لاهوت للتحرير ولاهوت لخدمة رأس المال والاستعمار والصهينة (الحلقة الثانية والاخيرة)

محمود جلبوط

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1853)

(3)

الإسلام ورأس المال والاستعمار

لقد شكل الإسلام طوال فترة تاريخية طويلة بالنسبة للمناطق التي تبنته معتقدا دينيا جزءاً أساسيا من بنيتها الفكرية (أي البنية الفوقية حسب التعبير الماركسي) وانعكست فيه وبه كل التناويع الثقافية المتصارعة كتعبير جدلي للصراع الاجتماعي العادي (البنية التحتية). كانت الصراعات السياسية تأخذ شكل الصراع المذهبي والديني كسمة من سمات الصراع في العصور الوسطى ككل بنية اجتماعية وككل بشر في التاريخ إلى أن تعرضت هذه المنطقة للهجوم الاستعماري الامبريالي الغربي الذي أدّى إلى إعاقة تطورها الطبيعي حسب منطق قوانينها الداخلية بسعي حثيث ومبرمج من قبله، فلا هو مارس فيها نزعته الأساسية التي مارسها هناك في التشكيلة المركزية بتحطيم كل ما سبقه من تشكيلات ولا هو تركها تتمظهر تحت تأثير قانون تطورها الطبيعي بل راح يتحكم في مساراتها ويحدد هامش قدرتها على التكيف مع مصالحه وبالتالي سعى حثيثا لربطها بعلاقة تخارجية يوجه تطورها حسب حاجته كرأسمال مستعمر وحاجة تشكيلته المركزية، فتشكل في المنطقة نتيجة هذا الفعل الإرادي المبرمج بنية معاقة مشدودة إليه بنيويا ضمان إعادة إنتاج تبعيتها له وعدم انفكاكها عنه بالتحالف بينه وبين فئات محلية حاكمة ذات جذور بدوية أو إقطاعية أو عسكرتارية تحولت إلى بورجوازيات كمبرادورية أو كولونيالية متجددة أطلق عليها البعض تسمية نظاما رأسماليا طرفيا وسماها آخرون بنمط الإنتاج الكولونيالي.

ولو أجرينا عملية مراقبة لخطاب الإسلام السياسي الحالي في منطقة انتشاره لوجدنا أن هناك خطابان : خطاب “إسلام معتدل” ولبرالي حسب التسمية الغربية الامبريالية والصهيونية يبرر للقوى الاستعمارية هجومها على المنطقة ويسوّق لسياسات الكمبرادور الحاكم ويدعو إلى الصهينة عبر الاعتراف بالكيان الصهيوني وحقه باستلاب الأرض والاستيطان ويدعو للتنازل عنها والقبول بنسيانها ونسيان أهلها، وخطاب إسلام جهادي مقاوم يدعو للتصدي للعدوان والاستعمار وعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني واستيطانه بل يدعو لتحرير فلسطين العربية بالكامل.

ربما لا نوافق على القطعية التي ذهب إليها المفكر سمير أمين حول انحياز الإسلام بالإطلاق إلى جانب الامبريالية لما يحويه كفكر من مفاهيم اقتصادية وكممارسة سياسية للجماعات التي تحمل لواءه بشكل عام لطبيعة طبقية وبنيوية نصوية تسمه حسب ما عبر عنه في مقالته “الإسلام في خدمة الامبريالية”، ولكن لا يمكننا التغاضي عن الأسباب التي قدّمها لاستنتاجاته لاعتماده شواهد كثيرة من الحالة الواقعية التي حكمت سلوك الإسلام السياسي في المناطق التي نشط بها بشكل عام وليس في مصر وحدها أو الوطن العربي وحده. وفي الحقيقة كثيرة هي الشواهد التي تضاف إلى ما ساقه و تؤكد ما ذهب إليه في أكثر من موقع وبلد وجماعة وتاريخ على الرغم من ضرورة الاعتراف بالدور الذي لعبه الإسلام في التحريض على المقاومة في ظلّ حرب التحرير الوطنية للأرض في بعض المناطق العربية التي رزحت تحت السيطرة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة وما زال. والاعتراف أيضا بالمد الإسلامي الذي حدث إثر انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية على الشاه ( شرطي الامبريالية في منطقة الخليج آنذاك بالتنسيق مع الكيان الصهيوني وتركيا) كعلامة مميزة لثمانيات القرن العشرين وصولا لهذه الأيام إلى وانبثاق ظاهرة المقاومةالإسلامية وهزيمتها لجيش الكيان الصهيوني في حاضر القرن الواحد والعشرين في فلسطين ولبنان والعراق وغيرهما، والتي يحبونا تفاؤل بل علينا أن نجهد لتجذير تجربتها وتطويرها علها تتوج بتأسيس “لاهوتا للتحرير” في منطقتنا محاكاة لما حدث في أمريكا اللاتينية التي كانت تعاني من ظروف شبيهة بظروفنا في الوقت الحالي قبل أن يقضي عليه الرأسمال بالتعاون مع الفاتيكان (سيتم تناول هذا فيما سيلحق من هذه الدراسة). ولا يهوّن من الآثار السيئة لسقوط فئات واسعة من الإسلام السياسي في خندق التحالف مع رأس المال بشقيه الامبريالي والكولونيالي تبرير الجماعات الإسلامية المقاومة أن هؤلاء مخالفون للشريعة الإسلامية:

أولا: لأنهم شكلوا الإتجاه العام للمجموعات الإسلامية في العصر الحديث واستطالات لدول تحكم بمباديء الشريعة الإسلامية وتفرعات للإخوان المسلمين أو مريدي الإسلام الوهابي أو المودودي(نسبة إلى الشيخ أبو الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في الهند سنة 1941 في ظل الإستعمار البريطاني ورعايته وقد انصب جهده على التنظير لاستحالة العيش المشترك للمسلمين مع غير المسلمين وبناءا عليه تحالف هذا التيار مع بريطانيا من أجل تقسيم الهند وانفصال الباكستان وبنغلادش اللتان عجز الإسلام أيضا أن يشكل سببا “لعيشهم المشترك” فانفصلا بدورهما بعد حرب ضروس دارت بينهما عام 1971 إلى دولتين.[1]

وثانيا: وهنا مربط الفرس وحجر الزاوية، تفسيرها لحالة الفقر والاستغلال والتفاوت الاجتماعي بين البشر على أنه من ترتيب الله ومشيئته وينحصر علاجه من خلال الإحسان الخيري والحسينيات ملتقية بذلك مع جميع التفاسير الثيولوجية للأديان السماوية الأخرى.

إن الجماعات الإسلامية ونصها الإسلامي أو الجهد المبذول في تطوير الخطاب السياسي فيه، وبالرغم من كل ما بذلته التيارات الثورية والجهادية فيه والتي ناهضت الظلم ورموزه عبر التاريخ، عجزت عن إحداث تغيير جوهري في النص لإزالة حالة التفاوت الاجتماعي وتغيير الموقف من الملكية الخاصة ومبدأ الربح اللذان يحكمان ويحددان طبيعة النظام الرأسمالي وبنيته. فهم يقدسون الملكية الخاصة ويعتبرونها فطرة من لدن الله، وتجيز نصوصهم الثيولوجية والسياسية عدم المساواة (حتى بين المرأة والرجل : للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة الرجل بشهادة اثنتين) بل تحابي كل مرتكزات نمط الإنتاج الرأسمالي في جميع تشريعات الملكية والربح.

إلى جانب أن الجماعات الإسلامية في العصر الحديث وقفت بشكل عام إلى جانب الكمبرادور المحلي والطبقات الحاكمة في معظم أصقاع المناطق الإسلامية وانخرطت في مشاريعه بل نكاد نؤكد بأن بعضها قد غطى وساهم بدراية أو عدم دراية على محاولات هذه الأنظمة لمأسسة الطائفية مما أدّى إلى شرذمة المجتمع وعرض الوطن للتقسيم وسممت الحياة السياسية كلها، ومجموعات منها تمارس الخداع الأيديولوجي الذي يلزم لرأس المال الامبريالي والكمبرادوري المحلي في إدارة الصراع الاجتماعي لصالحه، وتحالفت مع الكمبرادور في أكثر من قطر عربي للهجوم على قوى اليسار “الملحدين” الملاعين العلمانيين (كما يسميهم أحد الإسلاميين في بريطانيا):

في الأردن اصطفوا مع الملك أثناء ضربه لقوى الثورة الفلسطينية في أحداث أيلول المشهورة عام 1970 (إلى جانب أن الملك استعان أيضا بفرق إسلامية باكستانية بقيادة الجنرال ضياء الحق الذي أصبح رئيسا فيما بعد لباكستان بانقلاب عسكري) بعد أن أشاع ضد المقاومة الفلسطينية ليبرر تصفيتها أنهم كفرة وملحدين وعصاة لله.

