تفاعلات الأزمة المالية: أزمة، إحتجاج، ميزانيات إنقاذ، ومعسكرات تجميع

د. ثابت عكاوي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1858)

يبدو أن اللبرالية الجديدة في الاقتصاد في بلدان الغرب باتجاه استنفاذ الطابع “الديمقراطي” الذي انتقل اليها من اللبرالية السابقة، أو دولة الرفاه التي ترافقت مع الفوردية والكينزية، أو تكاملهما. ويبدو كذلك، أن هذه الديمقراطية هي وصفة لأيام الرفاه، وبالتالي فإن اللبرالية ديمقراطية طالما هي في ازدهار، أما حينما تمتد الأيدي إلى مصالحها، أو يتضاءل معدل الربح، فيتم غض الطرف عن “حقوق المواطن”.

فالتطورات الاقتصادية التي تجلت في الأزمة المالية/الاقتصادية، أخذت تعرض للمجتمعات في الغرب ترجماتها الإجتماعية، بمعنى أن الذين اصيبوا جرّاء هذه الأزمة، وهم الطبقات الشعبية والوسطى هم الأكثرية الاجتماعية، وأن هؤلاء بدأوا بالتململ. صحيح أن هذا التململ لم يأخذ طابعاً عنفياً بعد، وربما لأن المتضررين لم يفقدوا الثقة بعد بأن تصحيحاً ما للأوضاع الاقتصادية ومن ثم الاجتماعية هو على الطريق، كما لا يلبث زعماء بلدانهم عن الترداد في كل مؤتمر. علماً بأن المسافة بين كل مؤتمر وآخر للدول العشرين خاصة، هي اسابيع وربما اقل.

ورد في تقرير صادر عن مجلة (الاقتصادي- الإيكونوميست- The Economist) البريطانية، وهي الأكثر عراقة في التحليل الاقتصادي والاطلاع على اوضاع الاقتصاد العالمي منذ أكثر من قرنين من الزمان، بأن هناك 95 دولة في العالم من المتوقع أن تشهد اضطرابات اجتماعية بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة التي يمر بها العالم. وعلى أقل تقدير، فإن هذا التقرير هو تحذير مسبق من أزمات قد تعصف بالعالم، وربما ترى الإيكونوميست، أنها بدأت حقاً.

ولا شك أن هذا التحذير له معنىً إضافياً حيث تواكب مع مؤتمر وزراء مالية العشرين قبل ايام في لندن ومؤتمر الدول الأوروبية في بروكسل من بعده. وهو تزامن لا يخلو من إعطاء مؤشرات للقادة بأن الأمور تحتاج لخطى جدية اي تغيير في السياسات لأن الأزمة في الاقتصاد العالمي بنيوية هذه المرة، هذا بالمنظور الأوروبي، وليس أزمة سيولة، تُحل بضخ مقادير مالية أكبر، كما ترى الولايات المتحدة. ربما لم تقل الإيكونوميست ذلك، ولكن ليس شرطا إيراد النصوص.

ربما كانت أحداث آيسلندا الدافع الرئيسي وراء إعداد هذا التقرير حيث بدأت الاضطرابات فيها منذ نوفمبر 2008. وما تزال الاحتجاجات هناك متواصلة على الأداء الإقتصادي للحكومة. فقد قام قرابة الفي محتج بتطويق مبنى البرلمان في 20 كانون ثانٍ، بأحزمة من الورق الأبيض وضربوا الشرطة بالبيض، وفرقتهم الشرطة بالغاز المدمع واعتقلت عشرين شخصاً، وإثرها ضرب المتظاهرون زجاج البرلمان بكرات من الثلج. وفي اليوم التالي تظاهر المواطنون وطالبوا باستقالة رئيس الحكومة. وبعده تظاهر المحتجون ثانية مطالبين بخروج البلاد من حلف الناتو وهي المرة الأولى بعد عام 1949. وبالمناسبة، جرت مظاهرات في بروكسل الأسبوع الماضي مطالبة كذلك بانسحاب بلجيكا من الحلف ( وسحب قوات بلادهم من العراق وأفغانستان) الذي، برأي المتظاهرين، أدخل العالم في حروب ادت إلى الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية، وتم اعتقال المتظاهرين جميعا وهم قرابة المئة.

