطة الفلسطينية إلى ملاقط إقليمية مع المحيط العربي، وذلك، كما سنرى عبر شكل من كونفدرالية لسلطتين أردنية وفلسطينية وليس لدولتين، ولسكان وليس لمواطنين ضمن البنيلوكس الثلاثي.

وهو ما يجعلنا نستنتج عند دراسة مشروع الأقاليم والتمعن فيه، أن هذا المشروع ولد عملياً مع معاهدة وادي عربة وما أكدت عليه من توطين اللاجئين (المادة 8) الذي ينسجم مع إقليم الوسط، كما سنرى، بالاضافة إلى بقية مواد وملاحق المعاهدة التي تتجاوز تنظيم العلاقة بين دولتين إلى التأسيس لبنية إقليمية تحتية مشتركة لإطار إقليمي واحد، وهو ما ورد أيضًا في الأوراق الأردنية المقدمة إلى القمة الاقتصادية الإقليمية في الدار البيضاء 1994.

وقد مرت هذه الاستراتيجية فيما يخص الأردن بمرحلتين:-

– تفكيك الدولة عبر الخصخصة وهدم قاعدتها الاقتصادية (القطاع العام) وقاعدتها الاجتماعية (الطبقة الوسطى) عبر الصوت الواحد ورفع الدعم الحكومي، عن السلع والخدمات الأساسية بالاضافة لتحويل الارض من قيمة وطنية إلى قيمة عقارية.

– تفكيك الوطن عبر مشروع الأقاليم وكان للعدو من وراء هذه المشاريع أكثر من هدف:-

1- هدف التخلص من القنبلة الديموغرافية الفلسطينية عبر الترانسفير الناعم مع الأردن وخاصة عبر إقليم الوسط كما سنرى.

2- تحويل الأردن إلى ملاقط إقليمية تدمج العدو في المنطقة من موقع المركز المسيطر على محيط من الكانتونات المبعثرة في الضفتين على شكل سلطتين بدون سيادة في الواقع.

وبالعودة إلى المرحلة الاولى وهي تفكيك الدولة مقدمة لتفكيك الوطن، فالأردن دولة وظيفية مركبة عوضت قانون الاندماج المدني الداخلي بروابط سياسية ـ ادارية ـ أمنية خارجية أبرزها:-

أولاً: القطاع العام ببعده الاقتصادي كبديل لغياب برجوازية وسوق على المستوى الوطني، وببعده الاجتماعي (الطبقة الوسطى) فهنا الدولة هي التي أسست المجتمع وليس العكس كما يفترض في الدول الطبيعية.

ثانياً: الجيش،

وثالثاً : الارض، ولذلك كان من أبرز استحقاقات معاهدة وادي عربة تفكيك الروابط المركزية الثلاث وتحويل الأردن من دولة إلى سلطة، وقطع تطور المجتمع نحو المواطنة والعودة به إلى عناصره البدائية كسكان، وتراجع اهمية الجيش المرادف للدولة لصالح الأمن المرادف للسلطة، وتحويل الارض من قيمة لمواطنين منتجين إلى استثمارات عقارية، فكانت النتيجة انه مقابل ثلاثية الدولة ـ الجيش ـ المواطنون، الارض، حلت ثلاثية أخرى ذات صلة باستحقاقات المعاهدة “اسرائيلياً” هي ثلاثية السلطة ـ الامن ـ السكان. وبالاحرى ثلاثية البزنس، مكافحة الارهاب والبورصات العقارية.

فالبزنس وخاصة رجالات البنك الدولي الذين تكفلوا بتفكيك القطاع العام بذريعة تحويل الأردن إلى سنغافورة الشرق الأوسط، هم حليف طبقي موضوعي للعدو، كما ان اضعاف الجيش كمؤسسة قتالية لصالح الأمن حول الأردن إلى شريك مع “اسرائيل” فيما يسمى مكافحة الارهاب.

اما مشروع تصفية الارض كمكون وطني من مكونات إقليم الدولة فيعود إلى المعركة التي فتحتها اكثر من حكومة مع الفقراء الذين يقيمون عليها (حكومة بدران ووزير داخليته عرار مع بني حسن 1983) ثم قيام وزارة الداخلية في عهد عرار بمسح جيولوجي لاراضي شرق السكة تمهيداً لتحويلها إلى مناطق للاستثمار (الرأي 21/8/1984).