في العراق ساهم حزب الدعوة الشيعي والحزب الإسلامي السني مع القوات الأمريكية لاحتلال العراق وملاحقة العلماء وأساتذة الجامعات والقتل الطائفي المذهبي.

في لبنان استخدم التيار السلفي من قبل الكمبرادور العربي والمحلي ممثلا بتيار المستقبل أو جماعة 14 آذار للتحريض ضد قوى المقاومة الإسلامية، وكان لهم باعا طويلا في ظاهرة فتح الإسلام أو غيرها في طرابلس وبيروت والمخيمات الفلسطينية.

استخدمت بعض القوى الإسلامية السلفية العنف والتصفية الجسدية في مواقع كثيرة ضد المواطنين الفقراء العاديين بتهمة الكفر والزندقة كما حصل في الجزائر وغيرها.

وإذا حدث وتصادم بعض أطرافها مع السلطات الكمبرادورية فلا تكون لأسباب جوهر تردي الحالة الاجتماعية والسياسية المزرية للمواطن الفقير قدر ما تكون باتهامه أنه علماني وابتعد عن الدين وتطبيقاته أو من أجل التنافس معه لكسب رضا رأس المال الغربي وعلى حق التمثيل السياسي للعلاقة معه.

وقد قاتل الإسلام السياسي إلى جانب رأس المال في مواقع وحالات وظروف وتواريخ متعددة ومتفرقة وفي خدمة مصالحه في مواجهة قوى الثورة والتحرر العالمية والشيوعية أوالقوى الرافضة للانصياع أو أن بعضها استعمل للضغط على دولها لتنفيذ أجندات رأس المال الامبريالي : كأفغانستان سابقا والشيشان وتفتيت يوغسلافيا.

كما وأن مجمل الجالية الإسلامية في أمريكا وأوربا الغربية تصطف بالعموم إلى جانب برامج القوى الأكثر يمينية ومحافظة في مواجهة برامج قوى اليسار التي تدعو للتغيير الاجتماعي والسياسي ومن أجل حقوق المرأة ولصالح الفئات الأكثر فقرا، وأحيانا كثيرة بدعم مالي مباشر من الكمبرادور المدرج تحت تسمية “الإسلام المعتدل”، ولذلك فإن الامبريالية المعولمة في الوقت الذي تشن فيه حربا شرسة ضد مجموعات الإسلام الجهادية المقاومة تسعى إلى إدماج “الإسلام المعتدل” العاقل والهاديء والحضاري في الخليج العربي والعراق ومصر وتركيا وربما أيضا أطراف من إخوان المسلمين هنا أو هناك التي يمكن الانفتاح عليها لتكون احتياطا سياسيا كبديل ممكن لبعض الأنظمة في مشروعها “الشرق الأوسط الكبير” شرط الالتزام بقوانين الملكية الخاصة وخصخصة الملكية العامة واحترام قوانين التجارة العالمية وشروط البنك الدولي وعلى رأس كل ذلك الصهينة من خلال الاعتراف بالكيان الصهيوني.

إن تأييدنا للمجموعات الإسلامية الجهادية لا يعني بالضرورة الموافقة على رؤاها الأيديولوجية والحزبية أو برامجها الاجتماعية بالمجمل دون تحفظات، ولا تسترا على أخطائها ومثالبها بقدر ما يعني انحيازا لمبدأ المقاومة الذي تختطه ضد الاحتلال والاستعمار والصهينة، ولأمل معقود على تطورها الذاتي علها تنتج في المستقبل تجربة لاهوت للتحرير بنسخة إسلامية عربية نراها خطوة ضرورية في الاتجاه الصحيح تتويجا لنهج المقاومة في هذه المنطقة بالذات لأنها مستعمرة هامة لرأس المال المركزي والكولونيالي، وتعتبرمركز الصراع بينه وبين قوى التحرر في العالم أجمع لما تشكله من أهمية، مخزون نفط وطرق إمداده وعقدة مواصلات بين القارات.

