الفلسطيني والإغتراب (الجزء الاول)

الفلسطيني بين الإغتراب، الأنومي[1]

الاقتلاع من الوطن واقتلاع الوطن المفترض من الذاكرة

(الجزء الاول)

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1854)

كانت مقالتي الأولى عن الاغتراب عام 1976[2] في تمظهره في الوطن العربي. وهي مقالة لم أقم بالتأسيس عليها منذ ذلك التاريخ وفي هذا الأمر تحديداً. وها أنذا أعود لأكتب في الأمر مجدداً، بعد ارتحال في الزمان وفي المكان طويلاً، ولكن من باب محدد جداً هذه المرَّة أيضاً، هو: هل نظرية ماركس في الاغتراب ، بأسسها الاقتصادية وإلى حد ما المادية، وفي حصرها في الاستغلال الاقتصادي وتحديداً في التشيؤ، تشييىء الإنسان، ولا أنسنته على يد الاستغلال وتحديداً علاقات الإنتاج الطبقية، في التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية، وغالباً مقصود بها المتقدمة، وما قبل الراسمالية من تشكيلات اقتصادية اجتماعية إقطاعية وما قبل راسمالية، هل هذه الأطروحة النظرية، وإن اُقيمت على واقع عملي مادي وبشري اجتماعي طبقي، قابلة لمناقشة الوضع الفلسطيني على اساسها؟ بما هو وضع لا يقوم فقط على العلاقات الاجتماعية الطبقية، حتى وإن شمل الاغتراب بمفهوم ماركس كل من العامل والرأسمالي معاً؟ وبغض النظر عن انطباق نظرية الاغتراب لدى ماركس، هل نظرية دوركايم في أل anomi منطبقة على الحالة الفلسطينية ايضاً؟

اطرح هذا السؤال، لأنني لم أعثر على دراسات كثيرة تتناول الاغتراب خارج السياق الذي طرحه ماركس، أو ربما قلة من الدراسات خرجت عن مدار ماركس هذا، ولعل أكثر من ناقش هذا الأمر اليسار الفرنسي لا سيما في معاركه الداخلية البينية في النصف الثاني من القرن العشرين. إلا أني اشعر بدوري أن الخروج عن هذا المدار أمر اجتهاد مفتوح، بل إن كل شيىء مفتوح للاجتهاد، وربما هذا معنى المغامرة الفكرية، وهذا طعمها. وهذه المحاولة وهي موجزة بالطبع، مشحونة بالرغبة في تناول حياة الفلسطيني المطرود بالاقتلاع والمطارد بالتصفية النهائية فيزيائيا ومعنويا وليس أمره مجرد تطهير عرقي حصل عام 1948 وتوقف، كما يُفهم من أطروحة إيلان بابيه. فالطرد والمطاردة بهدف التبديد الكلي بدأ عمليا استيطانيا منذ ستينات القرن التاسع عشر وهو متواصل حتى اللحظة، أي حتى هدم البيوت في القدس في آذار من العام الجاري 2009. لعل هذا تناول من زاوية جديدة، وأي زاوية هي غنىً وإثراءً.

ليست هذه المقالة في الاغتراب، أو ربما التغريب[3]، أو كلا المعنيين. هي محاولة لقراءة الحالة الفلسطينية من هذا المنظور، أي محاولة لإعطاء مفهوم الاغتراب فضاء أوسع، أو ربما اكتشاف أن له فضاءات أوسع من الفضاء الذي حاصره فيه ماركس بهدف إجهازه على النظام الرأسمالي، أو الذي حوصر فيه ماركس كيفَ قُرىء، بمعنى أن ماركس حين وصل بدراسة الاغتراب إلى دوره في لاأنسنة الإنسان، فإنه قد أخرجه من بعده الاقتصادي البحت وحتى المادي وأوصله إلى المادي/النفسي. هل جمع الفلسطينيون إذن مختلف مستويات الاغتراب، اي هل تعرضوا لها جميعاً، الاغتراب عن الوطن، وفقدان حتى المكان، بمعنى ان مخيم اللاجئين هو مكان محاصر من سلطات الدولة المضيفة، وبالتالي فالمكان هذا يُحاصر اللاجئ ولا يحتضنه، والتغريب بالهزيمة، التغريب على يد النظام الرسمي العربي، وبيد النظام العالمي، والتغريب بالتمييز في الشتات، كالعيش بدون جوزات سفر، أو الحصول على جواز سفر بهدف تغييب الهوية الأصلية، أو المنع عن 80 وظيفة في لبنان، وربما ليس آخر هذه إشكالية الهوية…الخ.