وهو ما تابعه وزير الزراعة (الحمود) في عهد حكومد زيد الرفاعي بوضع نظام جديد لافراز الاراضي وتأجيرها وبيعها للشركات (الرأي 21/2/1987).

ثم جاء الغاء قانون بيع العقار للعدو رقم 30 لسنة 1973 بعد المعاهدة ثم قانون المناطق التنموية الخاصة (المادة 5) التي تسمح للمطور بامتلاك هذه الأراضي.

ويمكن ان نضيف هنا عدة قضايا ذات صلة هي:-

أولاً: ما عرف بقضية البورصات العالمية التي ادت ان لم نقل استهدفت قيام الاف الأردنيين ببيع اراضيهم وتحويلها إلى اسهم مغفلين في هذه البورصة حيث ساهمت تصريحات وزير العدل، ايمن عودة بخلق أوهام عند كثيرين عندما اكد ان حكومة الذهبي بصدد اعداد مسودة مشروع قانون لتنظيم عمل هذه البورصات (العرب اليوم 28/7/2008 فايق حجازين).

وهي ثانياً: وضع مرافق الدولة برسم البيع كما حدث هضبة دابوق والمرفقات المقامة عليها وقبلها معسكرات الجيش في الزرقاء.

وهي ثالثاً: تقليص مساحات الارض الزراعية لصالح توسيع المحميات الطبيعية.

وهي رابعاً: التحضير للتخلي عن الزراعة في المدى البعيد وفق ما جاء في تقرير اللجنة الملكية لاستراتيجية المياه الصفحات 3-5 من الفصل الخامس من التقرير الذي يشرف عليه: رائد ابو السعود ومزاحم المحيسن وخالد الايراني وماهر مطالقة.

ويلاحظ في كل ذلك ثلاثة روائح مشبوهة:-

– رائحة التوطين.

– رائحة الاستثمارات.

– رائحة الاحتياجات الإقليمية ـ الامنية والاقتصادية مع العدو وخاصة في المناطق الغورية.

هذا عن مرحلة تفكيك الدولة وتحويلها إلى سلطة حليفة للعدو بادوات طبقية جديدة من رجالات البنك الدولي، وبشعارات سياسية جديدة (مكافحة الارهاب) اما عن المرحلة الثانية وهي تفكيك الوطن فأداتها، مشروع الأقاليم وذلك وصولاً لاقامة كونفدرالية كانتونات أردنية ـ فلسطينية ضمن البنيلوكس الثلاثي مع (اسرائيل) وبما يسمح بتجاوز (اسرائيل)لخطر القنبلة الديموغرافية الفلسطينية وتمرير الترانسفير الناعم عبر إقليم (الوسط ـ الضفة الغربية) كما يسمح لها من جهة ثانية بتحويل الأردن عبر الأقاليم الأخرى إلى ملاقط إقليمية مع سورية والعراق والسعودية والشرق العربي عموماً..

وكما سبق، فالكونفدرالية المقصودة، ليست كونفدرالية بين دولتين تتمتعان بأية سيادة حقيقية(دولتان لمواطنين على أرض وطنية) بل كونفدرالية بين سلطتين لسكان على ارض تتصرف دولة العدو الصهيوني كما لو انها ارضها التاريخية التي يعيش عليها سكان عرب..

وهذا يؤكد اننا لسنا بانتظار ارتقاء السلطة الفلسطينية إلى دولة بل انحدار الدولة الأردنية إلى شكل من سلطة الحكم الذاتي حيث القرارات السيادية الكبرى لشؤون الحرب والسلم خارج اي من هاتين السلطتين.

وحيث ان المطلوب هو ان لا يبقى الأردن وطناً سياسياً لاحد لا للاردنيين ولا للفلسطينيين، من خلال الغاء هويته كدولة والغاء هويته الاجتماعية كمجتمع لمواطنين اردنيين او فلسطينيين.. وبعثرته على شكل جغرافيا وكانتونات أقاليم لسكان متناثرين لا يملكون موضوعياً الشروط الموضوعية لاية وحدة اجتماعية مركزية، لا أردنية ولا فلسطينية.

