لاهوت للتحرير ولاهوت لخدمة رأس المال والاستعمار والصهينة (الحلقة الاولى)

محمود جلبوط

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1852)

لسنا بصدد الخوض التفصيلي في علم الكهنوت ولا ندّّعيه، ولا هي في عجالتها بحث فلسفي لقضية وجود الإله من عدمه ولا مقتضيات الإيمان الفطري والحاجة له كتوازن نفسي وهدوء روحي يتطلع إليه الناس صبوا للخالق وتفكرا بالكون حفاظا عليه من شجع أصحاب رأس المال بعد ما آلى إليهم ملكيته في ظروف تاريخية قاهرة من مسيرة الملكية الخاصّة للثروة ووسائل إنتاجها عبر صراع مرير أضفى على التاريخ آلاما وقهرا ودماءا واغترابا واستعبادا.

سنحاول قدر المستطاع الاجتهاد إلى جانب جهد من سبقنا من الكتاب الآخرين في رصد كيف يصير اللاهوت أحيانا في خدمة رأس المال وسيطرته وتغطية جرائمه عبرالترسيخ في وعي رعاياها تأبيد الفقر والظلم كقضاء وقدر، كيف تتحول محاريب أماكن العبادة إلى مؤامرات سياسية شريرة للتلاعب بمشاعر العامة حسب أهواء رأس المال، إلى سرقة للوعي أو تضليله، وكيف يصنع منه آخرون آمنوا بقضايا الناس المظلومين لاهوتا للتحرير.

في مقاربة مديدة، من الماضي مطلع الاستعمار القديم وحملات التبشير التي مهدت له لفرض مثله العنصرية على الشعوب منذ القافلة الأولى للمستكشفين الأوائل لما سمّوه “العالم الجديد” وشبقهم لامتلاكه دون الاعتراف لسكانه الأصليين الذين عمروه آلاف السنين بأي حق فيه، ولأنهم رفضوا تسليمه لهم طوعا أوسعوهم قتلا وحرقا ثم أعلنوا بعد ذلك انتصارهم وتفوقهم عليهم وانبرت مؤسساتهم الدينية تبرر ما اقترفوا وتلصقه بالله باستخفاف كأنه لم يكن مناص منه لأن الله حباهم ووعدهم بأرض الذهب والعسل باعتبارهم شعبه المختار أما السكان الأصليون فلا حول ولا قوة لهم عليهم أن يرضوا بنصيبهم هذا فهم ليس إلاّ همج “غويم”، متخلفون وثنيون كفاّر.

ومن الحاضر بدءا باستعمار فلسطين ولاحقا حقول النفط العراقية والعربية في مجمل منطقة الخليج.

يجرى كل ذلك برعاية لاهوت استعماري وبعناية شديدة ومدروسة لتغييب العقل في سبيل تمويه واستبدال التناقض التاريخي والحقيقي للبشر، الصراع الطبقي : محرك التاريخ على مرّ وجود البشر وتواجدهم، في محاولة مستميتة لفصل المركزية الأوربية البيضاء فصلا تعسفيا عن التاريخ وشرطه الإنساني والموضوعي، ولتغطية جرائمها بحق الأعراق البشرية الأخرى عن سابق إصرار وترصّد، شعوب بأكملها نفقت على طريق تداول امبراطورياتها العنصرية لنهب الأرض والذهب والنفط. منذ إسبانيا والبرتغال، والنمسا وهولاندا، ثم فرنسا وانكلترا ولغاية أمريكا.

تمهيد

لأن الأيديولوجيا تلعب دورا هاما في تكوين ثقافة الشخصية وبناء الخلفية الفكرية للتشكيلات الاجتماعية ومخيالها الجمعي يمارسها السياسيون، بل نكاد أن نجزم وبالرغم من عناد البعض وإصراره حول إمكانية فصل النشاط السياسي الجمعي عن الأيديولوجيا، أنه لا يوجد بالإمكان سياسة دون ممارسة أيديولوجية ما من قبل السياسيين، ولسان حالنا يكاد يقول أن ترويج هذه الدعوة بحد ذاته ممارسة أيديولوجية تهدف إلى التحريض ضد الممارسة الأيديولوجية الثورية، على الرغم من الإقرار بالخطورة الناجمة عن القرارات المنوطة بها إذا ما اتخذت طابع الحتمية والقطعية.

