الفلسطيني والإغتراب (الجزء الثالث والاخير)

الفلسطيني بين الإغتراب، الأنومي

الاقتلاع من الوطن واقتلاع الوطن المفترض من الذاكرة

(الجزء الثالث والاخير)

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1860)

يتبين التغريب النفسي عند اللاجئين الفلسطينيين ليس فقط من النوستالجيا العامة التي يعانيها الفرد المغترب عن وطنه، لأن حالة النوستالجيا المألوفة هي في الحنين إلى ماضٍ، ربما لم يكن تركه قسراً، أي يمكن للحنين أن يتولد عن محاولة استعادة ما يمكن استعادة صورته، اي حالة متخيلة لما تجاوزه الزمن بتطوره الطبيعي وليس القسري. لكن حالة الفلسطيني مركَّبة كما اشرنا غيرمرّةٍ ومن مستويات تركُّبها أن أغلبية الفلسطينيين هم من مجتمع فلاحي زراعي يحملون ثقافة خاصة بالأرض كونها الحِمى الذي يمنحهم ليس وسيلة البقاء أو استراتيجية البقاء وحسب، بل كذلك الوضعية الاجتماعية المعنية، بأنهم ليسوا عابرين أو هامشيين. هي مسألة أو موقع الملكية الخاصة في المجتمع الفلاحي حيث يُقاس القدْر الإجتماعي بحجم حيازتها وبالطبع إما بتشغيل آخرين فيها، أو الاكتفاء من نتاجها دون العمل المأجور. أما وقد أصبح الفلسطيني مجرداً منها تماماً، وإن كان قد بدأ تجريده منها حتى قبيل اغتصاب الوطن 1948، فقد اصبح بعد 1948 مجرداً منها كقوة عمل وليس كبروليتاريا بالمفهوم المألوف، فهي لم تنمُ في المناخ المألوف للبرتلة، كما أنها تراكمت في ضياع جغرافي وليس في حدود البلد ، بلدها الذي يمنحها على الأقل حق الوجود والمطالبة بالعمل، حتى لو عند مستغِلين محليين[1]. وغياب هذا الحق أدى إلى تحول الفلسطيني إلى مغترب دائم، متنقل بحثاً عن عمل في أية لحظة وأي مكان. كما يتصف اغتراب الفلسطيني هذا بأنه:

□ لم يكن نتيجة بيع الفرد، أو اباه، قطعة أرضه وبالتالي يكون حافز شده إلى الأرض الحنين للملكية الخاصة التي لحق به “عار” بيعها، هذا باستثناء قلة باعت أرضها، وهذه لم يخالطها الشعور بالذنب اصلاً.

□ لم تجد قوة العمل هذه سوق عمل لتصبح بروليتاريا تستعيض عن استراتيجة البقاء الزراعية بعمل مأجور مؤكد، بل انتقلت إلى مناطق متخلفة (بقية فلسطين، الأردن[2]، لبنان، سوريا) فيها ما يشبعها من البطالة أو بلدان فيها حذراً من هذا القادم الجديد.

□ ولأنهم وُجدوا في مجتمعات متنوعة معظمها فقيرة ومتخلفة، فقد جعل منهم هذا طبقة عاملة من درجة ثانوية[3].

فالفلسطينيون بالمعاناة من الاقتلاع نحو اللاشيىء، نحو فضاء مفتوح على أشكال اغترابية متعددة ومتناتجة باستمرار، خلق لديهم نوستالجيا الى الوطن، وهذه تقوم اساساً على الاغتراب عن المظاهر التي عددها بلاونر (عن كتابه الاغتراب والحرية) للاغتراب، اي كون الناس في حالة: ” اللاقوة، اللامعنى، اللاعادية، العزل، وغريبية الذات[4]“(جاري و جاري ص 14) فهذه رغم دقتها وتنوعها إلا أنها لا تغطي الحالة الاغترابية المطلقة والممتدة للفلسطينيين والتي جوهرها الاغتراب عن المكان، عن الوطن.

