عودة نتنياهو… ما الذي تغيّر؟!

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1854)

سلَّم القرار الإسرائيلي إلى من خلفه في سدة الحكم، مؤكداً شعوره ب”الارتياح والفخر”. كان هذا هو إيهود أولمرت رئيس الوزراء الخائض حربين فاشلتين ضد العرب في لبنان وغزة… حربان فاشلتان لناحية عدم تحقيق استهدافاتهما، وليس في قدرتهما الدموية والتدميرية الهائلة، وواجه الراحل ولا زال يواجه مسلسلاً من تحقيقات الشرطة حول تهم تلاحقه بالفساد. أما القادم أو من سلَّمه المقود من بعده فكان هو بنيامين نتنياهو، الذي انتظر لمدة عشرة سنوات ليعود لرئاسة الحكومة… وأية حكومة؟!

إنها حكومة كل الكيان الإسرائيلي بلا منازع، بتقسيماته يساراً ويميناً وما بينهما، وحتى أقصى أقصى يمين اليمين المغالي تطرفاً لدرجة الهذيان، فاستحق بذلك أن يغدو زعيماً متوجاً لمجتمع في غالبيته قد أصبح أو كاد من على يمينه، فكان هو، انتخابياً، خير من يعبَّر عنه، ولدرجة أن يغدو حزب “كاديما”، أو حزب شارون، ما غيره، هو المعارضة!!!

وعليه، أعلنها “حكومة وحدة وطنية”، فكانت لا رضاء المؤتلفين هي الحكومة الأكبر في تاريخ كيانه، فضمت ثلاثين وزيراً وتسعة نواب لرئيسها، وكانت من شأنها أن تستحق دخول موسوعة “غينيس” بامتياز باعتبارها أيضاً الأشد يمينية وعنصرية وتطرفاً، ليس في إسرائيل فحسب بل والعالم الراهن… ولأنها “حكومة وحدة وطنية” نالت أغلبية 74 عضواً في الكنيست، ولا غرو، فهي ضمت أحزاب، الليكود، العمل، إسرائيل بيتنا، شاس، البيت اليهودي، ويهدوت هاتورة… صفوة عنصريي مجتمعهم الاستعماري الإحلالي المتطرف بالضرورة انسجاماً مع طبيعته ذاتها… وبما فيهم ذاك الحزب اليساري المزعوم وفق التقسيمات الصهيونية، ذاك الذي أسس الكيان، وقاد أغلب وأهم حروبه واحتلالاته، والمهندس البادئ للعملية التهويدية المسماة بالاستيطان، وزعيمه الحالي وزير الحرب الجنرال إيهود باراك، الذي يُعرف بأنه ممارس قتل الفلسطينيين بيديه ومن لا يهمه أن يخفي يديه الملطختين بدمهم بل يفاخر بسفك ما لطخهما به… باراك الذي، وفق تعبير اللبؤة الموسادية التي غدت زعيمة المعارضة تسيبي ليفني، بات يرمز “إلى مماسح حزب العمل، التي هي بالكاد مجرد رماد لا يغطي عيوب هذه الحكومة”، هو من يشكل واحدة من أثافي هذه الحكومة العتيدة، أي ثالث الثلاثي أو أركانها التي قامت عليهم… إلى جانب رئيسها نتنياهو، ووزير خارجيتها افيغدور ليبرمان… بالمناسبة زعيمة المعارضة هذه لم تجد ما تبدأ به معارضتها إلا هجاء كثرة الحقائب الوزارية فيها، وكلفة هذه الكثرة اقتصادياً، وعدم جدواها، وانعدام نزاهة أعضائها!

بيد أن نجم هذه الحكومة التي يرأسها من جاء إلى السياسة من عالم الإعلان، هو بجدارة وزير خارجيتها، أو وجهها الديبلوماسي، أفيغدور ليبرمان، داعية الترانسفير، أو طرد ما تبقى من الفلسطينيين في وطنهم، لاسيما منهم المليون وقرابة النصف في المحتل من فلسطين عام 1984، والذي جاء إلى بلادهم المحتلة من مولدافيا، حيث كان يعمل حارساً لأحد ملاهيها الليلية، والذي كانت أولى نشاطاته بعد التنصيب هي مثوله أمام محققي الشرطة في تحقيقات حول تهم الفساد والرشوة وتبييض الأموال!

يقول المثل الشعبي، المكتوب يقرأ من عنوانه، وحكومة نتنياهو هذه يمكن قراءتها سلفاً، حتى من قبل شبه الأميين العرب في معرفة طبيعة عدوهم… أي تُقرأ، أو تكفي قراءتها، من سماع ما قيل في حفل تنصيبها… ما قاله رئيسها، ووزير خارجيتها، وما تفضل به الداهية الأشر رئيس دولتهم اسحاق بيريز:

مثلاً، عند نتينياهو مشاكل إسرائيل محصورةً في اثنتين فحسب، واحدتهما اقتصادية و الأخرى أمنية، وعليه، هي في نظره تجد نفسها أمام “هذين الاختبارين”، أو “هاتين الأزمتين اللتين هما نتاج تطورات دولية هائلة، وليست أفعالنا في الماضي أساس لهما”!

المشكلة الاقتصادية مردها الأزمة الاقتصادية الكونية، أما الأمنية، فهي تكمن عنده في “صعود الإسلام المتطرف” في العالم، حيث “الخطر الأكبر على البشرية ينبع من إمكانية تسلح نظام راديكالي بسلاح نووي أو تسلح نووي بنظام راديكالي”… هو هنا يقدم أطروحة جديدة كبديل عن أخرى سابقة له حول صدام الحضارات!