وخطورة الثيولوجيا من بين الأيديولوجيات الأخرى هي بما تمتاز وتحظى به من سطوة على الوعي الشعبي العام لما تملكه من تأثير على الرعايا والمريدين كونها مرجعية خارج إرادات البشر، لهذا فإنه لمن الخطورة بمكان تسييسها في الحياة الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم سعي الملوك والأمراء والرؤساء أصحاب الحكم والقرار أن يكون في حاشيتهم وبلاطهم ( والصحف والفضائية جزء من هذا البلاط) رجال دين يفتون للرعية بما يأمر به الأمير بالبحث له عن سند مما يجدونه في النص الديني من آيات أو أحاديث، بالمثل أو بالقياس عليه، وهي كثيرة جدا، لتسويغ ما يقوم به أولي الأمر بل تقديمه للعامة على أنه قضاء وقدر ولابد للرعية من تنفيذه. فطاعة الأمير من طاعة الله. وبما أن ما وجدوه من سند من عند الله يصبح من العسير الاعتراض عليه وتغييره على اعتبار أن هذا مخالف للشريعة ولتعاليم الدين.

لكن لابد من التنويه في هذا الصدد بعدم الاستنتاج بان الدين منحاز للأمير على طول الخط أو أنه منحاز لهذه المجموعة أو تلك، فهو يشكل مرجعية واحدة لكلا الجماعتين وكلاهما غرفتا من نفس المعين لإسناد حجتها، ولكن عندما وجدت كل منهما في المعين ما يؤيد وجهة نظرها شدت كل الإناء إلى حجرها وانبرت تكفر الفئة الأخرى الضالة علّها تفيء إلى أمر الله بناءا على أجندة تتبناها لخدمة أهدافها. فالنص الديني حمال أوجه عند البعض، وباطن وظاهر عند البعض الآخر. فكثيرا ما نفى هذا البعض، وبالاستناد على النص الديني نفسه، صفة الإجرام عن الطغاة اللذين يسوقون الرعية العذاب، ولا يرون في الغزاة غزاة ولا بالمستعمرين أعداء، بل الأنكى أنهم يجدون في النص ما يسوّق لحروبهم الاستعمارية وينبرون لتمويل غزواته ماليا، ويدعون للسلام معهم. ومن ناحية أخرى، وبشهادة النص نفسه، تجاهد جماعة للوقوف في وجه الظلم والطغيان والمستعمرين وتتبنى قضايا الفقراء والمظلومين. فهل نحن في هذه الحالة أمام لاهوت واحد أم لاهوتين؟ أمة واحدة أم أمتين؟ بلى والله هناك لاهوتان : لاهوت للتحرير ولاهوت لخدمة رأس المال، ونحن أمتان : أمة الفقراء المحرومين والمقاومين من ناحية، وأمة رأس المال والكولونيال من ناحية أخرى.

(1)

كيف استخدم رأس المال الثيولوجيا اليهودية؟

ربما لا نضيف شيئا سوى من باب التذكير على الكثير مما نشر من دراسات وأبحاث وآراء حول كيفية استخدام المستعمرين الغربيين للثيولوجيا اليهودية منذ العهود الأولى لتوسعهم بل تمتد إلى ما قبل هذا بكثير، واعتمد ذلك على مخيال يهودي جمعي بسبب الاضطهادات التي تعرضوا لها في أوربا. والذاكرة مفعمة بالشخصية اليهودية التي تحملت وزر ما كان يقوم به قلة من المرابين اليهود اللذين شكلوا الطلائع الأولى للطغمة المالية العالمية قبل أن ينزع هذا المال للاستثمار ثم للتصهين. فلقد كانت الصورة السابقة التي رسمتها العقلية الأوربية عن اليهودي هي شخصية المرابي شارلوك في رواية “تاجر البندقية” التي بررت لكل الممارسات العنصرية ضد اليهود، ولكن وبعد التحولات الاجتماعية التي مهدت لبروز هيمنة رأس المال عمت أوربا عاصفة طويلة من الصراعات الدينية سعت لإصلاح اللاهوت فيها فانبرى قسم كبير منها في إعادة ركائزه إلى الأصول اليهودية الأولى. ساد تعبير “إعادة إحياء السامية” التي دعت للتعاطف مع اليهود والتكفير عن الفترة التي تعرضوا فيها في أوربا للاضطهاد و قبول كل التفسير اليهودي للعهد القديم واعتبرت أساطيره تاريخا وأصبح التوراة كلمة الله المعصومة بل راح القداس يقرأ باللغة العبرية وصارت العبرية نسيجا أساسيا في الحياة اليومية للناس للدرجة التي وٍُصفت فيها بريطانيا في عهد كرومويل (1649ـ 1658) “بإسرائيل البريطانية” و”صهيون الانكليزية” بل وصفت بعض الفئات نفسها “بأبناء إسرائيل”. فتصهين تيار واسع من المسيحية وراحت تنشد “الأنشودة الصهيونية” (يقول كينين في كتابه “خط الدفاع الإسرائيلي” وهو من أبرز الصهاينة الأمريكيين: “كانت الحركة الصهيونية أنشودة المسيحية قبل أن تصبح حركة سياسية يهودية”).