إذا كان الاغتراب لدى الماركسيين هو اساساً قائم على او بسبب طبيعة علاقات الإنتاج فإن الوضع الفلسطيني هو تغريب عن استراتيجيات البقاء. وهذا يستحضر ما يقوله جاري و جاري بأن :

” الحوار حول اهمية مفهوم عمل ماركس وفائدته او عكسها في علم الاجتماع ، قد انتج مناقشات ومجادلات كثيرة ومفيدة، ولكن كفاية وتوفر تطبيقات الاغتراب عمليا او عملياتيا في البحث الامبريقي لعلم الاجتماع لم يعمم او ينتشر بعد[5]“.

والتغريب عن استراتيجيات البقاء ليس هنا تجريدات من الجهد ولا تشييىء الإنتاج (الناتج المنتَج)، بل انتزاع الأرض نفسها. ربما لذا، يقول ناظم حكمت : ” وحينما تنزلق الأرض من تحت قدميك، فإنك تصبح ذئباً” ، هذه هي مناخات المقاومة.

لا أقصد هنا الثقافة بمفهومها الأوسع (المجتمعي العام) الذي عالجه لوكاتش، بل أقصد هنا المستوى الإنساني الحميمي في الحياة اليومية المحددة.

يذكرنا تبعثر الفلسطينيين في ارجاء الأرض، وحتى لو تجمع البعض في مخيم يذكرنا بما كتبته ميري راسل متفورد عن مجتمع القرية، في عشرينات القرن التاسع عشر، :”قريتنا، العالم الصغير الذي لنا، …هناك نعرف كل فرد، ومعروفين من كل فرد، يهمنا كل واحد، ونخوَّل أنفسنا بأمل ان كل واحد يشعر بالاهتمام بنا[6]“. كان هذا في معرض التشكي من المدن الكبيرة بما هي اماكن لا تتوفر فيها الصداقات المتبادلة بل هي مكان الغربة ” anomie ” والاغتراب، وخصاء الفرد في وجه التصنيع والراسمالية وفي النضال الشخصي ضد اللاشخصي او المجهول مجسدا في البيروقراط والتكنوقراط[7].

يسهل هنا نقل الجانب الإنتاجي من الصورة بعيدا عن الجغرافيا وقريباً من التشكيلة الاجماعية الاقتصادية الفلسطينية قبيل عام 1948 حيث المجتمع في أكثر من ثلثيه من الفلاحين الذين يعرف كل منهم الآخر، وتربط الواحد بكثيرين روابط سلالية، بل كانت القرية وحدة الإنتاج الأساسية كذلك. وفي فترة محدودة من الزمن تفجرت البنية عن حالة من التبعثر دون تخطيط أو قرار، ليجد المرء نفسه حتى في المخيم مع من لا يعرفهم، وهو غريب عن المكان والنظام السياسي وموقع العمل، ليبدأ البحث عن أي عمل وبأية درجة من التغريب. هنا نلمس طبقات من التغريب ، غير منفصلة في الذات الأنسانية بل متراكمة على بعضها إلى درجة صعوبة السيطرة عليها لتحليلها، ومن هنا الحالات المختلطة لمواقف الفلسطينيين حتى الآن من وضعهم ومآلهم.

إذا كان مواطن قرية متفورد قد صُدم بالغربة والضياع في المدينة، رغم أنه مواطن معترف به من السلطة الحاكمة في بلد تلك القرية، فإن الفلسطيني قد صُدم بالضياع، بله التضييع، في ما تسمى افتئاتاً “(لقرية العالمية- Global Village).