الاغتراب

يُشار الى الاغتراب باعتباره فصل العامل في مكان عمله عن ما يساهم في إنتاجه هناك، فصل العامل عن جهده المبذول مبلوراً في بضاعة، ونقول يساهم لأن العمل العصري، هو اجتماعي ولأن التقدم التكنولوجي أخذ يشغل العامل او يحصره في إنتاج جزء صغير من آلة معقدة متشاركاً (بل مُشرَّكاً لأنه لم يختر العمل بل قام به اساساً من أجل الدخل) مع اعداد قد لا تحصى من العمال الآخرين الذين ينتجون أو يساهمون في إنتاج قطعة أو قطع متعددة، مثلا طائرة. وبالطبع كلما انحصر دور العامل في جزيىء أصغر كلما اغترب أكثر عن شغله او جهده الذي يدخل في نسيج معقد من المجهودات المهروسة مع بعضها لإنتاج بضاعة عالية التعقيد. فالعامل إذن مغَّرب أمام أدوات العمل، هو يطيع متطلباتها، حتى وإن كان يُشغِّلها، فهو لا يمارس فنية طوعية أو ممتعة لتشغيلها بل ضمن برنامج عمل يتطلبه السوق الذي يبتلع انتاج هذا العامل ويجعل انتاجه مثابة )فيتيش Fetish) صنم بل صورة يعبده يتمناه ولا يحصل عليه، وفي الوقت نفسه لا يفتقد الشعور بأنه جزء منه. فالعامل لا يملك أداة العمل ولا (لاحقا مع التطور التكنولوجي) الماكينة التي يشغلها ولا رأس المال المصبوب في مشروع العمل لإنتاج السلع. هو لا ينتج لنفسه، ولا يعرف أين ولمن سينتهي انتاجه، لأي شخص محدد، فهو ينتج من أجل سوق مجرَّد. هنا فارق هذه الصورة عن إنتاج الإنسان قيماً استعمالية لاستهلاكه وأسرته أو وعشيرته المشاعية، هنا حيث العمل والتوزيع واضحان ويسيطر عليهما المنتِج، هنا لا يكون اغتراباً. وحتى في الإنتاج الحرفي، وفيه اغتراب أولي، لكن الحرفي مسيطر على ما ينتجه بمعنى انه ينتج السلعة كاملة تقريباً، وهنا يدخل الفن الفردي الإنساني في الأمر، مع معرفةٍ ما بالمستهلك نظراً لوضوح المشترين وبالتالي وضوح السوق.

كلما تطورت التكنولوجيا كلما اصبح العامل محصور اكثر في انتاج قطعة صغيرة بشكل مكرر وروتيني مما يشعره باغتراب يصل إلى اعتقاده بهامشيته، هذا الشعور ناتج عن ان السلعة صارت موضوعا مستقلا عنه خارجا عنه تماما. وهذا الوجود الموضوعي لإنتاجه بعيدا عنه يقود إلى شعور ذاتي بالاغتراب وبالتجريد من جهده وبحالة مغتربة هنا كما يقتطف هيو بينن قول أحد العمال: “… يشعر المرء/العامل بعدم الاكتمال الشخصي، والإحباط وفقدان إنسانيته . وهكذا يقود الاغتراب إلى شعور العامل بأنه مقود بالأشياء، بالنقود بالسوق الذي هو إيديولوجيا، بالتكنولوجيا اي بالماكنة نفسها، انه فاقد لقوة السيطرة والمتعة بالطبع ” انها أكثر الوظائف في الدنيا مثيرة للملل. هي الشيء نفسه دوماً، لا تغيير فيها، انها تتلبسك. تجعلك متعبا جدا. تجعل تفكيرك بطيئاَ. لا حاجة للتفكير. انها مجرد عمل شكلي. ما عليك إلا ان تواصل القيام به. تتحمله فقط من أجل المال. لهذا يُدفع لنا- لكي نتحمل ما يسببه من ضجر”[4].