مشروع الأقاليم: الآليات والاستحقاقات

1- التوطين الناعم/ الموضوعي وإقليم الوسط خصوصاً

اذا كان إقليم الوسط، مكرساً لاقامة علاقات مع الضفة الغربية، فذلك لتمرير الترانسفير الناعم.

وهو توطين تدريجي وناعم وكامل للفلسطينيين في الأردن بدون ان تترتب عليه أية (مخاطر) على “اسرائيل” من قيام كيان سياسي بديل مما (يتطلب صهيونياً) اعادة انتاج الأردن وتحويله من دولة جغرافيا سياسية إلى نظام أمني بجغرافيا غير سياسية داخل المجال الحيوي “الاسرائيلي”، وكذلك قطع التطور المدني المركزي فيه وضرب الشروط الموضوعية لقيام مجتمع المواطنين واستبدالها بشكل من المجاميع السكانية.

وبالاضافة للمقدمات المبكرة ابتداءاً من مشاريع وادي الأردن: جوردون كلاب 1950 وجونستون ودالاس 1955، فان هذه الاستراتيجية ظلت ثابتة عند العدو الصهيوني حيث اخذت عدة خيارات، من الكونفدرالية إلى الفدرالية، وخاصة في تقارير مؤتمر هرتسليا (ميزان المناعة، الأمن القومي) الاول 2001 (البحث عن مخرج للفلسطينيين شرق النهر) والخامس 2004 الذي ناقش ثلاث خيارات: الفدرالية الثنائية والفدرالية الثلاثية مع “اسرائيل” واتحاد كانتونات اردني ـ فلسطيني. وقد كرر هذه السيناريوهات الصحافي الصهيوني غي ياخور في يديعوت احرونوت (عدد 23/9/2004).

وثمة اوساط صهيونية اخرى تتحدث عن خيارات اخطر من ذلك بما فيها تفكيك الأردن مقدمة لتصفية القضية الفلسطينية نهائياً فيه، مثل زعماء موليدت (المجد 13/5/2002) إلى زعماء الليكود من جابوتنسكي إلى شارون (العرب اليوم 18/4/2001) إلى ليفني (الغد 15/12/2008) … بل ان زعماء (عماليين) مثل باراك تبنوا هذا الخيار (السبيل عدد 364) بالاضافة لتصريحات بيريز الدائمة حول التوطين الناعم انطلاقاً من (التعاون الاقتصادي).

والاسوأ من كل ذلك المواقف الأردنية الرسمية نفسها، سواءً عبر تفكيك القطاع العام (الرابط المركزي لوحدة الدولة) وقبلها مشاريع مثل التطوير الحضري ومثل ما نصت عليه معاهدة وادي عربة صراحة في المادة 8 التي تدعو جهاراً نهاراً لتوطين اللاجئين بل ان رئيس الوزراء الأردن الاسبق علي ابو الراغب لم يجد في الحديث عن الترانسفير ما يقلقه (بترا 1/11/2002).

ومثل ذلك تأييد مسؤولين اردنيين لوثيقة جنيف ومباحثات البحر الميت بين ياسر عبد ربه ويوسي بيلين التي شطبت حق العودة نهائياً… ومن هؤلاء مروان المعشر في تصريحه لصحيفة يديعوت احرونوت (الاسرائيلية) تاريخ 12/10/2002 وتصريح اسمى خضر الناطق الرسمي باسم الحكومة (بترا والعرب اليوم 3/12/2003).

وفضلاً عن ذلك ليس صعباً ملاحظة أكثر من ظاهرة في هذا السياق، ابتداءاً بنظام افراز الاراضي وتوسيع حدود أمانة عمان ومشروع المدنية السكنية قرب عمان التي تتسع لمليون مواطن (الخيطان العرب اليوم 8/5/2008) وتطوير المفرق (منبر الأمة 13/10/2008) ومشروع ممر السلام (التنموي) وهو مجمع صناعي زراعي مركزه أريحا ويحظى بدعم البنك الدولي واليابان العرب اليوم (13/12/2008).

وهناك تساؤلات عن علاقة مطار الشونة الزراعي بذلك فمقابل دفاع وزراء المياه (رائد ابو السعود) والاشغال (علاء بطاينة) والزراعة (سعيد المصري) والنقل (سهل المجالي) عن المطار اظهرت تحقيقات ومقالات صحفية عدم الجدوى الاقتصادية للمطار مما يؤكد ما سبق وقيل عن علاقة المشروع بتصدير خضروات “اسرائيلية” ـ فلسطينية في اريحا (السجل 12/3/2009).