إذن ببساطة مردها منطق استعماري تليد، لا مشكلة أخرى هنا خلاف مثل هذا الخطر المحدد، حيث المسكينة “إسرائيل تتطلع لتحقيق السلام التام مع العالمين العربي والإسلامي”، وهو تطلع بالنسبة له مدعوم، “بمصلحة مشتركة بين إسرائيل و الدول العربية في مواجهة التنين المتعصب الذي يهددنا جميعاً”… و ماذا عن الفلسطينيين أو الإرهابيين الذين يصرون على تحرير وطنهم المغتصب ؟!

إنه بالنسبة لنتينياهو وأطراف ائتلاف حكومته ومن انتخبوهم، ليس ثمة من قضية فلسطينية، وليس ثمة ما يستوجب الصراع الدائر أصلاً، والسلام مع العرب المعتدين، يبدأ بالتعليم… بتلقين الأطفال العرب، وإعداد الأمة العربية، “للإقرار بأن إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي”… وللفلسطينيين تحديداً يقول:

إنه ببساطة، “إذا كنتم حقاً تريدون السلام فيمكن تحقيق السلام”… إنه وفق أطروحته المعروفة تحقيق “السلام الإقتصادي” وليست مسألة تحرير وطن مغتصب، وبعدها كفى الله المؤمنين شر القتال… ولمزيد من إبداء حسن النية، يعلن إزماعه العمل مع سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الإحتلال، في ثلاثة مسارات متوازية، إقتصادية، أمنية، سياسية، حيث يقول: “إننا نتطلع للمساعدة في التطوير المكثف للإقتصاد الفلسطيني والعلاقات الإقتصادية بينه وبين إسرائيل، و ستدعم آلية فلسطينية تحارب الإرهاب، وسنجري مفاوضات مع السلطة متطلعين للتوصل إلى اتفاق دائم”… وماذا عن ليبرمان؟

يمكن تلخيص ليبرمان فيما يلي: لا، لأنابولس، ولا لحل الدولتين، ولا للانسحاب من الجولان، وقطر دولة متطرفة، والعراق ليست دولة… وإسرائيل تنازلت عن أراض تزيد عن ثلاثة أضعافها… تنازلت عن سيناء، في كامب ديفيد، لصالح مصر… شريكة السلام التي إن لم يزر رئيسها إسرائيل فبوسعه، وفق تصريح ليبرمان الشهير، “أن يذهب إلى الجحيم”!

ليبرمان خاطب الإسرائيليين “هل تريدون السلام؟ استعدوا للحرب، وكونوا أقوياء”. و”هناك وثيقة واحدة تُلزمنا أقرت في الحكومة هي خارطة الطريق رغم أني صوّت ضدها”… الخارطة التي يعد المهم فيها عنده هو “تفكيك المنظمات الإرهابية و إقامة سلطة فعالة” في مكافحتها لهذه المنظمات… هذا فلسطينياً، أما بالنسبة لسوريا المحتلة أراضيها، فهو يعرض عليها “السلام مقابل السلام، لا سلام مقابل التنازل عن الأرض” المحتلة، التي يعتبر الجلاء عنها عنده تنازلاً!

هنا نلاحظ أنه بالنسبة لآخر طبعة في الحكومات الإسرائيلية يعد الوضوح سيد الموقف، وربما هذا وحده هو المختلف الذي يحسب لها، ليس ثمة أرض عربية محتلة، ولا قضية شعب مشرد أغتصبت أرضه و احتل وطنه، وبالتالي فليس ثمة ما يستوجب هذا الصراع الدائر منذ أكثر من قرن على فلسطين، أو ليس هناك من قضية مركزية للعرب فيها… وهنا، ولترسيخ مثل هذا المنطق، لابد من اختلاق العدو البديل عن عدوهم التاريخي، هذا القوي المستقوي بالغرب الذي يطرح عليهم السلام مقابل السلام لا أكثر، ونأتي هنا إلى ما قاله بيريز في حفل التنصيب:

“إن حاجة العرب للسلام مرتبطة بالخطر الإيراني على الجزء العربي من منطقتنا”. وعليه، يمكن فهم المسعى الغربي الذي يجد صدى لدى بعض العرب، الحاث على قيام تحالف بين المُعتدي و المعتدى عليه لمواجهة مثل هذا الخطر البديل المزعوم، بالإضافة إلى مواجهة خطر ما يسمى الإرهاب أو ما وصفه نتنياهو “التنين المتعصب” في العالم الإسلامي!

عبر مقابلة مع صحيفة “أتلانتيك”، حدد نتنياهو لأوباما أجندته الرئاسية بقوله: “إن أمام الرئيس الأمريكي مهمتان كبيرتان: لإصلاح الوضع الإقتصادي، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي”… وأنذر الأمريكان: أنه “إذا لم يسارع أوباما لمعالجة النووي الإيراني بنفسه، فأنا سأفعل ذلك”؟!

… إنها إسرائيل ذاتها، تلك التي كانت و ظلت و ستظل أسيرة طبيعتها والمنسجمة معها… العدو الذي لا زال العرب يصرون على أن خيار السلام هو خيارهم الاستراتيجي الوحيد معها، أو هذه التي أصبح الإعتراف بها مطلباً “فلسطينياً”، حيث تطالب رام الله غزة في حواريهما القاهري بذلك، كشرط أو كجزء من الحلول الموصوفة ب”الخلاقة” لمتحارجة المصالحة الفلسطينية الفلسطينية المنشودة، أو هذه التي تأجل حوارها لأسابيع بانتظار التوافق على هذه “الخلاقة” المستعصية!

…إنها إسرائيل… وما الذي تغيّر؟! أرحل أولمرت أم عاد نتنياهو؟!