وهذا يدخل المسألة في مجال هام هو موقَعَةْ الاغتراب في المجتمع واغتراب العامل وبالتالي تماهيه مع الدور او/و قدرته على المقاومة في شروط كهذه؟ وهكذا فالعامل السعيد في عمله قد يكون مغتربا أكثر ممن لا يجد عملا، وهذا يفتح على مفارقة تهنئة عامل بأنه وجد عملاً مأجوراً، أي دخل حقل الاعتراب!

“ان ظاهرة الإرباك في ظل الرأسمالية كانت مشابهة جدا لظاهرة “الصنمية البضاعية” (ماركس 1954 فصل 1 قسم 4 ص ص 71-85) وهي التي جعلت علاقات السوق بين المنتجين في اي شكل من الانتاج البضاعي (ما قبل الرأسمالي، والرأسمالي وما بعد الرأسمالي) تظهر فقط كعلاقات لا شخصية بين الأشياء، وعليه فإن المنتجين يصبحون تابعين لما انتجوه، (او لدور السوق) من خلال عملية الاغتراب[5]“.

بالنسبة للماركسية فإن الاغتراب موجود في أي مجتمع يقوم على علاقات “البضاعة” السوق. والسؤال هو هل يتعلق هذا ببقاء قانون القيمة؟ والإجابة نعم. حتى في نظم الإشتراكية المحققة، فقد بقي قانون القيمة يفعل فعله مما يعني ان اغتراب العامل استمر طالما لم يتجاوز المجتمع قانون القيمة ويلغيه بما هو قانون تبادل وليس استعمالاً. وهذا يفتح على جانب آخر في المشكلة وهي أن أنظمة الاشتراكية المحققة مجسدة في حكم البيروقراطية قد قامت هذه المؤسسة بتغريب العامل هناك عن جهده ايضاً بقرار السلطة البيروقراطية. فلم يكن النظام هو حكم العمال وتحكمهم بإنتاجهم، هذا رغم أن البيروقراطية كانت تحكم ولا تملك بالمعنى المباشر للملكية الخاصة.

إرتكز ماركس في موضوعة الاغتراب على هيجل، حيث كتب:”ان الانجاز الملموس لفينومونولوجيا هيجل هو ديالكتيك النفي بما هو حركة وخلق المبدأ – وهو، اولا، ان هيجل قد التقط الخلق الذاتي للإنسان كعملية، والتشيؤ كفقدان للشيىء ، مثابة اغتراب وتجاوز لهذا الاغتراب، ذلك انه قد التقط بناء على ذلك طبيعة العمل، وأدرك او استوعب الإنسان كموضوع او تشيؤ… باعتباره النتيجة لعمله الخاص. بالنسبة ل هيجل فإن التشيؤ هو مصدر الاغتراب. أما ماركس فدفع مفهوم الاغتراب إلى الأمام. فبالنسبة له ليس فقط او مجرد تشيؤ النفس في منتجات عامل ما هي المسألة المركزية في الاغتراب. بل ان حيازة هذه المنتجات من قبل آخر. وهكذا، كان جدل هيجل في الاغتراب هو تجربة النفس كروح، بينما هذا الديالكتيك لدى ماركس تحدد وتحول الى ديالكتيك الاغتراب المادي للعمل”[6].