قد يدخلنا او يقربنا إلى الحالة الفلسطينية ما يطرحه بيتر ويرسلي،(1979: 289-90 ) في مسألة ثلاثي البيت والعمل والعقلانية او الترشيد بمعنى ان ترشيد العمل يتجاوز الحدود القومية في بحثه عن قوة عمل رخيصة وذلك حيث يستجلب العمالة المهاجرة، سواء لرخص الأجور أو للحاجة للعمل في المستوطنات التي قامت على الهجرة وذلك بمعزل عن قومية العمال. هنا العامل المهاجر فاقد المكان والوطن وهذا حال اللاجئين الذين ليست لهم اقامة مؤكدة بل مفروضة عليهم وهم مفروضون على المكان. ورغم أن اغتصاب فلسطين لم يكن بهدف وصول عمالتها الضائعة إلى المركز الإمبريالي الذي كان عطِشاً لهذه العمالة في أعقاب الحرب الراسمالية الغربية الثانية – افتئاتاً تسمى العالمية-، ولا سيما حاجة دول المستوطنات البيضاء لهذه العمالة، إلا أن هؤلاء اللاجئين ربما جاؤوا للصدفة على مقاس متطلبات بلدان المركز ولا سيما في الولايات المتحدة وكندا، التي كانت لها اليد الطولى في إقامة ودعم الكيان الصهيوني على أرض هؤلاء اللاجئين. وطبقاً لأطروحة حاجة المركز لعمل متعدد القوميات يكون الفلسطينيون جاهزين للتلبية، طبعا هذه الظاهرة تطورت إلى غزو الشركات لمكان العمال وهذا جنبها الاختلاط العرقي وهنا يدور العامل اغترابا على نفسه في المكان. لكن، حتى في هذه الحالة يختلف وضع الفلسطيني. فالشركات متعدية القومية تعود إلى بلدانها، بعد تجريف (محمود عبد الفضيل) بلدان المحيط ويبقى العمال في بلادهم، أو تخرج هذه الشركات أو تبقى وتفصل عمالاً، يعودون إلى قراهم كما في الصين والهند اليوم. أما الفلسطيني، فيُعاد إلى اللامكان!

فوق هذه جميعاً يعمل كثير من الفلسطينيين، سواء المتبقين داخل 1948 أو في مناطق 1967، عمالاً لصالح راس المال اليهودي ليبنوا بيوتاً للمستوطنين على نفس أرضهم. وهذه حالة تغريب معمق، وتناقض قومي معاً.

الاغتراب في استقلال بلا أرض

حين حصلت التسوية كان الهدف تغريب وعي الفلسطيني في الضفة والقطاع بخلق ما يغري الفلسطيني اللاجىء بما قد يفترضه وطنه: الوظيفة ، السلطة، الدخل غير المنظور أجهزة الأمن الميليشيات (اوطان بصور متعددة) واعتماد هذه لتؤدي إلى اقتلاع الذاكرة، أو تنويمها (كالخلايا النائمة) إلى أن تموت بالنوم!

في الوضع الفلسطيني نتحدث عن اغتراب شعب ضمن سلسلة من حلقات الاغتراب متفاقمة متتابعة، بدأت، كما اشرنا، باغترابه بتدمير وطنه، بتفكيكه جغرافياً وديمغرافيا واقتصاديا واجتماعيا/شعبيا /طبقياً، وثقافيا وسياسياً بالطبع. ثم لملمة الذات من خلال الحركة القومية العربية التي هزم مشروعها كذلك، لتُدخِل المعاناة والهزيمة، النضال الفلسطيني حقبة انكماش على الذات، وليس انسحاباً إلى الداخل[8]، عبر تشكيل منظمة التحرير الفلسطينة، التي انتهت إلى حالة مساومة طبقية أدت إلى اغتراب الطبقات الشعبية على مستويين:

□ الأول فقدان الوطن دون أمل قريب في التحرير والعودة

□ والثاني تحول المنظمة وهي نتاج كفاح الطبقات الشعبية إلى فيتيش برجوازي تسووي عبر ابتلاعها من قبل سلطة الحكم الذاتي التي تحولت إلى مقاول تشغيل وظيفي خدماتي غير إنتاجي، بحيث يتحول الموظف لديها إلى حالة تابعة ومغرَّبةٍ عن قوة عملها، التي تتجسد او تتشيىء في خدمات وليس إنتاجاً، وقد تكون خدمات قمعية، وربما لهذا لا يشعر هذا العامل باغتراب، فلا يرى امامه منتجات، بل نقوداً ليشتري بها منتجات غيره[9]!! عجيب هذا ! وهو مغرب عن حريته بالطبع مقابل الضمان الوظيفي ومغرب اساساً عن المشروع الوطني.

