ندوة حول المسؤولية المجتمعية

خليل نخلة وعادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1849)

عُقدت في البيرة ـ الضفة الغربية المحتلة بتاريخ 26 آذار 2009 ندوة حول موضوع “المسؤولية المجتمعية”، شارك فيها الدكتور خليل نخلة، الباحث في شؤون التنمية، وجهاد الوزير، محافظ سلطة النقد.

ونقدم في هذه النشرة:

ملاحظات من مداخلة الدكتور خليل نخلة قدمها لتحفيز النقاش حول هذا الموضع الهام.

مقالة عادل سمارة في تقييم تلك الندوة: رأس المال الخاص/التابع/الكمبرادوري … ليس تنمويا.

( *** )

ملاحظات من مداخلة الدكتور خليل نخلة

سأركز على أربعة مفاهيم والعلاقات بينها، ومن ثم سأتطرق لبعض الإستنتاجات والنماذج العملية:

1) مفهوم المسؤولية المجتمعية (تحت الإحتلال)

ضرورة إعادة إبراز بعض المبادئ الأساسية:

□ التكافل المجتمعي

□ التفاوت في توفر المصادر والموارد المالية وإمكانية السيطرة عليها

□ دور الإحتلال في تعظيم الفجوة بين الذين يتحكمون في تلك الموارد والذين يخصلون على المهارات الضرورية للوصول إلى تلك الموارد

□ دور الدعم الخارجي(ما يسمى بالدول المانحة) في زيادة الفجوة بين الغني والفقير في المجتمع

□ مسؤولية أعضاء ومؤسسات المجتمع التي تملك وتتحكم في هذه الموارد في المساهمة الفعلية (وليس الرمزية فقط) في تنمية المجتمع، وبالأساس في تمكين الطاقات البشرية من تطوير نفسها والحرص على الحفاظ عليها كجزء منتج من هذا المجتمع

□ الهجرة إلى خارج البلد، في هذه الفترة بالذات، تعمل ضد التمكين الجتمعي.

2) مفهوم التنمية

بإختصار وبدون تنظير: التنمية كما أفهما أنا من هذا المنظور هي تمكين الناس وتعزيز صمودهم على أرضهم لمقاومة الإحتلال والإنعتاق من “الحالة الكولونيالية” المفروضة عليهم. وهذا يتم من خلال توفير الوسائل الضرورية للإنتاج، بدءا بالإنتاج الزراعي من وعلى الأرض، والإنتاج الصناعي، إلخ. التركيز هنا على الإنتاج وليس الإستهلاك المستميت!

3) مفهوم المساءلة المجتمعية

هذا المفهوم ذو شقين: الشق الأول هو مساءلة الناس للشركات والمؤسسات الإقتصادية التي تجني أرباحا من الإستثمار في هذا الجزء من الوطن، بالإستكانة لمتطلبات إتفاقيات أوسلو، حول كيفية إعادة وتدوير الإستفادة من هذه الأرباح. أما الشق الثاني فهو مساءلة الشركات ذاتها للناس المستفيدين من إعادة تدوير الأرباح لكيفية الإستفادة من هذه الإستثمارات ، إلخ.

4) مفهوم “راس المال الوطني”

هذا المفهوم هو خدعة وتلاعب في الألفاظ! لا يوجد شيء كهذا: المصطلح يشير هنا إلى رأس المال الفلسطيني لتمييزه من رأس المال المصري أو الأردني أو السعودي، ولا يحمل في طياته بالضرورة قيمة وطنية تحررية مناضلة. في جميع الحالات يتبع رأس المال هذا مواصفات ومنظومة رأس المال العالمي: السعي لتعظيم الربح، بغض النظر عن الوسائل المستعملة لتحقيق ذلك ، وعدم المغامرة في الإستثمار في المجالات غير مضمونة الربح، والمحاولة للإستئثار بمناخات الإستثمار، إلخ، مما يتطلب إستغلال الأيدي العاملة، وعدم المشاركة في الأرباح، والإستعداد للتعاون مع جميع الفئات والقوى التي قد تعظم إحتمالات الربح، بما فيها قوى الإحتلال والقوى الداعمة له، التي نسعى للإنعتاق منها …

تركيزنا يجب أن يكون على تطوير مفهوم “رأس المال الملتزم”، أو إذا صح التعبير، ” رأس المال المقاوم”-بالرغم من التناقض المنطوي في مثل هذا الجمع!