لا شك ان اهتداء ماركس لخطورة الاغتراب نابع من أن العمل بالنسبة لماركس هو الذي خلق الإنسان، ومن هنا اعتبر الاغتراب إيصال الإنسان إلى حالة اللاأنستة، وهو الاستنتاج الذي قلما تم البناء عليه، بمعنى أنه تم تجريد ماركس من أهمية هذا الاستنتاج، وحصره في انه عالج الاغتراب على ارضية اقتصادية فقط، اي أقصدة ماركس، وليس حتى على ارضية مادية، فما بالك بالمستوى الإنساني.

بيَّن ماركس للاغتراب ثلاثة عناصر أو مكونات هي الفلسفي والاجتماعي والنفسي في كتابه In the Economic and Political Manuscript 1843-4. لكن مرتكز ماركس في دراسة الاغتراب هو العمل. إنما ليس العمل من حيث المبدأ بما هو الذي خلق الإنسان، ولا العمل بالطبع بما هو مُنتج للقيمة الاستعمالية، بل العمل منوطاً بقانون القيمة، حيث جرى نقل العمل مبلوراً في إنتاج، إلى حقل القيمة الاستعمالية، وهذا طبعاً عبر قانون القيمة، الذي شكل جوهر الاقتصاد السياسي للراسمالية خاصة. هذا العمل هو ما يحوله الاقتصاد السياسي إلى موضوع الى شيىء خارجي مستقل عن الإنسان الذي أنتجه. ومن هنا يتم تغريب الإنسان، تحديداً الإنسان منتج العمل، اي العامل، يتغرب عن قوة عمله المبذولة في إنتاج سلعي ما، لا يعود متحكماً به، بل بالعكس، ولا يُطاله، ومن هنا ينظر إليه كصنم ماك (فيتيش).

اصبح الاغتراب هو العملية التي تتحول فيها الإنسانية باضطراد الى غريب في عالم خُلق بالعمل الإنساني نفسه. .. وتتضمن هذه الحقيقة ان الموضوع المنتج من قبل العمل، انتاج العمل، يقف الآن في مواجهته كوجود غريب، كقوة مستقلة عن المنتِج.[7]

والسؤال المترتب هنا، هل يقف المنتَج مستقلا عن الإنسان وحسب؟ وهل بهذا يُفقد الإنسان انسنته وحسب؟ هل يستقل المنتَج عن العامل ويبقى مستقلاً أو محايداً، أم أن هذا المنتَج يتحول إلى قوة قمع للعامل لا يخلصه منها سوى الاشتباك الثوري. فهذا المنتَج الذي اصبح فيتيشاً تجاه العامل هو الذي يشكل راسمال أو سيتحول إلى راسمال، وراس المال هو علاقة اجتماعية، علاقة طبقية، يقوي سيطرة الطبقة البرجوازية ويؤكد حكمها وديكتاتوريتها. ما نقصده هو وجوب سَوْق الأمور اي دفعها إلى نهاياتها السلطوية والطبقية. إن حصر خطورة الاغتراب في الحالة الصنمية، هو تقاطع مع المشروع المهزوم ل ميشيل فوكو في انتهائه إلى أن المعترض على سياسة السلطة أو الدولة إنما يتحرك في نطاق ما تسمح به هي له، أو كيف خلقته هي، وهذا ما اوصله إلى موت الإنسان! ومن هنا يبقى الموقف من الاغتراب في حالة السلب، مع أن الماركسية لا تكتفي بتفسير العالم بل تغييره، ومن هنا وجوب قراءة لا أنسنة العامل من مدخل انتفاضته وعيه الثوري وتجاوز الصنمية واللاأنسنة.

يميز ماركس بين تشييىء objectification العمل، وبين الاغتراب. فالتشيؤ هو العملية التي من خلالها تُمخْرِج الإنسانية نفسها او تباعد ما بين نفسها وما بين الطبيعة والمجتمع. تنتج ادوات مثلا، ومن ثم تدخل بالضرورة في علاقات اجتماعية، أما الاغتراب فهو يحدث فقط حينما تُبعَد الانسانية وتصبح في مواجهة نشاطها او جهدها الذاتي ، جوهرها، وتعمل كقوة قامعة، خارجية وغريبة.