وانبثق مابات يعرف المسيحية الصهيونية (لم يكن لهذا التوجه أي صدى يذكر على التجمعات المسيحية في المنطقة العربية التي لم تتحمل لا هي ولا المسلمون وزر أي اضطهاد لليهود اللهم إلا إذا اعتبرنا عمالة فئات من حزب الكتائب والقوات اللبنانية ذي التابعية المارونية لإسرائيل ومواقف البطريرك المؤيدة دائما للسياسات الأمريكية وتنسيقه المشترك معها تصب في هذا التوجه) التي راحت تدعو لعودة اليهود إلى فلسطين “أرض الميعاد” لإقامة دولتهم للتعجيل في الظهور الثاني للمسيح وصار هذا معلما من معالم المسيحية البروتستانتية التي انطلقت في بريطانيا قبل أن تعبر إلى أمريكا (كيف لا وقد قال ويبر أن كلاّ من اليهودية والبروتستانتية تقفان في صف الرأسمالية)، ودأب مارتن لوثر في ألمانيا في صهينة المسيحية كمؤسس للمذهب االبروتستانتي هناك داعيا إلى عودة اليهود إلى “أرض الميعاد” ودعم إقامة دولتهم (قبل انقلابه عليهم)، لكن هذه الدعوات الاصلاحية التي مهدت الأرض لانطلاق الحروب الصليبية على المنطقة العربية والإسلامية وكسب ودّ أموال اليهود المكدسّة لم تمنع عنهم اضطهادهم المستمر فانتشر في الغرب مابات يعرف ب”المسألة اليهودية”، واضطهدوا ولوحقوا وحوصروا حتى وصل أوج ذلك بحرقهم من قبل الفاشية والنازية ثم راح بعد ذلك الرأسمال الغربي والصهيوني يتباكون على الضحايا فتحالفا معا ليصنعا منها، منذ الفجر الأول للمرحلة الكولونيالية، ثيولوجيا صهيونية وظفوها في أطماعهم الاستعمارية لاحتلال منابع النفط وطرق إمداده ونهب فائض القيمة ليس فقط من المنطقة العربية بل من العالم أجمع (ولم يكن نابليون بونابرت هو الوحيد الذي تنبه لأهمية استخدام اليهود لوظيفة استعمارية خلال حملته على مصر وفلسطين ولم يكن بالطبع الأخير)، ومهدا لذلك بتفتيت المنطقة بالتعاون مع بعض العرب اللّذين تصهينوا ليصبحوا فيما بعد كولونيالات لهم، وطرد الفلسطينيون من بلادهم لإقامة الكيان الاشكنازي الاستيطاني العنصري الذي راح منذ تأسيسه ينهج سياسة الحرق ضد ما تطاله يده من العرب ليثبت للرأسمال الغربي بأنه يملك ذاكرة مكوية وأنه جدير بالوظيفة التي أقيم من أجلها.

ولا يمكن إدراك المدى الذي وصل إليه استغلال الثيولوجيا اليهودية من قبل الغرب منذ البواكير الأولى لسرقة المسيحية من قبل الغرب سوى بمتابعة الدور الكبير الذي لعبته وما زالت الوكالة اليهودية والمنظمات التابعة لها من إيباك وغيرها وبالتعاضد مع المؤسسات الكنسية المسيحية البروتستانتية وغيرها لخدمة رأس المال.