يمكن للمرء اتخاذ حالة آيسلندا كنموذج. ولكن، في اوروبا عامة هناك جيل من الشباب المتمرد بسبب ما لحق به من الأزمة الاقتصادية، هذا ما أوردته مجلة (ذي تايمز The Times) بأن تظاهرات حصلت في لاتفيا، وليثوينيا، وبلغاريا، واليونان حيث استغل مصرع شاب على يد الشرطة لتعم المظاهرات وأعمال العنف البلاد احتجاجا على الأزمة المالية.

في هذا الصدد يقول البروفيسور روبرت وايد، من (جامعة لندن سكول أوف إيكنوميكس)، ان حكومة آيسلندا ستسقط بالتأكيد، كما أن فريدريك إريكسون، من المركز الأوروبي للسياسات الاقتصادية الدولية وصف الوضع الحالي بنفس المناخات الاجتماعية التي سبقت الثورة الفرنسية 1789 ولهذا مدلول تفيير جذري واضطرابات منفلتة.

ولم تنحصر التظاهرات في الدول الأوروبية الصغيرة أو الأقل ثراء، فقد كانت فرنسا المسرح الأكبر للإضرابات في الأسبوع الماضي. وفرنسا هي صاحبة التراث العريق في الانتفاضات الشعبية، حيث اضرب ثلاثة ملايين شخص في الأسبوع الماضي احتجاجاً على السياسة الاقتصادية للرئيس ساركوزي. وبادرت إلى ذلك نقابة العمال الكبرى (سي.جي.تي الاتحاد العام للشغل) وضم الإضراب، موظفي القطاع الحكومي والبريد والصحة والمدارس وقطاع النقل إلى جانب شغيلة القطاع الخاص، وعمال المطارات مما اربك الحركة الجوية وخاصة المحلية. واستمر الإضراب ل 24 ساعة. ويعتبر هذا الإضراب الضخم الثاني خلال شهرين حيث شارك في الإضراب الأول 2,5 مليون شخص.

إلى جانب باريس التي بلغ عدد المتظاهرين فيها 85,000 كانت الاحتجاجات شديدة في مدينة مارسيليا حيث طالب المضربون بزيادة أجورهم وحماية أكبر من الأزمة.

كان الإضراب مبرمجا لدرجة أن 200 مظاهرة انطلقت في مختلف أنحاء فرنسا في نفس اليوم. ورغم تنوع وتعدد فئات المضربين، إلا أنهم ملتقون حول مسألة واحدة هي عدم ارتياحهم للسياسة الاقتصادية لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تبنتها الحكومة.

بدوره قال ساركوزي انه يتفهم المطالب وبأن حكومته وضعت سياسات جديدة من اولوياتها الحفاظ على الوظائف والصناعة. وبالطبع رفض ساركوزي مطلب تركيز الضرائب على الأغنياء زاعما ان هذا سوف يدفع دافعي الضرائب الأغنياء لترك البلاد ليستثمروا في بلدان أخرى تقدم لهم إعفاءات مغرية.

لعل ما يكشف ابعاد المشكلة أن الحكومة الفرنسية ليس لديها الكثير لتقدمه للناس. ورغم أن أكثرية الناس تؤيد الإضراب، إلا أن المراقبين يرون بأن ساركوزي ليس باتجاه التراجع عن سياسته الاقتصادية. فبعد ان قدمت الحكومة مساعدات ب 34 بليون دولار للشركات الكبرى لم يعد بوسعها تقديم أكثر، وكما يقول وزير الصناعة فإن حكومة مدينة جداً لا يمكنها تقديم مساعدات. تجدر الإشارة إلى أن فرنسا أفضل من غيرها بكثير فيما يخص خدمات دولة الرفاه، لكن المراقبين يرون انها مقبلة على أزمة يتقلص الاقتصاد فيها هذا العام بنسبة 2 % وتصل البطالة إلى 10%.

لكن المؤشرات الأكثر خطورة، هي في الجانب الرسمي، وليس الشعبي، وهو ما يتضح من التدابير الاحترازية التي تتخذها الإدارة الأميركية الحالية تحسباً من الاضطرابات الاجتماعية بسبب الأزمة الإقتصادية.