يعرَّف ماركس العمل على انه اساس الثقافة الانسانية. فلم تعد الثقافة التعبير عن قوة فوق تاريخية ولكن عن انتاج النشاط الإنساني من خلال العمل. اصبح الاغتراب هو العملية التي تتحول فيها الإنسانية باضطراد الى غريب في عالم خُلق بالعمل”[8].

وهكذا، “ليست الصنمية البضاعية في راس المال سوى تجل خاص له. فحينما كتب ماركس ان السلع حين يتم إنتاجها ودفعها إلى السوق تأخذ شكلا مستقلاً، وعليه فإن العلاقات الاجتماعية في العملية التجارية تظهر للمشاركين كعلاقة بين الأشياء التي لا سيطرة لهم عليها …ان العلاقات الاجتماعية والتاريخ بكليته هو عمل الكائنات الإنسانية، التي تنجو من رقابتهم، وتتخذ بشكل متزايد هيئات مستقلة[9]“. تتخذ هذه الأشكال بالطبع حين الاغتراب.

” لقد جعلتنا الملكية الخاصة جهلاء بلداء، ومن حيث المبدأ، فإن الأشياء أو الموضوعات لنا فقط حيث نستعملها، ولكن عندما توجد في حياتنا كرأسمال، أو عندما تؤكل وتشرب وتلبس وتسكن…الخ ، باختصار …عندما تتم الاستفادة منها بطريقة ما، فإنها تخرج عن نطاق هذا الاستعمال، وتخرج عنا. وهكذا، فإن جميع المشاعر الفيزيائية والثقافية يتم استبدالها بذلك التغريب البسيط لجميع هذه الحواس، شعور الحيازة، ويتم بالتالي تضاؤل الكائن الإنساني وتقلصه إلى ذلك الفقر المطلق، ليغدوا قادرا على إعطاء انبعاث معين لكل طاقته الكامنة[10]

ففي مجتمع الملكية الخاصة، فإن المستخدِم الذي يحوز على إنتاج الآخرين، يعاني كذلك من التغريب، كما ويعاني كذلك التاجر الذي يأخذ السلع إلى السوق، فالمالك وغير المالك والحاكم والمحكوم، كلهم مغربين عن أعمالهم، وعن أنفسهم وعن الأخرين، إنه عالم مقلوب رأساً على عقب. ويبقى العامل أسطع مثال على التغريب، لأن التغريب قائم على منطق اقتصادي إنتاجي، قائم على العمل، أي ان التغريب، في المجتمع الطبقي، هو المآل الطبيعي الأساسي، هو الطبيعة الأساسية لمجرد نشاطه كإنسان، أما المالك والسيد فالتغريب بالنسبة إليهما حالة فقط.

لذا يقول ماركس: ” يجب أن يكون واضحاً لحظة البدء أن كل ما يكون للعامل نشاطاً تغريبياً ليس لغير العامل سوى حالة من التغريب[11].”

“…في اللحظة التي تحولت فيها الأشياء- التي هي في الأصل هبات- إلى سلع، عندما تحولت الثقة إلى عدم ثقة، والتبادل الى حسابات أصبح ما تتم مبادلته الآن من يد إلى أخرى ليس التعبير عن مجموعة من الناس، بل عن اغترابهم عن إنتاج العمل، عندما صار كل شخص يأخذ الأشياء التي يتبادلها إلى السوق تحول إلى تاجر، وأصبحت السلعة هي الموضوع، والإنسان مجرد وظيفة، ولم يعد الناس يرون بعضهم متساوين في الحقوق، بل اساسيين وثانويين، لقد تغرَّب كل ذي نشاط عن الآخر، وكلهم تغرب عن المواطن البسيط، وتغرب المالك عن بائع قوة العمل، كلما ارتقى تقسيم العمل وازداد العمل المأجور وازداد التغريب.[12]

“عندما يحصل التغريب الاجتماعي للعمل يختفي التفاعل الديالكتيكي بين الناس وعملهم وبينما تستمر عملية التجربة الاجتماعية في اتخاذها دورها وأثرها على الأفراد فإنهم، اي الناس، لا يملكون سوى قدرة بسيطة على تحويل هذه التجربة لصالحهم الخاص، وهكذا، فإن العمل المغرَّب يدمر بدل أن يركز تطور الفرد[13]“.