ومشروع مدن الزرقاء الجديدة على انقاض معسكرات الجيش وانتهاءاً بحجم الاستثمار العقاري الجنوني والذي اقترب حتى في سنة الازمة المالية (2008) من الـ 6 مليارات دينار حسب تقرير دائرة الاراضي والمساحة (العرب اليوم 12/2/2009)، مقابل مليار عام 2004 (العرب اليوم 31/1/2005).

2- البعد الإقليمي وخاصة إقليم الشمال والجنوب

بالاضافة للبعد التوطيني المذكور في سيناريوهات العدو لتفكيك الأردن وموقع إقليم الوسط، في هذه السيناريوهات، يولي العدو اهمية كبرى لبعد آخر هو البعد الإقليمي وموقعه داخل إقليم تحت سيطرته.

وهو ما يلاحظ في مواد المعاهدة والأوراق (الأردنية والاسرائيلية) المقدمة إلى مؤتمر الدار البيضاء عام 1994 وفي تقارير معهد هرتسليا ودراسة روبرت ساتلوف، مدير معهد واشنطن (الضفة الشرقية متاعب ومشكلات)1990.

فبالرغم مما يقال عن (ركود) الوظيفة الإقليمية التاريخية لهذا العدو في ضوء الحضور العسكري الامريكي المباشر وصعود قوى إقليمية جديدة مثل تركيا وايران، الا ان العدو نجح، كما يبدو، في تأمين شروط سياسية واقتصادية لمجال حيوي محدد يمتد من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية للاردن ويسعى من خلال ذلك إلى اعادة انتاج نفسه كمركز إقليمي لمجمل الشرق العربي وخاصة بعد تحطيم العراق بالعدوان الامريكي وبعد استيعاب مصر في كامب ديفيد..

وتظهر ملامح هذه الاستراتيجية الصهيونية فيما نشهده اليوم من شبكات تحتية واسعة تتعدى فلسطين والأردن إلى الاطراف العربية الاخرى وتؤمن للعدو الغطاء الدولي الذي يحتاجه لتمويل مشاريع إقليمية هي في الحقيقة مشاريع صهيونية او تخدم التمدد الصهيوني الإقليمي مثل قناة البحرين والطرق الكبرى وسكة الحديد.

وفيما يخص الأردن، تحديداً، يمكن ملاحظة هذه الاستراتيجية الصهيونية في سعي العدو لتغيير بنية الدولة ووظيفتها، من جهة، وفي عشرات المؤشرات والمعطيات والخطوات التي تبدو ترجمة لهذه الاستراتيجية وعلى رأسها، كما سنرى، مشروع الأقاليم، من جهة ثانية.

فعلى صعيد الهدف الأول للعدو، وهو تغيير بنية الدولة والكيان معاً، يلاحظ ان ثمة سيناريو يعيد انتاج الأردن على نحو ما كان عليه قبل الامارة 1921، ولكن باستحقاقات جديدة.

فقد مر الأردن قبل اعلان الامارة 1921 بنظامين اداريين مرتبطين بسورية:-

الأول: نظام عثماني مرتبط بولاية دمشق في إطار تقسيم عرضي مع فلسطين شمال الأردن مع شمال فلسطين، ووسط الأردن مع وسط فلسطين، وجنوب الأردن مع جنوب فلسطين.

والثاني: حسب القرار 22 (15/9/1919) لمجلس المديرين السوري في حكومة فيصل وبموجبه تم تقسيم سورية إلى 8 ألوية ثلاثة منها في الأردن تذكرنا بالأقاليم المقترحة: لواء الكرك ويضم الجنوب ولواء البلقاء ويضم السلط وعمان ومادبا ولواء حورن ويضم الشمال ومركزه درعا (ص85 سليمان الموسى تاريخ الأردن: القرن العشرين).