فأين إسلام المجموعات الإسلامية المقاومة من نهج لاهوت التحرير؟ وما هو لاهوت التحرير الذي نتطلع إليه؟

(4)

لاهوت التحرير ومقاومة رأس المال

ينسب “لاهوت التحرير” بنشأته إلى أمريكا اللاتينية على يد رجال دين كنسيين كاثوليك:

□ كالقس كاميللو توريس من كولمبيا وهو يعتبر من أهم رموزهم وقد أسس تحالفا واسعا تحت اسم “الجبهة الواسعة” قرر الفاتيكان على إثرها طرده من الحياة الدينية مما دفعه للانضمام لجيش التحرير الوطني آنذاك.

□ وغوستافو غيترز من البيرو وهو الذي صاغ النص الأساسي للوثيقة التي انبثقت عن مؤتمرهم الأول الذي عقد في كولومبيا عام 1968 ألف عدة كتب كان من أهمها “رب الحياة”الذي حدد فيه الأفكار الرئيسية للاهوت التحرير.

□ وأوسكار روميرو من السلفادور وكبير أساقفتها ويعتبر من أهم رموز حركة لاهوت التحرير على الإطلاق فقد كان أكثرهم انحيازًا للفقراء وأول من أعلن مقاومته لحكومته صراحة ووصفها بالدموية والعداء للفقراء، ندد مبكرا بالهيمنة الأمريكية على بلاده، و أسس للاهوت التحرير عدة مؤلفات أهمها “عنف الحب” و”صوت من لا صوت لهم” و”أوقفوا الاضطهاد”. وقد قامت “كتائب الموت” التابعة للشرطة السلفادورية آنذاك باغتياله مطلع الثمانينات بتحريض من المخابرات المركزية الأمريكية والفاتكان.

□ وأوتو مادور في فزويلا، وخافير غورستيغو في نيكاراجوا وكثيرون غيرهم.

لقد عاش هؤلاء في ظل ظروف اجتماعية صعبة كانت تعانيها القارة لا تكاد تختلف كثيرا عن ظروف منطقتنا هذه الأيام، فلقد كانت فئات الكمبرادور تسيطرعلى مقاليد السلطة بالقوة العسكرية وبطشها بالتحالف مع الرأسمال الامبريالي ومباركة من رجال الدين الكاثوليك التابعين للفاتيكان في معظم دول امريكا اللاتينية والجنوبية لنهب ثرواتها مما وسع الفجوة الشاسعة بين سكان القصور الأغنياء وسكان الهوامش الفقراء وكرس لتبعية البلاد مما ضاعف من معاناة الفقراء فيها. أوضاع اجتماعية مزرية أدت في كثير من الأحيان إلى ثورات وتمردات قمعت بالنار. وسعى هذا التحالف البغيض لرأس المال مرارا لمنع القوى اليسارية من الوصول إلى السلطة عبر لعبة صندوق الاقتراع ومن تمكن من النفاذ إليها انقلب العسكر عليه بترتيب مع المخابرات المركزية الأمريكية كما حدث في تشيلي. لقد شكلت هذه الأوضاع الاجتماعية المزرية للطبقة الشعبية الفقيرة في ظل نقاش كثيف وفعال بين القوى ذات المصلحة الواحدة في التغيير تربة خصبة ومصدر إلهام لهؤلاء القساوسة الكاثوليك الذين آلوا على أنفسهم ألاّ يصيخوا السمع لتعاليم البابا في الفاتيكان فقرروا الانحياز إلى الفقراء والوقوف في وجه رأس المال ولو أدى هذا لإثارة ضغينة البابا ورأس المال. بل الأنكى أنهم أدركوا، ومن خلال نظرة ثورية متجددة للعقيدة، أن يسوعهم يختلف عن يسوع البابا ويسوع رأس المال، فمسيح رأس المال هو نهب الثروات وجهد الشعوب ويسوع البابا لخدمته. أما مسيحهم فهو”مسيح الفقراء ومسيح المضطهدين، ومسيح الحرية” (غوستافو غوتيرز)، مسيح آخر، لم يكن مخلصا للفقراء والمضطهدين وحسب لكنه كان أيضا محررا لهم من الظلم والقهر والاستعباد.