فقد قدم أحد أعضاء الكونجرس إلى مجلسه اقتراح قانون بإقامة ستة مراكز لتجميع المواطنين الأميركيين المتضررين من الأزمة المالية/الاقتصادية الحقيقية سواء فاقدي منازلهم او أعمالهم أو وظائفهم…الخ. ومن يقرأ نص الاقتراح يمكنه أن يشم منه رائحة ابعد من اعتناء الدولة بالضعفاء. فهذه المراكز تقرر أن تقام داخل معسكرات للجيش الأميركي. كما استقدمت الولايات المتحدة فرق حرب الشوارع ومكافحة التظاهرات وحرب المدن من العراق إلى الولايات المتحدة وليس إلى أفغانستان.

بكلمة أخرى، فإن هذه المعسكرات، بناء على مواقعها على الأقل، مهيأة لاحتجاز من يحتجون على الأزمة الاقتصادية/المالية أكثر مما هي أماكن إيواء. وهذا يعني أن الإدارة الأميركية تتوقع أن ينتقل مواطنوها من لحظة الدهشة والترويع الإقتصادي إلى لحظة الاحتجاج. كما أنها تخشى ما هو أبعد.

ففي يوم 21 آذار توقفت حافلة تقل عشرات المحتجين أمام منازل مدراء شركة التأمين (أميركان انتناشيونال جروب) ومركزها نيويورك، للاحتجاج على عشرات ملايين الدولارات التي دفعتها الشركة كمكافآت لمدرائها ومسؤوليها التنفيذيين بعد أن حصلت على مساعدات إنقاذ ضخمة من الحكومة الفدرالية! وقال المحتجون ان مبلغ 165 مليون دولار يجب تسخيرها لتثبيت مساكن للأسر المطرودة وخلق وظائف للعمال وللتأمين الصحي.

معربة عن دهشتها قالت سيدة تعمل في العناية بالحدائق لأحد المدراء:”ايها اللورد، لا يمكنني التصور كيف تعيش في منزل بهذا الحجم…إن هذا عالم غير عالمنا”! من الواضح ان المكافآت قد اشعلت غضباً لدى الموظفين وصل حد التهديد بالقتل.

فقد حصلت الشركة على دعم حكومي وصل الى 182,5 بليون دولار، واصبح 80% منها ملكا للحكومة، في الوقت الذي فيه انهارت اسواق المنازل والوظائف وتدهورت البلاد في ركود أدى إلى كساح اقتصادي. أما الشركة فزعمت انها وزعت هذه المبالغ الهائلة لأنها تريد الاحتفاظ بموظفيها ذوي القيمة العالية كي لا يتركوها. وأن هؤلاء الموظفين يعملون بكل طاقتهم كي تدفع الشركة للحكومة ما استدانته منها، كما أنهم يساهمون في إنعاش الاقتصاد.

بدوره قال مدعي عام الدولة ريتشارد بلومنثال أن هذه الشركة قد دفعت 53 مليون دولار من المكافآت زيادة عما ورد في تقرير وحدة الإنتاج المالي فيها!

اللافت هنا ان حكومة الولايات المتحدة، وهي مركز الأزمة وسببها الرئيسي، وهي قبل ان يبدأ الاحتجاج الشعبي، جهّزت نفسها لمواجهة الاحتجاجات، والتي لم تعْتَدْ عليها بالطبع مقارنة مع أوروبا الغربية.

وهذا التجهيز من قبل الدولة يعني ان الثقة بالعلاجات التي تقدمها ليست عالية من قبل الدولة نفسها. وكما نعرف هناك مدرستان حتى اللحظة لعلاج الازمة:

□ المدرسة الأميركية التي تدعو إلى ضخ كم هائل من الأموال في شرايين النظام المالي (البنوك) كي يقوى مجدداً على العمل.

□ وهناك المدرسة الأوروبية التي تدعو إلى تغيير بنيوي في النظام الاقتصادي يزيد من تدخل الدولة في الاقتصاد.

وبغض النظر عن ايهما الذي سيعطي ثماراً أفضل، يبقى التساؤل مشروعاً فيما إذا كان اياً منهما سيشكل حلاً للأزمة.

أما الأمر اللافت فهو في الضفة الأخرى من العالم، في بلدان محيط النظام، ما الذي يدور، ما المتوقع؟ هل هي المنطقة المرشحة للتغيير؟ هل ال 95 دولة التي تحدثت عنها الإيكونوميست متركزة هناك؟ ثم ماذا عن فرصة قيام بلدان معينة باستغلال تراخي قبضة المركز للتأسيس لتنمية فيها أي قاعدة صناعية؟ كل هذه اسئلة برسم الإجابة، ومن المفترض أن يجبيوا عليها…العرب أيضاً!