عالم مزدحم بالاسلحة !

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1852)

“ما اغتنى غني الا بفقر فقير”

الامام علي

تصادم بارجتين نوويتين، فرنسية وبريطانية في المياه الدولية. حدث ذلك قبل اسبوعين فقط. والبارحة مشاحنات بين قطع من الاسطول البحري الامريكي مع البحرية الصينية امام المياه الاقليمية الصينية.

دروع صاروخية امريكية تحت مظلة الناتو تتسابق مع الزمن للانتشار على طول الطريق الفاصل بين اوروبا الشرقية والغربية وتحديدا لمحاصرة روسيا وعمقها الاسيوي. وهناك طموح امبراطوري لجعلها سدا عسكريا بين الشمال والجنوب.

شركات انتاج السلاح الغربية الاحتكارية مثل شقيقاتها النفطية هي الوحيدة التي لا تحتاج لمن يساعدها في تجاوز تداعيات ازمة الكساد والانكماش التي يعاني منها الاقتصاد العالمي برمته، فالطلب على السلاح متواصل بل يزداد تنوعا وسوقه لن تبور طالما هناك اجيال جديدة من اسلحة قديمة لم تستخدم بعد وطالما هناك مراكز بحوث ومختبرات تجريبية لانتاج تصاميم جديدة لاسلحة جديدة تستثمر الاختراعات المستحدثة في كافة الميدان، اكثر من 65 % من السلاح الفعال تنتجه امريكا وكندا واسرائيل ودول اوروبا الغربية واستراليا، وحوالي 30 % منه تنتجه روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا، و5% تنتجه الدول المقلدة، اي الدول التي تحاكي ما ينتج بجهود نصفها محلي ونصفها الاخر يعتمد على السوق السوداء كباكستان وتركيا وايران وكوريا الشمالية، مع ان بعضها يحصل على جرعات تقليدية من الاسلحة عبر قنوات العلاقات الاستراتيجية مع الدول الكبرى المنتجة للاسلحة والمتنافسة على مراكز النفوذ في العالم، كعضوية الناتو او الاتفاقات الدفاعية الثنائية او عبر الشراء التقليدي بواسطة مكاتب ومعارض تسويق الاسلحة!

لقد تم تخصيص 700 مليون دولار من ميزانية الصين للعام القادم للشؤون العسكرية والدفاعية، واغلب الدول الغربية وعلى راسها امريكا تحاول الموازنة بين زيادة عوائد بيع الاسلحة مع تزايد حاجتها للحفاظ على مخصصات ميزانياتها العسكرية، كاحد اساليب التعاطي مع تداعيات الازمة المالية الطاحنة. فرغم محاولات الادارة الامريكية الجديدة للحد من النزف المالي المكلف للحروب الامريكية والغربية في العراق وافغانستان لكنها لا تستطيع تقليص حجم الميزانية الاصلية الخاصة بالبنتاغون والتطوير النوعي للاسلحة الاستراتيجية، مما يجعلها تعول كثيرا على سياسة ـ التمويل الخلاق ـ اي من مضاعفة ضرائب بيع الاسلحة يتم تعويض الحاجة لمزيد من التمويل العسكري، والملاحظ ان امريكا واوربا الغربية تركز حاليا على منطق البرغماتية الاقتصادية التي ستتوائم حتما مع منطق الضرورات تبيح المحذورات ـ صدور قانون امريكي جديد يبيح اجراء تجارب كانت ممنوعة بصدد الخلايا الجذعية والاستنساخ، تخصيصات اضافية لبحوث الطاقة والسيارات والاتصالات الفضائية ـ !

الكساد والانكماش والتعثر الاقتصادي يؤدي الى ازمات متشعبة، وآليات الانظمة الامبريالية تنزع نحو العسكرة والحروب للفرار من الانسدادات القائمة، بمعزل عن الحسابات الاخلاقية والانسانية، فقوانين السوق لا ترحم ومن يقف بوجهها، الويل كل الويل له من المستفيدين منها!

اشعال حروب اقليمية لتصريف تخمة التسلح وطلب المزيد لتدور عجلة الانتاج والتصريف والارباح، هو احد الاساليب المتاحة والتي سنجد ترجمتها شاخصة، على شكل حروب داخلية او اقليمية، وما نلمسه اليوم من تكريس لسياسة التسليح المبالغ فيه عند دول الخليج التي ولاسباب ديمغرافية لا تستوعب كل هذا الكم لاسيما وانها تعج بالقواعد العسكرية الامريكية، وكل هذا بفزاعة الخطر الايراني القادم، دليل على انهم بسياسة تسمين الاخطار وملاعبتها مثلا تكمن سياسات تصريف لازمات اخرى ليس لها علاقة بالاقليم كله!

العلاقة بين النفط والحروب والتسلح والهيمنة واستنزاف العوائد لتعود مكررة صافية، كما في النفط الى جيوب الكارتلات الغربية المندمجة في الطغم المالية المتحكمة بالواجهات السياسية في دولها، هي علاقة جدلية سبغت علاقات العالم ببعضه منذ ازمات ما قبل الحرب العالمية الاولى والثانية وما تلتها في متنفس الحرب الباردة والان في الحروب المحدودة!

قوات انتشار سريع، قواعد ثابتة ومتحركة حول العالم، تسابق منفلت للتسلح مع جهد موازي لاحتكاره تغذية للنزاعات المزمنة حول العالم كمشكلة الدولة العنصرية المدعومة غربيا في اسرائيل، ومن جانب اخر مجاعات متزايدة، بطالة، وامراض مستعصية، مشاكل حقيقية في البيئة والمناخ، والمهيمنين على مجلس الامن الدولي يشيعون الاستبداد والاستهتار بحقوق الانسان والسلم العالمي.