دفعهم هذا الإدراك لجوهر الدين لإعادة قراءة الإنجيل من جديد بناءا على فهم جديد لتعاليمه ليعيدوا نسقه بما يتسق مع المثل الإنسانية العادلة واثقين أن ظروف الفقر والبؤس التي تعيشها الشعوب في البلاد ليست من عند الله ولا من صنعه، ولا “تكفيرا عن ذنوبهم وخطاياهم في الآخرة”(من خطبة للبابا أمام فقراء الهند) وإنما نتيجة نهب رأس المال لجهودهم، “فالخطيئة الحقيقية هي الظلم وعدم العدالة في توزيع الثروات” (أوسكار روميرو)، وليس قدرا من الرب بقدر ما هو نتيجة حتمية للعلاقات الرأسمالية السائدة، وأن هذا الوضع المزري الذي يعيشه الفقراء ليس قضاءا وقدرا وإنما من عمل حفنة قليلة من الرأسماليين استأثرت بالثروة ووسائل الإنتاج وفضل القيمة بالقوة والحروب وبالإبادة أحيانا، وأدركت أن إكلير البابا فاسد ومنحاز لرأس المال وعليها أن تبني إكليرها الخاص، “لاهوتا للتحرير” إكلير مقاومة في وجه رأس المال لخدمة الفقراء والمضطهدين والمحرومين، لأنه لا سبيل للكرامة البشرية والعدالة الاجتماعية دون القضاء على أسباب الفقر والاستغلال بإزالة طغيان رأس المال بشقيه الامبريالي ـ الصهيوني والكولونيالي.

لقد أدت الرؤية الجديدة لدعاة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية إلى تحولات وتغيرات هامة لعلاقتهم مع الجماهير فانتشرت دعوتهم في معظم أنحاء أمريكا اللاتينية ومنها إلى أنحاء أخرى من العالم وإن لم تكن على نفس المستوى، بين صفوف الأفارقة مثلا وخاصة جنوب أفريقيا حيث كانوا يرزحون تحت نير العبودية والعنصرية وفي أمريكا نفسها نشأ لاهوتا خاصا للسود سموه “لاهوت التحرير الأسود” تأثرا على إثر ما سمي “الكنيسة غير المرئية” نتيجة فرض السيد الأبيض رقابة على صلاة العبد الأسود في كنائس البيض فتواصلت لتصل إلى أواسط الستينات من القرن المنصرم لتزاوج بين تعاليم المسيح وحركة مارتن لوثر كنج ومالكم إكس، كما قال جيمس كون أحد مؤسسي لاهوت التحرير الأسود “أخذنا المسيحية من مارتن والهوية من مالكوم اكس”.

قيل الكثير عن تأثر لاهوت التحرير بالفكر الماركسي، واعتبرها البعض أنها تمازج بين التعاليم المسيحية والماركسية، وذلك لاتفاقهما في طريقة تحليل الأوضاع السائدة آنذاك في بنية أمريكا اللاتينية الاجتماعية وأسباب الفقر فيها وتحميل الرأسمال الامبريالي والكمبرادوري مسؤولية ذلك وتواطيء المؤسسة الدينية الرسمية في الفاتكان في خدمتهما. واتفقا أيضا على أن مقاومة المشروع الامبريالي هي السبيل للخروج من الوضع المزري الذي تعيشه شعوب القارة.

وبغض النظر عما أحاط بهذا التلاقي المنطقي فهو بالأساس يعود بالتأكيد لقراءة واحدة للواقع المعاش ترافق مع رغبة مشتركة للتغيير والمقاومة، وإدراك مبدع لخصوصية البنية والمرحلة، فبمقدار ما كان دعاة لاهوت التحرير منفتحين على الفكر الإنساني بما فيه الماركسي كان الشيوعيون واليسار بشكل عام يدركون أهمية الدور الذي يلعبه الدين في حياة الناس الفقيرة، وأدى هذا الرقي من الفهم والتفاهم لعدم الصدام بينهما فسمح لهما للتلاقح الفكري والتعاون المشترك.

(5)

المنطقة العربية ولاهوت تحريرها

قبل الخوض بكيفية تأثير لاهوت التحرير على المنطقة أو كيفية استيلاده ذاتيا نريد أن نفرد القليل للرد على من يعزو تخلف المنطقة للإسلام كلاهوت وليس كممارسة تضليلية لخدمة مآرب سياسية. إن أقل ما يمكن أن يقال لوصف وجهة النظر هذه، بعد الترفع عن التنابذ، أنه تضليل ووقوع بقصد أو دون قصد بما يضمره الرأس مال الغربي للمنطقة، ليس إدعاءا بامتلاك ناصية المعرفة بقدر ما هو رصد لاسطوانة مشروخة ومملة كررها أصحاب نظرية الاستشراق الغربية المركزية المتحولقة على ذاتها وتقطر كراهية وعنصرية ضد كل ما هو غير غربي والتي مهدت أصلا للمرحلة الاستعمارية التي ما زلنا نعيش كوارثها.