إن ما تقوم به المؤسسات اللاهوتية الغربية اليوم من مصادرة للآراء المخالفة للشخصيات الثقافية والأدبية و السياسة ولرجال كهنوت كنسيين ويهود، وكم أفواههم بل إقالتهم أحيانا، وربما تخلع عنهم الصفة الكهنوتية أو قتلهم منتحرين، لأنهم تجرؤوا وشككوا بالقليل القليل من الأباطيل، ليس إلاّ سعيا لجعل الرؤية الغربية المركزية والصهيونية هي المرجعية الوحيدة لذاكرة الشعوب والتاريخ البشري، فتصبح آلام اليهود تابو لا يقبل المساس به ويصبح الهلوكست اليهودي تقويما جديدا يقاس التاريخ البشري نسبة إليه : ما قبل وما بعد الهولوكست لأن طغمة قليلة منهم تسيطرعلى امبراطورية المال والإعلام العالمية، وتصبح “إسرائيل” الابنة المدللة لرأس المال المركزي والكولونيالي يتراكضون لتلبية طلباتها ويهددون الكون كله بالفناء كرمال خاطر نظرة من عيون وزيرة خارجيتها.

من المفيد هنا التشديد لكي لا يساء فهمنا، أنه لا ينبغي التخفيف من خطورة ما جرى بحق اليهود من مذابح ومظالم، حرقا في هولوكست أو غيره على أيدي الأوربين والصهيونيين بل ينبغي التأكيد على ذلك، ولكنه ينبغي ألا يغيب عن بال أحد رغم كل دموع التماسيح التي يذرفها رأس المال الصهيوني أن المشكل اليهودي واضطهاد اليهود ومذابح لليهود جرى هناك في أوربا، ولذلك ينبغي على أوربا أن تتحمل وزر اضطهادهم وظلمهم وعليها أن تبحث لديها وفي أراضيها لهم عن خلاص ووطن وعلى حسابها. ومن نافل القول التذكير أن اليهود العرب قبل ما يسمى “إسرائيل” قد عاشوا في بلادهم حتى في فلسطين نفسها معززين مكرمين مواطنين عاديين متآلفين مع إخوانهم مسيحيين ومسلمين، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإذا ما كانوا قد تعرضوا إلى ما تعرضوا له من ظلم ظلم أو اضطهاد ما من قبل سلطات رأس المال الكمبرادوري انخراطا مع الامبريالي لتهجيرهم إلى الكيان الصهيوني أو أنها كانت بالشراكة مع المواطنين الآخرين. ونكاد نؤكد أن المنطقة العربية لم تشهد قبل قيام الكيان الاشكنازي العنصري الغريب مشكلة يهودية أو مسألة يهودية كتلك التي كانت سائدة في أوربا. وبالعودة للتاريخ الإسلامي سيتبين أن العديد من اليهود والمسيحيين العرب وصلوا إلى مراتب عليا في سدنة السلطة خلال الحكم الإسلامي، بل أن سكان هذه المنطقة من عرب وغير عرب، مسيحيين ومسلمين ويهود قد تعرضوا لمذابح مشتركة وسوية من الإفرنجي الغربي على مدار التاريخ منذ الفجر الأول لهجومهم الاستعماري، في الأندلس، والحروب الصليبية في مصر وبلاد الشام وحتى اليوم.

ولا نرى من الحكمة في شيء عدم الاعتراف بحدوث مذابح لليهود على يد الأوربيين في أوربا هناك، نازيين وفاشيين وغيرهم. ولا يجوز اعتبار هذا الاعتراف أنه يصب في طاحونة العدو، بل أن تجاهل ذلك كقضية إنسانية لن يقدم أي خدمة للقضية العربية في مواجهة جرائم الغرب والصهاينة في حق شعوب المنطقة.