هذه الصورة ليست متشائمة انها صورة للواقع من خارجه، تعكس حالة الارهاب الذي تسببه الدول الامبريالية للعالم والتي تتشدق بالديمقراطية الكاذبة، ديمقراطية انتخابية تخضع لشروط المال السياسي وماكنة الاعلام المسيرة. نعم هناك مكاسب لشعوب البلدان الامبريالية ولكنها على حساب شعوب العالم اجمع، وحالة الاستقرار والحريات الشخصية والقانونية التي فاقت باشواط بعيدة ما متوفر منها في البلدان الاخرى لا تعكس كل الحقيقة التي في هذه البلدان. فالتمايز الطبقي على اشده وكذلك العنصري والجنسي. تخيلوا ان الاحتكارات بفتات من ارباحها الفاحشة استطاعت ان تضمن حالة مستقرة في الحد الادنى من الضمان والخدمات العامة وبدرجات متفاوتة لكافة مواطنيها، وهذا ليس بمنة منها بل هو نتيجة لمطالبات تلك الشعوب اضافة الى انه يصب بمصلحتها ولا يكلفها الا نسب محدودة مما تحتكره من سلطة وملكية وارباح، ليفعل الفرد ما يريد بنفسه، ليغير جنسه، ليغير مسكنه، ليغير وظيفته، ليغير تعليمه، ليغير دينه، ليقول ما يريد، ليسافر حيث يريد، ليختار من يريد من المرشحين، ليسكر، ليدمن، ليشتري ويبيع كل ما يمكن ان يشترى او يباع، ولكن عليه فقط ان لا يخرق قوانين السوق، وبالتالي قوانين الدولة. فاذا خرقها كفرد سيحاسب ولهذا هناك سجون خفيفة وثقيلة وهناك غرامات وهناك اعدامات قد يحل محلها تماما حكم السجن المؤبد، طالما ان الامر ليس بخطر على النظام، وهو لا يتعدى الافراد، ولكن ان يطالب العمال مثلا وعبر نقاباتهم بحقوق اضافية كتقليص ساعات العمل مثلا او زيادة الاجور، فان الامر مختلف، الضرب والسحل واطلاق النار، سيكون هو الرد.

وانا هنا لا اتكلم عن مطلع القرن العشرين حيث اضرابات عاملات النسيج في امريكا يوم 8 اذار والتي راح ضحيته اعداد منهن وعليه اختارت الحركة العمالية والنسوية الاشتراكية هذا اليوم لجعله يوما عالميا للمراة، ولا عن اضرابات عمال شيكاغو في الاول من ايار ابان خواتيم القرن التاسع عشر، والذي ايضا اعتبر لاحقا يوما عالميا للعمال، وانما اتكلم عن العقد ما قبل الاخير من القرن العشرين عن اضرابات عمال مناجم الفحم في بريطانيا ايام حكم مارغريت تاتشر، تذكروا او راجعوا ما حصل لعمال ارق واعرق ديمقراطية في العالم، كانت تاتشر ارهابية من طراز اول، نعم لا رحمة ولا انسانية ازاء النيل من المصالح الباذخة للاحتكارات، داخل بلدانها وخارجها، انها ديمقراطية فقط عندما لا يوجد خطر ما على مصالحها، ولكن ستكون اشد بشاعة من طالبان اذا تعلق الامر بمصالحها!

الراسمالية الاحتكارية ذاتها هي اكثر حرصا من غيرها على فتح ابواب الهجرة للباحثين عن عمل او فرص لبيع عقولهم واختراعاتهم، وهي تعتبر هذا مجالا مربحا للاستثمار في البشر، خاصة وان الغربيين عموما ونتيجة للطابع الفردي الصرف المشاع فيه، لا يحبذون الولادات المكررة، بمعنى ان هناك حاجة موضوعية للدول الغربية في زيادة كبيرة لاعداد الجيش الاحتياطي للعمل، بل ان اغلب القنصليات الثقافية الامريكية وحول العالم تمنح تسهيلات ومساعدات واغراءات للمتفوقين والنابغين للمجيء الى امريكا والدراسة والعمل فيها واخذ جنسيتها!

ارباح الاحتكارات الراسمالية قادرة على التكفل والارتقاء بكل شعوب العالم غذائيا وصحيا وتعليميا ورفاها، وحل مشاكلها المستعصية، لكنها لا تفعل، بل ان شقاء وجوع ومرض وتخلف وجهل اغلبية شعوب العالم يعود وفي جوهره الى السياسات الاحتكارية والاستغلالية لهذه الطغم التي لا تتجاوز نسبتها 5% من مجموع سكان الدول الغربية واليابان واستراليا، فكلما زادت ارباح هذه الاحتكارات كلما زاد جوع ومرض شعوب البلدان النائمة.

اتذكر هنا المقولة الفذة للامام علي “ما اغتنى غني الا بفقر فقير “!

على هامش السيرة : البارحة شاهدت في برنامج حول العالم الذي تبثه الجزيرة فتاة امريكية عمرها 26 سنة تدرس الحقوق وهي جميلة وذكية، وتحاول الحصول على اي عمل ممكن، وطيلة 6 اشهر دون نتيجة، حتى انها انفقت كل مدخراتها بدفع ايجار شقتها، وحتى لا تضطر لترك دراستها، راحت تعرض نفسها على مركز يشتري بيوض النساء بعد التاكد من السلامة الجينية، وفعلا باعت واحدة بعد اسبوعين من الفحوصات المزعجة، وقبضت 7000 دولار، وقالت اذا اضطررت مجددا سابيع واحدة اخرى!

في زحمة السلاح ولخمة العيش، والفضاءات المفتوحة، والحاجات التي تستوجب الاختراعات ستكون كل الاحتمالات مفتوحة!