بعض الإستنتاجات

سأركز هنا، كنموذج، على تطوير العنصر البشري لكوننا نردد دائما على المستوى الرسمي الشعار القائل بأن “العنصر البشري هو رافعة رئيسية للتنمية المستدامة”!

التركيز هنا على قطاع التعليم العالي

لا يوجد أي مبرر اليوم لجامعاتنا أن تلهث يوميا وشهريا وراء مصادر لدفع رواتب المدرسين والأساتذة والباحثين (إذا وجدوا!)، ولدينا عديد من الأثرياء الفلسطينيين في الداخل والخارج الذين بمقدورهم أن يتبنوا، كل على حدة، جامعة من جامعات فلسطين العامة، ويؤسسوا لها وقفية تضمن إستمراريتها إلى الأبد، وتضمن الإستثمار الفعلي في الأبحاث العلمية الضرورية.

أبدأ هنا، ولكن هذا النموج ينسحب على عدة قطاعات.

المطلوب هو ليس المساهمة الرمزية الدعائية والشكلية-كمبيوتر هنا، ومركز “أي تي” هناك، ومكتبة في مكان ثالث، إلخ. هذه مبادرات جيدة ولكن غير كافية، ولا تفي بتطبيق مبدأ “المسؤولية المجتمعية”، كما جاء أعلاه.

( *** )

رأس المال الخاص/التابع/الكمبرادوري…ليس تنمويا

والحكم الذاتي لا يمكنه التنمية حتى لو اراد

عادل سمارة

عزيزي: خليل نخلة،

استمعت لحديثك وحديث السيد جهاد الوزير، وإن كنت ألتقي معك لدرجة كبيرة، في ما طرحت، أكثر مما ألتقي مع حديث الأستاذ جهاد الوزير، الذي تحدث عن أمور تقنية أكثر منها تنموية. ورغم أن عنوان اللقاء كان عن القطاع الخاص ودوره المجتمعي، إلا أن أحداً لم يتحدث عنه، وبالتالي كان حديث السيد جهاد الوزير مثابة حديث السلطة عن أمور تتعلق بالبنوك.

وكنت أود المشاركة في النقاش ورفعت يدي مبكراً، لكن مدير الجلسة كان أكثر فصاحة مني واحتراماً للأعراف، فقد بدأ بزعماء منظمات الأنجزة، ومن ثم وزراء الحكم الذاتي ثم ممثلي شركة الاتصالات الفلسطينية ولاحقا أحد رجال البنك العربي، لا بل إن أحد وزراء الحكم الذاتي (وزير سابق) قدم محاضرة كاملة أخذت من الوقت أكثر من حديثك أنت ـ رغم كونك متحدثاً رئيسياً ـ وصال وجال في ما ابتعد عن الموضوع! يبدو أن هيبة السلطة حالت دون تجرؤ المدير على إيقاف الرجل! وتحت ضغط الوقت فهمت أن دوري سيأتي بعد انتهاء الندوة. فقلت لنفسي أما والأمر على هذا النحو فلا بأس من الكتابة في النشرة الإلكترونية حيث لا حاجة لرفع اليد طويلاً ولا لإعطاء مدير النقاش فرصة قمع مواطن (بلا وظيفة) طالما زمن الحديث بحجم المنصب حتى لو سلطة تحت الاحتلال. ناهيك أن عدد قراء “كنعان” أكثر بما لا يُقاس.

لو أردت إجمال حديث السيد جهاد الوزير لقلت أحببت فيه عدم مديح السلطة، مع انه رئيس سلطة النقد في مناطق الحكم الذاتي. صحيح أن الرجل لم ينقد السلطة، وهذا أمر مفهوم، ولكن هناك آخرون ينقدون السلطة ويجلدونها وهم أنفسهم من فعلوا ما يجلدون السلطة بشأنه. ربما حصر الرجل حديثه في الجانب التقني وكأنما يقول للناس، لا توجد لدينا سيادة، فاعفوني من العنتريات.