لا شك أن هذا ما لاحظه العامل الذي اشرنا إليه أعلاه، فهو إذ يشتكي الضجر في مرحلة من العمر سوف يصل إلى العجز عن رؤية البلاهة التي سوف يغط فيها، في أعلب الأحيان حيث قضى عقوداً طويلة في عمل محدد ومحدود. ولكن كما ألمعنا أعلاه، فإن التوقف عند تحول العامل إلى بليد أو ابله، لا يتطابق لا مع الماركسية كفلسفة تغيير، ولا يتطابق مع الإنسان كإنسان، لأن هذا التوقف يعني الدوران على المحور في حركة غير تصاعدية، وهذا يعني “موتاً ما للإنسان”! وهو يخدم إلى درجة كبيرة أولئك الذين يعتقدون بأبدية الراسمالية أو يروجون لهذه الإيديولوجيا. وهو الأمر الذي كسرته كوميونة باريس لسبعين يوماً والبلشفية لسبعين عاماً، وتكسره أميركا اللاتينية اليوم. والأهم من ذلك يكسره التناقض الداخلي الذي بدأ يتفجر اليوم في النظام الاقتصادي العالمي لاسيما من مركزه. لعل ال “فيتيش” الأعلى اليوم هو تحول إنتاج العامل من سلعة إلى مال رقمي، وليس نقد بالمعنى (النقودي المعدني) وتبخره بانفجار الفقاعة المالية.

لا بل لعل التفاقم الأقصى للاغتراب هو في قيام برجوازية المركز بمداواة قروحها الاقتصادية بنفس الأموال المغرَّبة عن العمال المغرَّبين وذلك بوضع يدها على صناديق التقاعد ومدخرات الطبقات الشعبية وضرائبها. هنا يتعدد الاغتراب بما لا قِبَلَ لأحد على حصره، ويرتفع، أي الاغتراب، إلى أُسٍّ فلكي.

بدوره يرى فرويد ان الاغتراب ناجم عن كبت طاقة الحب حيث يصبح مصدرا من مصادر العقد النفسية، وهنا يبني فرويد على هيجل وليس على ماركس. ولكن ينتصب السؤال: لو تحقق الإشباع الجنسي، هل يتلاشى الاغتراب. ربما يفتح هذا على الاجتهادات المتعلقة بتلاشي الاغتراب.

يجادل اليسار الجديد، تجربة فرنسا تحديداً، بأن الاغتراب أسبق وأكثر أساسية من الاستغلال بما هو مصدر لعذابات الإنسان…ولكن انتهاء الاستغلال ليس شرطا ان ينهي الاغتراب لأن الأمر منوط بالندرة. وعليه، لا ينتهي الاغتراب إلا بنهاية الندرة[14] .

لكن هنا يصبح للاغتراب معنى آخر، وهو المعنى الذي يعني احتفاظ الطبيعة بالخيرات المادية دون أن يتمكن الإنسان من تصريفها إلى “عملة” الاستعمال، اي مستوى سيطرة الإنسان على جوانب من الطبيعة العمياء. فالندرة بالمعنى العام ليست متعلقة بالاحتكار، بل متعلقة بعدم قدرة الإنسان على إنتاج الإشباع النسبي لحاجاته، أو ما يمكن أن يسمي الإنسان نفسه به، تحقيق المنفعة. صحيح أن هناك اغترابا في هذه الحالة، ولكنه ليس بين الناس أو بسببهم. وعليه، فإن ما يجب ان يكون قد ركز عليه اليسار الفرنسي هو حل مسألة الندرة من خلال الإنتاج الموجه لسد حاجات الناس الأساسية. ولكن، هل يمكن تجاوز مسالة الندرة مع الطبيعة؟ أو هل يمكن تعريف أو تعيين الحد الفاصل بين الندرة والوفرة؟ لا نعتقد ذلك، لأن تطور الإنسان يرفع من مستوى افتراضه الحياتي إلى درجة البحث عن السرمدية. وهذا هو الإغتراب منذ الأزل وإلى الأبد. أما تقويض الاغتراب على الأرض، فهو ممكن بالثورة الاشتراكية وحسب.