إن الاحتقان الإسلامي الذي تعانيه المنطقة في كل مرة تتعرض فيه لعدوان استعماري ما هو إلا رد فعل طبيعي من شعوب المنطقة على الفعل العدواني الاستعماري الغربي والشعارات التي يرفعها للتضليل على الأهداف الحقيقية لغزوه (نهبها). فمرة مسيحية وأخرى يهودية وثالثة صراع بين الحضارات ثم وأخيرا ديموقراطية….إلخ فتندفع شعوب المنطقة كرد فعل إنساني عادي للدفاع عن نفسها في مواجهة المعتدي بهويتها الخاصة بما ينسجم مع الشعارات التي يعتمدها في غزوه وهي في هذه الحالة الإسلامية التي لجأ إليها المدافعون بفطرتهم البسيطة كونها تميزهم عن الآخر الغازي كما يحصل لدى كل الشعوب التي تتعرض للهجوم تستنفر للدفاع باستخدام كل مخزونها الثقافي ومخيالها الجمعي.

فالغزو الغربي على المنطقة العربية لم يقتصر على حاضرها فقط وإنما امتد ليصادر عليها تاريخها ودينها بل أنكر عليها انتمائها البنيوي الاجتماعي العادي الذي تشترك به مع أي تجمع بشري آخر قد تكون عبر التاريخ وامتلك خصوصيته في إطار القوانين البشرية العامة ككل التجمعات البشرية الأخرى. فعندما تتناول العقلية الاستشراقية الغربية المنطقة العربية للدراسة التاريخية أو الانتروبولوجية، تراها بعين مركزيتها المتمحورة على ذاتها، وبذرائعية استعمارية. أنها تفتقر للمبنى الطبقي الذي عهدته كل البنيات البشرية الأخرى، وكأن البنية العربية والمسلمة خارج التاريخ أو خارج الكرة الأرضية، ويعتبر تاريخها تاريخ أرض بور وموات لم يسكنها بشر أو في أحسن الأحوال قد سكنها فلول من بدو بدائيين خلقهم الله منذ الأزل بلا عقل فعاشوا متخلفين كسالى، لا عملوا ولا أنتجوا علما ولا ملكوا بنى طبقية ولا كان عندهم إنتاج ولا وسائل إنتاج ولذا فهم لا يستحقون هذه الحياة أو لا يستحقون هذه الأرض، بل هي حق لبشر بلا أرض، أوربيون ميزهم الله بعقل ثاقب وحضارة متقدمة ورائعة ودين راق (بالرغم من أن مسيحيتهم من هذه الأرض) وبشرة بيضاء بدم أزرق، ولن يكون للمنطقة حظ حراك إلاّ إذا توفر لها من الخارج من يحركها لينفض عنها غبار الركود ويطورها لأنها تفتقد هي بذاتها إلى دينامية استيلادها فتعالى يا غرب واستعمرنا علنا نصبح حضاريين مثلك.

أي منطق أعوج وسخيف وعنصري هذا الذي يسوقه الغرب لدينا لاستعمارنا؟

إن وجدنا العذر له فكيف سنجده لأبناء جلد المنطقة اللذين يسوقون لهذا المنطق؟ ولنسأل :

لو كانت الإعاقة لدى المسلمين في دينهم الإسلامي فكيف استطاعوا تحت لواء هذا الدين بناء امبراطورية واسعة في مراحل زمنية طويلة وعلى حساب حضارات قديمة عظيمة وعلى أماكن مختلفة؟