وبعد احتلال سورية من قبل الفرنسيين اثر معركة ميسلون (24/7/1920) انفجرت الألوية الأردنية إلى ثلاثة حكومات محلية (تذكرنا بالأقاليم أيضًا) وكان ذلك في آب من عام 1920 هي حكومة عجلون التي حضرت لمؤتمر ام قيس بحضور الميجر البريطاني سومرست ممثلاً لهربرت صموئيل، وحكومة السلط بحضور صموئيل نفسه، وحكومة الكرك بحضور الضابط كنغليك ممثلاً لـ صموئيل (ص 104ـ 121 الموسى) لكن الأردن سرعان ما تحول من حكومات عرضية واصلة في اطار سورية الطبيعية إلى سلطة طولانية عازلة وفق استحقاق وعد بلفور باقامة دولة يهودية طولانية على امتداد الساحل الفلسطيني.

وبعد توقيع معاهدة وادي عربة وكذلك اتفاقية اوسلو مع السلطة الفلسطينية ثمة سيناريو صهيوني لتفكيك الأردن واعادة انتاجه كما كان قبل الامارة: مناطق عرضية واصلة مع فلسطين بدلاً من دولة عمودية فاصلة، ولكن هذه المرة في اطار “اسرائيل الكبرى” وتل أبيب وليس مع سورية الكبرى وولاية دمشق.

وهو ما يجعلنا نقرأ مشروع الأقاليم في ضوء ذلك كمناطق عرضية واصلة لكل منها وظيفة “اسرائيلية”، سواء إقليم الشمال مع العراق (خط النفط) او إقليم الوسط مع الضفة الغربية (مشروع التوطين) او مشروع الجنوب (ريفيرا البحر الاحمر والسياحة والاسمدة..) وكذلك مشروع قناة البحرين…

وليس صعباً في ضوء هذا الاستنتاج تقصي كل ذلك في المظاهر التالية:-

1- كما مر سبق تركيز معظم مواد وملاحق معاهدة وادي عربة على المشاريع والتعاون الإقليمي في مجالات المياه والطاقة والطرق والاسواق وغيرها وهو ما ينسجم مع الصلاحيات المقترحة لمفوضي الأقاليم.

2- سيطرة قاموس المفاهيم والآليات والاطر الإقليمية على كل الاوراق الأردنية التي قدمت إلى المؤتمر الاقتصادي للشرق الاوسط وشمال افريقيا في الدار البيضاء عام 1994 فلم تتحدث ورقة واحدة عن مشروع اردني بدون ربطه بالمشاريع الإقليمية مع “اسرائيل” والمنطقة.

وبامكان من يعود إلى هذه الاوراق كما نشرتها جريدة “الاسواق” الأردنية في ملف خاص بتاريخ 31/10/1994 ان يجد أيضًا أساساً لكل المشاريع الأردنية (والاسرائيلية) والفلسطينية اللاحقة من قناة البحرين إلى سكة الحديد إلى مشاريع الطرق والمناطق الحرة والبنوك الإقليمية.

وبالتفصيل حول الارواق المذكورة:- في الاقتصاد عموماً حديث عن تنمية إقليمية لكل المنطقة واعتبار ذلك، كما اراد بيريز، مقدمة للسلام الشامل وليس العكس (الرفع قبل الدفع) بلغة الكباريتي، رئيس الوزراء الاسبق ومن ذلك أيضًا ورقة زياد فريز (مفهوم إقليمي للتنمية البشرية) وورقة باسل جردانة حول التعاون الإقليمي في السياحة والتجارة والمصارف بما في ذلك انشاء بنك إقليمي، واوراق اخرى تتحدث عن التعاون الاكاديمي والجامعي والصحي وعن ممرات سلام اقتصادي (اثمرت كما يبدو عن مشروع اريحا)… وبتفاصيل اخرى تنقلنا إلى تأسيس هذه الاوراق لمشروع الأقاليم، نلاحظ ما يلي:-

فيما يخص إقليم الشمال، يحتل خط كركوك ـ حيفا النفطي اهمية بالغة (الوطن العربي 31/3/2007) وجريدة الوحدة (27/8/2003). حيث نقرأ عن اهتمام امريكي ـ صهيوني مع البلدان العربية (الصديقة لاعادة احياء هذا الخط.

ويلاحظ أيضًا، اهتماماً مماثلاً باحياء سكة حديد الحجاز طولاً وعرضاً ابتداءاً من هذا الإقليم (هآرتس “الاسرائيلية” 6/6/2006).