حسب ألثوسير وباليبار، فإن الاغتراب : ” مفهوم إيديولوجي استخدمه ماركس في كتاباته الأولية واعتبر من قبل مشايعي تلك الأعمال مثابة المفتاح المفاهيمي للماركسية. كان المصدر المباشر لماركس فيما يخص الاغتراب قد استند الى انثروبولوجيا فيورباخ التي تشير الى وضعية الانسان والمجتمع حيث ان جوهر الانسان يُقدَّم له فقط في شكل مشوه، كإله، رغم ان الإنسان خلقه طِبقاً لصورة جوهره (النوع الموجود) ويظهر له كخارجي، كمخلوق موجود سلفاً او مسبقا. استخدم ماركس المفهوم لنقد الدولة والاقتصاد لأنهما تصادران العمل الحقيقي الذي يحدده العامل بنفسه بنفس الطريقة. لم يظهر المصطلح كثيرا في اعماله المتأخرة ، وحيث استعمل كان بقصد المفارقة او بمنحى مفاهيمي مختلف، (في رأس المال على سبيل المثال)[15]“.

كما هو واضح، فإن هذا التعريف، وما ألمعنا إليه أعلاه، لا تساعد كثيراً على توسيع البحث في مسألة الاغتراب بما هو أوسع من الاستغلال الطبقي في المجتمع الرأسمالي الصناعي بالطبع. وربما يخدم التعريف التالي رغبتنا في توسيع المفهوم. ربما كان بوسع الثوسير وباليبار توظيف الاغتراب في النطاق الأوسع، نطاق السيطرة والهيمنة والدرجات ما بينهما في صراع المجتمع المدني والسياسي، لكن عدم القيام بذلك كان لأنهما انحصرا في ما وصل إليه ماركس، أو ما حدده، أو في ما قرروا به قراءة ماركس هم وغيرهم.

يقول جاري و جاري:” الاغتراب هو شعور الفرد بالغريبية عن حالة، جماعة أو ثقافة… وهو مصطلح استخدمه ماركس في بواكير أعماله ليشير إلى مركَّب علاقات الانتاج الرأسمالي وآثارها الإنسانية والنفسية… وبمنظور ماركس إن تمظهرات الاغتراب لدى الأفراد هي نتاج علاقات اجتماعية[16]“.

هذا يزيد التحفيز لإجابة على سؤالنا نفسه، هل نحصر الأمر في نطاق التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية القومية أم نذهب باتجاه النظام العالمي (أنظر لاحقاً)، حيث يشكل متروبول الكيان الصهيوني ومتروبول اغتراب الفلسطينين اغتراباً متعددا ودائماً. حتى قبل الأديان، فإن الاغتراب هو شعور إنساني أمام الطبيعة منذ تواجده وحتى اي صراع مع الطبيعة، هو شعور الرهبة والخوف والتجهيز للاشتباك، وهذا يعطي الاغتراب بعدين أوسع مما ذهب إليه ماركس:

الأول: ان الاغتراب هو صورة للتناقض والاشتباك مع الطبيعة كنقطة بدء، كما اشرنا في السطر المتعلق باليسار الجديد.

والثاني: ان الاغتراب يمكن توسيعه إلى الفضاءات ما فوق القومية، اي لما هو أوسع من التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الواحدة وبنيتها الطبقية. ولا شك أن حقبة العولمة تعكس هذا بوضوح فجّْ.