أما حديث صديقي خليل، فكان نقدياً وتقنياً معاً، وكان في التنمية وموجباتها ومستحقاتها. لكن المهم أن خليل قدم مفاتيح نقدية كثيرة منهجياً وحتى ميدانياً ومقاوماتياً. لكن ما فاجأني أن المداخِلين بعدهما، لم يتحدثوا عن هذه المفاتيح، (اللهم إلا إذا تحدث أحد بعد خروجي وقد مضى على الندوة ساعة ونصف).

لست هنا بصدد إعادة ما قيل، لكنني أود الإشارة إلى الأمور التالية:

أولاً:آن الأوان لنا نحن الفلسطينيين أن نواجه أنفسنا بوضوح حتى في تعريف أنفسنا. فقد استخدم كثيرون من المتحدثين كلمة فلسطين بقصد الضفة والقطاع، واعتقد أن هذا أمر خطير لأنه يعني بالضرورة أن المحتل عام 1967 وكافة المستوطنات في الضفة الغربية وعلى حدود القطاع وحتى آخر بيت أُغتصب في سلوان (من ضواحي القدس) هي إسرائيل! علينا تعديل انفسنا أو كما قال الشاعر الإيراني حافظ الشيرازي: إذا نظرت إلى المرآة ورايت قبح وجهك، فلا تكسر المرآة بل عدِّل وجهك.

ثانياً:ذكرت أعلاه الحكم الذاتي والسيادة ليس بقصد السخرية ولكن لأن النقاش كان في التنمية (ما طرحه خليل على الأقل) مما أوجب القطع بأن التنمية في ظل الاحتلال مستحيلة، وأعتقد أن ما هو ممكن هو التنمية بالحماية الشعبية اي بعيداً عن السلطة. كنت سأقول ان التنمية لا يمكن ان تكون فردية أو شركاتية أو قطاعية أو طبقية، بل شاملة، قبل أن تكون مستدامة، ولا تستديم إلا إذا كانت شاملة، ولذا، لا توجد في المناطق المحتلة تنمية بقرار ذاتي سلطوي تحديداَ. بل إن مؤسسات سلطة الحكم الذاتي على تكاثرها تخلو من مؤسسة هي عماد التنمية إن كان ذلك سهلا تجاه العدو أو مقبولا عن الكمبرادور، وأقصد مؤسسة تخطيط وتنمية. كان هذا حلم صديقي د. مفيد قسوم الذي جاء إلى البلاد حالماً بهذا فطاردته وطردته مؤسسات أكاديمية وترجماتية وما لبث إن عاد إلى أميركا لاجئاً.

ورغم أن عنوان دعوة الندوة عن القطاع الخاص ودوره المجتمعي إلا أن أحداً لم يأت ليتحدث عن هذا القطاع المدلل. فهو قطاع أوصى به البنك الدولي أكثر مما أوصى الرسول بالجار! وقد أوضح خليل نخلة أن تسمية راس المال الوطني ليست دقيقة بل ليست صحيحة! وهذا أمر في غاية الأهمية لأن راس المال لا يتبرع بالعمل في مناطق الخطر قط إلا إذا كان احتمال الربح خيالياً. وهذا ما يحصل أحياناً في الأرض المحتلة. فأرباح شركة أو مجموعة الاتصالات هائلة، تتقاضى من أعلى إن لم نقل أعلى رسوم خدمات هاتف في العالم من شعب هو الأفقر! وقد حظيت الشركة في الجلسة بمتحدثتين من بناتها تحدثتا مدائح للشركة وليس قراءة علمية اقتصادية لدور القطاع الخاص. ووزعتا كراساً جميل الطباعة مفروز الألوان دعاية للشركة، وأين في جلسة للنقد!!!

كنت سأقول إن ما أعرفه أن شركة الاتصالات الفلسطينية بدأت بامتياز من شركة بيزك الصهيونية. ولا أعتقد أنها تجاوزت هذا الارتباط[1].