ولأن ذلك قد حصل لهم هناك في أوربا أو حتى وإن أقرينا لهم في الأقطار العربية حيث كانوا يسكنون فعليهم أن يسألوا أنفسهم، أمن العدل أن يصدروا آلامهم إلى الشعب الفلسطيني ويقبلوا أن يقترفوا بحقهم ما اقترفه الآخرون معهم؟ وهل من المنطقي أن ينفذ الفلسطينيون مذابح بحق شعب آخر لأنهم يتعرضون لمذابح على يد الكيان الصهيوني؟ أم كان من واجبهم النضال ضد من ظلمهم هناك في أوطانهم الأصلية كجزء من خلاص اجتماعي جماعي بالتكاتف مع إخوانهم حيث سكنوا أبا عن جد في مواجهة الحكام الظلمة أو رأس المال الغربي الصهيوني الذي استخدمهم أضحيات على مذبح مصالحه من أجل الربح والنهب عن طريق الحروب والقتل والإبادة، بل نسألهم : هل حقا أن هجرتهم إلى فلسطين قد أمنت لهم الخلاص والسلام مهما قتلوا من أهل الأرض؟ أم هي دوامة مميتة لن تنتهي إلاّ بهزيمة راس المال وتحرير فلسطين وتفكيك هذا الكيان العنصري.

(2)

الفاتيكان ورأس المال

العنوان استعارة من دراسة هامة للصديق مسعد عربيد تحمل نفس العنوان (ولمن يود الاطلاع عليها والاستزادة منها فهي منشورة في “كنعان” الفصلية، العدد 132 كانون الثاني 2008 ) وسنستفيد منها في هذا القسم من الدراسة مما ورد في دراسته القيمة لرصد ما قام به الكرسي الرسولي في الفاتيكان من خدمة رأس المال ومازال.

نكاد ندّعي أن العقلية الغربية منذ العصر الاستعماري الأول ولغاية حرب بوش الأخيرة على العالم العربي والإسلامي قد ارتبطت بشكل وثيق بثيولوجيا الكنيسة المسيحية ليس فقط بصياغة البنية الفكرية ونزعتها العنصرية وإنّما بالمباركة المباشرة من قبله للغزوات الاستعمارية. ولا نعتقد أنه كان بمحض الصدفة أو زلة لسان إعلان بوش عن “حربه الصليبية” قبيل غزوه المنطقة العربية وأنه يخوضها باسم الرب (تجلى له المسيح) وهي بينة صغيرة لهذا المخيال الجمعي الذي ساهم بتشكيله اللاهوت الكنسي في الفاتكان وغيره. فبعد العواصف التي أثارتها الثورة الفرنسية وما تركته من متغيرات على المستوى الأوربي بمبادئها المعروفة، العدالة والأخوة والمساواة، والتي جلبت بطياتها العلمانية والحد من سلطة الكنيسة الزمنية ومهدت لعصر القوميات وإقامة الدولة_الأمة على أساسها وفتحت الطريق واسعا لصعود البورجوازية، انكفأت بعد وصول الفئات البورجوازية إلى السلطة على مباديء الثورة بعد أن استقر لها الوضع بسيطرتها على المقاليد الاقتصادية والسياسية وراحت تبحث عن مسّوغات تدعم حكمها وسيطرتها في اللاهوت نفسه الذي ثارت عليه لإعادة إحياء بعضا من سلطته حسب حاجاتها ومتطلبات سلطتها في القمع والتمويه والتضليل(في عهد نابليون الأول أعيد بعث ما سمي في حينه علم الحال المسيحي وأبرزت مزايا نابليون الشخصية وورعه ليرسخ سلطته باعتباره مفوضا من عند الله).