لو كان الحال كما يراه اللبراليون العرب والمتصهينون، كيف استطاع المفكر المرحوم حسين مروة أن يرصد هذا الكم الهائل من النزعات المادية في الإسلام نشرها في مؤلف كبير ذي مجليدن بعنوان “النزعات المادية في الإسلام”؟ وكيف تمكن الدكتور طيب تيزيني وغيره من المفكرين الغير محسوبين على الإسلاميين أن يجدوا في “ابن رشد وابن خلدون والمقريزي إرهاصات الفكر المادي الجدلي كما ظهر عند كارل ماركس”؟ و “أن الإرهاصات المبكرة للتفكير الفقهي وتعبيراته التدوينية ظهرت بصيغ أقرب إلى النزعة العقلية المستنيرة……لتنمو بعدئذ وتطور بصيغة المعتزلة..”؟

لو كان الإسلام هو المشكلة فلماذا في العصور الوسطى كانت أوربا تسبح في بحر من الظلام والتخلف والتشرذم والصراعات بدينها المسيحي بينما امتدت الامبراطورية الاسلامية على بقاع واسعة من العالم طالت حتى مناطق من أوربا بدينها الإسلامي؟

هل المسألة في الحكم تتحدد ببعض من الهرطقات اللاعقلانية والتناقضات في هذا الكتاب الإسلامي أو ذاك أو فتوى شيخ هنا وشيخ هناك حسب الولاءات الاجتماعية للبشر؟ إن كان ذلك، ونحن نقر بأنه يوجد مثيله الكثير، بالله عليكم هل يوجد هرطقات أكثر من التي حوتها التوراة أو التلمود أو الإنجيل؟ وهل هناك دين متخلف ودين متقدم مهما بسطت طقوسه وتعاليمه الدينية؟

وهل البنية الفكرية الفوقية على أهمية دورها وتعقيدات حركتها الذاتية وجدلية علاقتها مع التشكيلة الاجتماعية. هي التي تحدد البنية التحتية المادية للتشكيلة الاجتماعية من إنتاج ووسائل إنتاج وطبيعة إنتاج ونمط إنتاج ودرجة تطور الإنتاج أم العكس؟

إن كان الإسلام والمسلمون بكل هذه البشاعة فلماذا إذا يحب رأس مال الغرب إسلام مبارك وملك السعودية ويكرهون إسلام رئيس السودان؟ ولماذا أحبوا الرئيس المؤمن السادات وكرهوا الشيخ المرحوم عزالدين القسام؟ لماذا يحبون إسلام الحريري ويشكلون من أجله محكمة دولية تحت البند السابع ويكرهون إسلام حماس ولم يكترثوا لآلاف الضحايا من الفلسطينيين واللبنانيين؟ ولماذا يحبون مسيحية البطريرك صفير ويكرهون مسيحية المطران كبتوشي والأب عطا الله حنا؟ ويحبون شيوعية الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي ولا يحبون شيوعيتي؟ ويحبون نتنياهو كثيرا ويكرهون إيلان بابيه ولا يكترثون بالشبكة اليهودية الدولية لمناهضة الصهيونية ولا بما تقوله؟ يحبون السيد عبد العزيز الحكيم الشيعي والمالكي في العراق ولا يحبون السيد حسن نصر الله الشيعي قائد المقاومة اللبنانية؟ لماذا يحبون تركيا المسلمة ويكرهون إيران المسلمة؟

إذا فالإسلام لدى الرأس مال إسلامان:

□ “إسلام معتدل” لا يزعجه لأنه “مغتصب من الكمبرادور والسلفية لتنتزعا منه روحه الجهادية” (عادل سمارة) ولا مشكلة له معه، يحبه بل يسعى إلى إدماجه في مشروعه الشرق أوسطي الكبير.

□ وإسلام جهادي لا يعترف بالكيان الصهيوني يسعى لتحرير الأرض يكرهه أشد الكره ليس لكونه إسلاما فكثيرا ما ادعى رأس المال الغربي أنه يحمي المسلمين في مناطق أخرى من العالم (أفغانستان والجمهوريات الإسلامية التي انفصلت عن الإتحاد السوفييتي السابق والبوسنة والهرتسك وكوسوفو)، بل لأنه مقاومة، ويحذر أصحاب “الإسلام المعتدل” أن يعوا الكارثة ويتنبهوا ولتتضافر جهودهم لإقناع الإسلام الجهادي بالإقلاع عن المقاومة وإزالة ركن الجهاد من إسلامهم ليكونوا طيبين وجاهزين للاندماج شرط أن يعترفوا بالكيان الصهيوني وحقه بما اغتصب من أرض والتسليم بكل ما سنته الشرعية الدولية باسم رأس المال كقوة مسيطرة على العالم.