تحدث السيد جهاد الوزير عن افتتاح مكتب تظلُّمات، وهذا أمر جيد، وكنت سوف اسأل: هل يمكننا التظلُّم من الفاسدين الذين سرقوا أموال الشعب وبالتالي جلبهم للمحاسبة؟ وهل يمكننا التظلم من رجال أعمال فلسطينيين هم الذين أخذوا امتياز شركاتهم برسوم ضئيلة بمعنى إعادة تقدير هذه الرسوم ووضع ما يتم استخلاصه لصندوق تشغيل يكون اساساً لقطاع عام؟ أم عفى الله عما مضى. الله يعفو، لكن نحن بشر!

وكنت سوف اسأل: أليس من حق شعبنا أن يتظلَّم من رجال الأعمال الذين شكلوا منذ عامين وأكثر مجلس أعمال مشترك إسرائيلي فلسطيني، اي شراكة مع العدو[2]! فهل هذه الخدمة المجتمعية لراس المال الذي يستغل المواطنين ويطبِّع مع العدو!

تحدث السيد جهاد الوزير عن أن البنوك كثيراً ما أصابت المواطنين بإجحافات في الماضي، وأن سلطة النقد تحاسب الآن على الإجحافات، وهذا جميل، فهل كانت إدارات البنوك تجهل ما تفعل في السابق؟ بالطبع لا. فلماذا لا تُحاسب بأثر رجعي؟

كنت سوف اسأل: إذا كان الحديث عن التنمية جدياً لدى السلطة الفلسطينية، فلماذا لا يتم تكوين قطاع عام، فهو على الأقل اقرب إلى التنمية من القطاع الخاص، الذي هو نقيضها. بالطبع هناك من يخلطون بين القطاع الحكومي كوظائف الوزارات وبين القطاع العام.

لقد ذهب خليل نخلة بعيداً في حديثه عن راس المال مطالباً إياه بأن يكون مقاوِماً، وكنت سوف اسأل: هل كبار الراسماليين المحليين الذين تشاركوا مع راس المال الإسرائيلي يمارسون بذلك المقاومة؟ أم أن خليل نخلة في واد وهؤلاء في وديان أخرى، والناس نيام!

وهل راس المال المحلي الذي اقام مؤتمر بيت لحم للاستثمار كاستعراض شكلاني، وجلب أثرياء عرباً، هو راسمال وسلطة مقاومة، أم راس تطبيعي. إذا كانت هذه مقاومة فما اسهلها وما أكثر دفئها في هذا الشتاء!

لقد ركز خليل نخلة على وجوب قيام راس المال بالاستثمار في الصناعة والزراعة، أي وجوب أن يكون رأس المال هذا إنتاجياً. فهل هذا متوفر، بالطبع لا.

ملاحظة:

حين خروجي تحدث معي السيد صبري صيدم:

قال: قرأت مقالتك عن القدس عاصمة الثقافة العربية، وأعتقد أن فيها تجنِّ.

قلت: ربما يا سيدي، ولكن لا استطيع أن افهم ان أمة من 300 مليون عاصمتها تحت الاحتلال وتحتفل بهذه العاصمة! لا يمكنني تفهم مجيء اي عربي مختوم بخاتم الاحتلال لأن هذا اعتبار الكيان كدولة عربية.

قال: الحديث يطول في هذه الأمور.

قلت : لا باس، سلامات.


[1] ربما كتبتها سابقا، فقد عُرض عليّ عام 1991، اي بعد تدمير العراق وبعد مؤتمر مدريد أن اعمل مديرا لمركز دراسات الجدوى لشركة الاتصالات الفلسطينية هذه وكان ذلك في مقهى النوتردام على الحد الفاصل بين قدسينا (الشرقية والغربية) بحضور الاستاذ روميل سوداح استاذ الاقتصاد بجامعة بيت لحم، ورفضت لأن هذه الشركة ستكون بامتياز من بيزك الإسرائيلية. ولمعرفة اسماء من أرادوا ذلك يمكن استئمان صدقية الاستاذ روميل.

[2] حول هذه الفئة أنظر مجلة “كنعان” العدد 130 كانو أول 2006 ، مقالة عادل سمارة “ليس اقتصادهم بالمعجزة وليس اقتصادنا بعاجز”، ص 52، والمقال من ص 42 إلى 56. وكذلك ملاحظة 15 في المقال نفسه.

وكتاب “الاقتصاد السياسي للصهيونية من المعجزة الى الوظيفية”، عادل سمارة 2008 ص 180، منشورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية ، رام الله.