لقد كانت ممارسة السياسة في الدين أو الدين في السياسة جزءا أساسيا لنشاط الفاتيكان بما يعنيه كمؤسسة دينية، وكان لهذه المواقف السياسية الأثر الفعال على الحدث السياسي المحلّي والعالمي في حينه وامتدت حتى التاريخ المعاصر، وكانت مواقفه دائما منحازة إلى جانب أصحاب رأس المال والتيارات الأكثر استغلالا ويمينية في العالم، الحروب الصليبية وموقفه من الاستعمار بشكل عام، علاقته مع الكيان الصهيوني، تنسيقه المشترك مع القيادات السياسية الغربية وانحيازه للتوجهات اليمينية فيها، والدور الهام الذي اضطلع به البابا البولوني السابق بالتنسيق مع طغمة رأس المال الصهيوامبريالي (في عهد ريغان وتاتشر) في ظل الحرب الباردة بين المعسكرين لتفتيت الكتلة الأوربية الشرقية السابقة وحلف وارسو والدفع لانهيار الإتحاد السوفييتي السابق، بل وانخراطه المباشر، وبالتحالف مع الإسلام الوهابي في كثير من الأحيان، في السياسة اليومية والحزبية والانتخابية المباشرة في أوربا (في إيطاليا وفرنسا واليونان بدعم الأحزاب اليمينية على حساب الشيوعيين) وبمحاربة قوى التحرر والديموقراطية في العالم وبشكل خاص فيما يسمى “الحديقة الخلفية” للبيت الأبيض، أمريكا اللاتينية والجنوبية ودوره الفعال في تقويض”لاهوت التحرير” فيها وحصار رموزه بل الدفع لاغتيال مؤسسيه ودعم الديكتاتوريات العسكرية هناك وقوى الثورة المضادة لإسقاط الأنظمة الديموقراطية الثورية أو منع وصولها إلى السلطة وإسقاطها منها إن وصلت. وانخراط البابا الحالي بالمقولة الامبريالية “صراع الحضارات” وتحريضه على الإسلام بأنه دين عنف وإرهاب بالتساوق مع حرب الغرب الاستعمارية المعاصرة على المنطقة، ولم يقتصر دور الفاتيكان على التاريخ الحديث فقد سوّغ دينيا لأعمال المكتشفين الأوربيين الأوائل في ذبح وإبادة السكان الأصليين لهذه المناطق، وقسمها إلى أعطيات بفرمانات من عنده بين المستعمرين القدامى، إسبانيا والبرتغال، “فقد أصدر البابا نيكولاس الخامس عام 1452( حكم الفاتيكان بين عامي 1447 -1455 ) وثيقة موجهة إلى ملك البرتغال الفونسو الخامس معلنا فيها الحرب على كافة غير المسيحيين في العالم…ومنح البابا البرتغال الحق في أن تغزو وتبحث عن، وتأسر وتقهر كافة الوثنيين على سواحل أفريقيا الغربية وأن تستعبدهم وتستولي على ممتلكاتهم”(نقلا عن دراسة مسعد عربيد المومه عنها سابقا).

“أما البابا الكسندر السادس (حكم بين 1492_1503)فقد أصدر وثيقة أنترسيتيرا سيئة الصيت في 3 أيار 1493…ومنح بموجبها الحق لإسبانيا لاحتلال البلاد التي اكتشفها كولومبس في العام السابق إضافة إلى التي سيكتشفها لاحقا شريطة ألاّ يكون أحد الملاّك المسيحيين قد سبقهم إلى ذلك………وعندما استشاط الملك البرتغالي غضبا من هذا القرار واعترض لدى البابا على التنازلات التي قدمها هذا الأخير لملك إسبانيا قام البابا بإصدار فرمان آخر في اليوم التالي، 4 أيار، متراجعا عن قرار الأمس السابق حرّم فيه على إسبانيا السيطرة على الأراضي التي كانت قد وقعت في أيدي مسيحيين آخرين” تماما كما جرى من تقاسم الوطن العربي بين انكلترا وفرنسا في سايكس بيكو (والتنويه هنا منقولا عن مسعد) وبعد ذلك بوقت قصير تابعت انكلترا اللحاق بالركب الاستعماري “ففي عام 1496 منحت تفويضا لمكتشفي الأراضي الجديدة بالاستيلاء عليها باسم الملك”(ثم دخلت بريطانيا مرحلة الإصلاح الديني وصهينة المسيحية بعد المرحلة الميركنتيلية التي دفعت لتراكم الرأسمال التجاري الذي راح ينزع للاستثمار مما سمح لبدء الثورة الصناعية ثم البحث عن الأسواق) “وحذت الولايات المتحدة حذو انكلترا الأم حين تبنت المحكمة العليا الأمريكية عام 1823 نظرية الاكتشاف المسيحية على أساس أن الولايات المتحدة أصبحت بعد استقلالها عن بريطانيا الأمة الوارثة لحق الاكتشاف فاكتسبت حق امتلاك أراضي الشعوب الهندية الأمريكية متذرعة بأن هذه الشعوب قد فقدت حقها في السيادة ولم يتبقى لها سوى حق الإقامة على أراضيها”. وهل يختلف هذا عما يقترفه الكيان الاشكنازي العنصري في فلسطين؟ّ

إقرأ في الحلقة الثانية والاخيرة:

الإسلام ورأس المال والاستعمار

لاهوت التحرير ومقاومة رأس المال

المنطقة العربية ولاهوت تحريرها

الخاتمة: نحو لاهوت في خدمة الفقراء والمقاومة