فبعد أن كانت منظمة التحرير الفلسطينية مثابة أم الشعب الفلسطيني بأسره في حقبة المقاومة، بل وبعد أن طرحت نفسها من منظور قُطري/إقليمي كبديل للعمق القومي لنضال الشعب الفلسطيني، تحولت عبر التسوية إلى “أم” لطبقة محدودة من الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة 1967، مولِّدة بذلك سلسلة اغترابات جديدة لطبقات وشرائح متعددة من فلسطينيي الأرض المحتلة وكل الفلسطينين. اغترابات تمظهرت في تعدد الهويات للفلسطينيين، فلم يعد فلسطينو 1948 مشتملين ضمن “الهوية شبه الرسمية لسلطة الحكم الذاتي” ، ولم يعد حق العودة مشمولاً بوضوح في التسوية، فهو جوهرياً مشطوب، وشكلانيا قائم، ولم يعد التثقيف السياسي للعديد من القوى مقصود به تحرير الأرض، بل بناء دولة لم يتعهد العدو بها، واصبح مشروع الدولة هو تقاسم الوطن مع العدو!، بل القبول بما يقسم به العدو للفلسطيني صاحب الأرض لتكون الدرجة القصوى للتفاقم الاغترابي تعهد رأس النظام العالمي بدولة ولم يكترث بتنفيذ ذلك الوعد (وعد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش) . كل هذه عوامل اغتراب متتالية مترابطة.

لكن هذه التمظهرات ما كان لها لتحصل أو/و تتواصل لولا وجود مشروع تطبيع الشعب الفلسطيني، او محاولة تطبيعه من خلال مشروع إعادة تثقيف، والإفقار الثقافي للشعب الفلسطيني، إعادة الهندسة وصولا إلى استدخال الهزيمة. هذه حلقات الاغتراب الرئيسية بعد أوسلو .

وفي حين أن منظمة التحرير اتت بعد موات الحاضنة القومية العربية بقوتيها القومية والاشتراكية مما اوقع الفلسطينيين في اغتراب عن عمقهم القومي الرسمي /الحاكم الذي تحول رسمياُ إلى سراب، إن لم نقل حالة مضادة، فإن مشروع أوسلو أتى تالياً لحدث عالمي هائل، هو تفكك المعسكر الاشتراكي مما وضع الفلسطينين في حالة اغتراب عن البعد الأممي الذي كان حليفاً لهم وإن بدرجة نسبية. وهو التطور الذي جعل استدخال الهزيمة امراً “واقعاً”. لقد شكلت هزيمة المشروعين القومي والأممي حالة من الاغتراب النضالي وسمحت لحلقات الاغتراب الكبرى أن تطبق على المخيال الجمعي الفلسطيني لتحول الكثيرين إلى الواقعية السلبية والمتلقية لا الفاعلة.

هذا الواقع الجديد سمح بهجمة المركز الراسمالي العالمي كحليف وحاضن للصهيونية ليقوم بإعادة هندسة بنية المقاومة الفلسطينية للاغترابات المتعددة، اي استئصال شأفة المقاومة. فكان تشكيل السلطة الفلسطنية عبر عدة آليات من إعادة التثقيف، وتدني التثقيف وإعادة الهندسة تجلى هذا في نفي الخطاب وصولا لاستدخال الهزيمة :

□ تسمية إعادة انتشار جيش الاحتلال بتحرير المناطق التي أُعيد فيها الانتشار.

□ تسمية الحكم الذاتي استقلالاً.

□ وقف مقاطعة منتجات الاحتلال على اعتبار أن التناقض التناحري إنتهى، وأن النقيضين يعيشان حالة سلام.

□ تصوير التسوية التي هي “سلام رأس المال” وكأنها سلام أعطى الشعب الفلسطيني حقوقه المغتصبة.