إن السؤال الأصح الذي ينبغي أن يسأل هو: لماذا تخلفت المنطقة العربية وتشرذمت وركدت رغم أنها لم تكن كذلك في صدارة الإسلام، ولماذا توحدت أوربا ونهضت وتقدمت مع أنها لم تكن كذلك زمن حكم الكنيسة المسيحية؟

إن اتهام الرأسمال الغربي وجوقته الإسلام بعدم تطور المنطقة لهو مصادرة للوعي وتضليله عن إدراك الأسباب الحقيقية لفقر المنطقة وعجزها وإحتجاز تقدمها، لماذا هي راكدة ومتخلفة؟ لأنها معاقة بسبب استعمار رأس المال الغربي لها بشكل مباشر وبدماء الملايين من الضحايا الفقراء في فلسطين والعراق أو بوكالة الكمبرادور الذي رعاه بنفسه إبان فترة الاستعمار المباشر للمنطقة قبل مرحلة الاستقلال الشكلي وبعدها، ولماذا هي مليئة بالقلاقل والإرهابيين وتصدره إلى الخارج؟ لأنها تتعرض في كل يوم إلى اعتداء، ويتعرض شعبها مطلع كل نهار إما للقتل أو الجوع أو الاعتقال.

الخاتمة

نحو لاهوت في خدمة الفقراء والمقاومة

لا يتسع المقام ولا المقال لرصد الصراعات الاجتماعية الماضية عبر التاريخ الإسلامي في التشكيلة الاسلامية والعربية منها بشكل خاص ولا للقوى التي انحازت للفئات التي تعرضت للاضطهاد والظلم وعبرت عنها سياسيا في إطار وحسب أجندات اللاهوت كسمة أساسية لذاك العصر. وننتقل سريعا إلى أيامنا هذه ونسأل: هل نضجت لدى الأطراف التي تناهض المشروع الامبريالي بمرجعية دينية إن كانوا مسلمين أو مسيحيين أو حتى يهود للشروع في تأسيس لاهوت للتحرير خاص بكل واحدة منها يتبنى قضايا شعوب المنطقة ويتصدى لبطش رأس المال؟

دون الدخول في تفاصيل تأثر المنطقة العربية بحركة لاهوت التحرير إن على مستوى الأفراد المتدينين هنا أو هناك، أو على مستوى الجماعات الدينية التي تتشكل منها المنطقة العربية فإننا نرى الأوضاع فعلا تقتضي الشروع بورشة حوار عريضة ومتنوعة تشمل كل الولاءات الدينية لإعادة إنتاج وصياغة لاهوتهم من جديدة ليتوافق مع حاجات الفقراء لا الأغنياء، مع المظلومين لا الظالمين، مع الذين طردوا من أرضهم يقتّلون ويجوّعون في كل يوم لا مع المحتلين والمغتصبين، مع مقاومة الشعوب لا التسليم للأعداء، مع الاشتراكية التي تضمن قوتهم ومستقبلهم وتؤمن لقمتهم وتحفظ ثروتهم لا مع رأس المال الذي لا هم له سوى نهب قوتهم ونهب ثروتهم. لاهوت يعقل بين إيمان الناس وحريتهم، يبني العدل بينهم ويرفع الظلم والقهر والطغيان عنهم، يعترف بتنوع الحياة، يدعو للحب بين الناس وإزالة الكره والضغينة، يوحد الأوطان لا يقسمها، يدعو للاعتراف بالآخر لا قتله بسبب اختلافه عنه بالدين، لاهوتا لتحريرنا أو لاهوتات لتحريرنا بعدد الأديان التي تسكن منطقتنا تتكاتف وتسعى لتفكيك الكيان العنصري الصهيوني العدواني أس الخراب في المنطقة لا الاعتراف به، وتعيد فلسطين إلى أصحابها الشرعيين.


[1] حجة عدم إمكانية المسلمون من العيش المشترك مع غير المسلمين لم تمنع 150 مليون مسلم من البقاء في الهند للعيش مع إخوانهم من الأديان الأخرى، ولم تمنع ملايين من المسلمين للهجرة إلى أوربا الغربية وأمريكا وكندا واستراليا وأفريقيا ودول أمريكا اللاتينية والجنوبية، بلاد الصليبيين أو بلاد الملاحدة الكفار، للعيش هناك.