الهدف الأساس لدى ماركس في هذا الصدد، ليس التركيز على الاستغلال والفقر وحاجة العامل لإنتاجه على أساسية هذه كلها، بل التجريد من الأنسنة- أي حقيقة ان الأفراد يُغرَّبون عن عملهم الخاص في أشكال سلع، أفكار، ومؤسسات سياسية، وليس فقط من هذه وحدها ولكن كذلك من الموجودات التي تتبعها، في النهاية من انفسهم. لدى ماركس ليس التغريب سوى عملية يقوم فيها المرء بتجريد نفسه مما هو عليه حقيقة، من انسانيته.


[1] يتقارب مصطلح أنومي anomi لدى كومت ودوركايم إلى درجة كبيرة مع مصطلح الاغتراب alienation لدى هيجل ثم ماركس، إلا أنني لا اشعر براحة كبيرة من تطابق المعنى في العربية بينهما، لذا سوف استخدم الإثنين تقريبا بنفس المعنى في العربية، مع محاولة كتابة أل أنومي مباشرة كي اميزه عن الاغتراب لدى ماركس.

[2] Marx Karl, Economic and Political Manuscripts, p.p. 159-60, مقتطف من مقالة عادل سمارة، التغريب الطبقي والاجتماعي وجدليته في الوطن العربي، في مجلة البيادر ، السنة الأولى العدد الثالث، ايار 1976، ص ص 3-8

[3] لست متيقناً من المفردة الأدق، الاغتراب أم التغريب. صحيح أن العامل يصل حالة الشعور بالاغتراب عن إنتاجه ، ولكن التغريب يفيد فعل التعْدِية، بمعنى أنه أُرغم على ذلك ولم يقم به كفاعل بل كنفعول به. لذا، يرد كلا المصطلحين في هذه المقالة.

[4] Beynon, H, Working for Ford, Allen Lane, (Penguin, 1973:p118).

هيو بينن محاضر في جامعة مانشستر، في بريطايا، كانت رسالته للدكتوراة عن الفوردية Fordism ، ونظراً لمحتواها النقدي جداً، لم يُمنح عليها لقب الدكتوراة!

[5] Marx, K.1954, Capital, vol 1, ch. 1, section 4, pp 71-85, Foreign Languages Publishing House, Moscow, Quoted in Marxism, and Post-Marxian Political Economy, Arun Bose, Penguin, 46.

[6] See Arthur Hirsh, The French New left, an Intellectual History from Sartre to Gorz. South End Press Boston, 1981:16.

[7] Alan Swingewood, A History of Sociological Thought, Macmillan, 1984: 64

[8] Alan Swingewood, A History of Sociological Thought, Macmillan, 1984: 64

[9] Leszek Kolakowski, Main Currents of Marxism, the Founders, Oxford 1978:173.

[10] Marx Karl, Economic and Political Manuscripts, p.p. 159-60, مقتطف من مقالة عادل سمارة، التغريب الطبقي والاجتماعي وجدليته في الوطن العربي، في مجلة البيادر ، السنة الأولى العدد الثالث، ايار 1976، ص ص 3-8بالنسبة

[11] Marx Karl, Economic and Political Manuscripts, p.p. 159-60, مقتطف من مقالة عادل سمارة، التغريب الطبقي والاجتماعي وجدليته في الوطن العربي، في مجلة البيادر ، السنة الأولى العدد الثالث، ايار 1976، ص ص 3-8بالنسبة

[12] Marx, Economic and Political Manuscripts, p. 134, Quoted in Samara 1976.

[13] العمل المغرَّب س باولز و هـ . جينينتز، في مجلةمونثلي ريفيو المجلد 26، العدد 10 ص 12 مقتطف في سمارة 1976، البيادر، مصدر سبق ذكره .

[14] Arthur Hirsh, The French New left, an Intellectual History from Sartre to Gorz. South End Press Boston, 1981:75.

[15] Louis Althusser and Etienne Balibar, Reading Capital, NLB 1970: 309

[16] Sociology, the Harper Collins Dictionary, David Jary and Julia Jary, 1991:13.