□ إقامة جهاز وظيفي هائل حول سلطة الحكم الذاتي ليصبح قرابة ثلث سكان الضفة والقطاع معتمدين معيشياً على وظائف في مؤسسات السلطة.

□ إقامة علاقات مفتوحة للولايات المتحدة كي تتدخل في إعادة بناء كامل المجتمع الفلسطيني،

□ وقف حياة سلطة الحكم الذاتي على المساعدات الأجنبية من دول هي حليف للكيان الصهيوني.

هذه العوامل وغيرها وضعت الفلسطيني في تشابك اغتربات منها:

□ عليه التصرف واعتناق ثقافة السلام مع ان حق العودة لم يحصل وحتى لم تُقم دولة في الضفة والقطاع.

□ عليه ممالئة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كي تُبقي مساعداتها المالية لخزينة السلطة الفلسطينية.

□ عليه ممالئة الاستخذاء الرسمي العربي مع أن بوسع النظام الرسمي العربي حل المشكلة المالية للفلسطينين بسهولة[10].

□ عليه ممالئة سلطة الحكم الذاتي التي تستجدي لتطعمه، فهو لم يعد عاملا، بل موظفاً، بل عالةً.

وهذا ما أدخل الفلسطيني في حالة من الاغتراب حيث لم يعد يدري كيف وصل إلى حالة من حمل تناقضات لا طاقة له بها، فهو:

o من جهة مقتنع بأن له حق العودة إلى الأرض المحتلة 1948، مجسداً في الاحتفاظ بالصورة في الذاكرة الجمعية للفلسطينيين في (صورة على شكل النسخة الاحتياطية back-up )

o ومن جهة أخرى مضطر للتنسيق مع العدو الذي يجثم على أرض الضفة الغربية وقطاع غزة طالما قبل بحكم ذاتي كي يدير شؤون مواطنيه دون سيادة، أي الشؤون المدنية .

o ومضطر لتقبل وجود المستشارين العسكريين (دايتون-الحاكم العسكري للفلسطينيين) والساسة الأميركيين في اوساطه رغم أنهم يدعمون العدو علانية، ولا يعدمون سبيلا لشطب حق العودة.

o ومضطر للدخول في حملات انتخابات لديمقراطية تحت الاحتلال.

o ومضطر لغض الطرف عن قيام الذين نصحوه بالانتخابات، قيامهم بنسف نتائج هذه الانتخابات لأنها لم تأت على مقاس القناعات الراسمالية الغربية كما حصل حين فازت حركة حماس.

o وفي النهاية يجد نفسه مغرَّباً عن طريق النضال السياسي ليدخل في صراعات داخلية (في الطبقة الواحدة[11] كقيادة صراع، والطبقة نفسها كمقتتلين) صراع على سلطة غير سيادية وعلى حكم بلا وطن.

في الوضع المعطى للفلسطينيين،اوسلو وتبعاتها أي تشتت المشروع الوطني واندحاره إلى الوراء لصالح الاضطرار لتدبير اليومي والمصلحي الفردي والفئوي يتراجع، ولو مؤقتا، الاغتراب الجماعي، ويطفو، أو يتولد عنه الاغتراب الفردي القلق جدا. وتراجع الاغتراب الجماعي ناجم عن نجاح إعادة هندسة المجتمع والقضية بما يذهب بالفرد إلى إشكالاته الخاصة، فيصبح وطنه هو المكان أولا، ويصبح ضمان المكان هو ما يعطي المكان جوهرانيته.

فانحدار القضية إلى حالة من التصارع على السلطة تحت الاحتلال، حتى لو كانت بين مقاوم وغير مقاوم، أو اقل مقاومة، هو تساوق مع إعادة الهندسة، وإعادة التثقيف وتدنية/تقزيم الثقافة، وهي جيمعا يمكن إدراجها في وضعية الوصول إلى الاغتراب، والذهاب بعيداً به إلى التغريب بدور ذاتي إرادي انتهاء الى استدخال الهزيمة ، وهي وصول الاغتراب إلى قمته ووصول التماهي معه إلى حالة اللاأنسنة واللاثورة.

يتجلى الاغتراب الفردي في البحث المحموم للأفراد وللجماعات عن حزمة من احتياجات الأمان:

الأمان الجسدي من الصراع الداخلي (حرب الطبقات الحرب البينية في الطبقات) وفي هذا اغتراب عن الواقع الكفاحي الجماعي لمجتمع يُفترض أنه يُقاوم وتجمعه المقاومة.

الأمان الاقتصاديالمعيشي (ليس بالانتاج بل بالارتزاق) وهذا يشكل اغتراباً عن مقومات المقاومة بمعنى أن مجتمعاً فقد قدرته وديناميته الإنتاجية ليس من السهولة أن يتمكن من المقاومة، بل هو ينزلق في شباك التبعية وهي حالة اغتراب متشعبة، فهي مع سلطة الحكم الذاتي، والأنجزة، والعمل في اقتصاد العدو اي لصالحه، وكل هذه في تزايد على حساب إنتاج الحاجات الأساسية للمجتمع.

الأمان الاجتماعيبالحماية البطريركية والعائلية التي تشكل النقيض المباشر للأمن الكفاحي الوطني، والنقيض للحياة السياسية التنظيمية التي تتجاوز البطريركية.

ومختلف محاولات الأمان هذه تنطوي على تفاوتات وتمايزات على اساسي الطبقة والجنس، بمعنى أن الطبقات الشعبية والنساء (أغلبهن) في حالة من فقدان مختلف اشكال الأمان. ثم الأمان السياسي بالحماية الحزبية (الفصائلية) أو الجهوية أو الاستزلام. والأمن الثقافي عبر الاغتراب الذهني للمثقف وتحوله إلى أداة بيد السياسي، وهذا حيث يُقبل هو اغتراب أخلاقي من جهة، واغتراب تشيُّئي حيث تنتهي أفكار المثقف إلى سلعة يتصرف بها السياسي، وهذا يقود إلى خصاءٍ للثورة والخطاب.

إن قلق الفرد على هذه الأمور هو صورة حقيقية عن مدى نجاح إعادة الهندسة للمجتمع الفلسطيني بما يأخذه بعيداً عن المشروع التحريري الوطني، ويدفعه للتعامل الفردي مع الجزئيات.

وقد تكون الإشكالية الكبرى في هذه الخريطة للاغترابات في تضارب أكثر من واحدة منها مع الأخرى. فالأمن الاجتماعي عبر البطريركية (ومظاهرها العائلة، القرية، والمخيم والحي) يجب أن يتناقض بالضرورة مع الأمن السياسي التنظيمي أو العقيدي حيث أن كلا منهما يمكن أن يضع الفرد بين هذا الخيار أو ذاك. أما الأمن الاقتصادي المعيشي، فيضع المرء في تناقض تدبير العيش بالعمل (وهو لا يتوفر بسهولة، وإن توفر فبأجر قليل، وبين تقديم مساومات وطنية بالعمل ضمن مؤسسات الأنجزة ذات الأجندة غير المحلية، أو العمل داخل اقتصاد العدو متحملا الاستغلالين الطبقي والقومي.

مجموع، وتفاعل وتناقض هذه الاغترابات ينعكس على الموقف السياسي للمواطن، على صورة الوطن وصورة المستقبل لديه، وهو ما ينتهي إلى تشكيل صورة/صوراً للوطن متعددة ومتغيرة ومتراكبة، وفي النهاية يصل المواطن إلى حالة عدم التحديد وعدم القرار، والانعزال الذاتي وبالمجمل استدخال الهزيمة، وهذا ما تريد إعادة الهندسة الوصول إليه.

ولكن إذا كان الاغتراب يخلق افرادا مفككين ويعمل على تفريد كل فرد بذاته، فإن الوضع الفلسطيني ليس مفككا كالعمال في مكان العمل، بل هناك ما يجمعهم هو اللجوء ورفض المكان لهم والنوستالجا وكل هذه لتشكل المشروع الكفاحي، رغم الرِدَّات لهذا التنظيم أو ذاك.

قد يكون لنا تكثيف المشكلة حالياً، بما ان هذه المقالة ليست تأريخاً للنضال الفلسطيني، في اللحظة الراهنة على النحو التالي:

هناك هجمة هائلة من النظام الرسمي بأجمعه ضد المقاومة، وهذا النظام مصمم على الوصول بالفلسطينيين إلى حل هو “اللاحل” بمعنى تصفية القضية عبر سلسلة من إدارة/ات الأزمة، بمعنى أنه ليس معروضاً على فلسطينيي التسوية حتى دولة في الضفة والقطاع. وهذا الحل يٌبقي على مجمل الشعب الفلسطيني في حالة من انعدام الوزن لا سيما حيث تقف الدولة القطرية العربية حاجزاً بين اصطفاف الطبقات الشعبية العربية لصالح القضية الفلسطينية وحتى لصالح هذه الطبقات نفسها.

من هنا، لا يكون الرد على هذه الهجمة، في اللحظة، سوى التمسُّك بالذاكرة، ورفض التعاطي مع مشاريع إدارة الأزمة، والعمل على بلورة حركة “الحماية الشعبية” للإنسان، بما هي مدخله لحماية القضية. وحركة الحماية الشعبية هذه تتضمن إعادة بناء المجتمع، مناهضة التطبيع، مقاومة الفساد، محاصرة الأنجزة، تعميق الديمقراطية، حل إشكالية الجنسوية، التنمية الاقتصادية بالحماية الشعبية. وصولاً إلى العمق العربي والبعد الأممي بمعنى أن القضية الفلسطينية هي عربية من جهة ومعني بها مختلف أحرار العالم من جهة ثانية. بهذه المداخل يتم التجاوز المعنوي للاغتراب تحويل الصورة في الذاكرة إلى واقع مجسد كمقدمة لتحرير الأرض.


[1] المألوف في اي اقتصاد تحقيق المعادلة الاقتصادية التي تنص على قدرة راس المال في تشكيلة ما على استيعاب /تشغيل/اي استغلال قوة العمل المحلية. وبغير هذا يكون التوازن الطبقي مختلاً، بمعنى وجود راسمالية عاجزة عن استثمار ثروة قوة العمل التي تضطر للهجرة، وهو ما يعبر عنه الاقتصاديين البرجوازيين بنزيف العقول، من منظور طبقي لا يأخذ بالاعتبار الجهد العمالي غير المتخصص!

[2] على سبيل المثال شكلت فلسطين رغم انها تحت الاستعمار البريطاني والاستيطان اليهودي الصهيوني مركزاً اقتصادياً لشرق الأردن الفقير، فما الذي سيقدمه هذا البلد للمطرودين من فلسطين في مجال التشغيل. وتجدر الإشارة هنا، أنه بعد احتلال 1948، تبودل دور المركز، لتصبح شرقي الأردن مركزاً لبقايا فلسطين كمحيط. أنظر بهذا الصدد، عادل سمارة، الراسمالية الفلسطينية، من النئوء التابع إلى مأزق الاستقلال، منشورات مركز الزهراء، القدس، 1991، ص ص 175-179.

[3] كما اشرنا سابقاً، أدى تحالف البرجوازية الفلسطينية بعد 1948 مع النظام الأردني إلى حصول هؤلاء على مكاسب في أراضي الأغوار حيث جرى تشغيل قوة العمل الفلسطينية المهاجرة بأجور اقل واستغلال اقسى. وتجدر الإشارة هنا، أن الأغوار كانت مرشحة لتوطين اللاجئين فيها، ولذا كان المشروع الإنشائي العربي الذي اسسه موسى العلمي، هو محطة التجربة الأولى للتوطين. ومن الطريف والمفارِق ان تمويل هذا المشروع كان من الحكومة السيويدية، (والسويد والنرويج والدنمارك هي التي أسميتها الحكومات غير الحكومية، في كتابي التنمية بالحماية الشعبية، اي انها “دولا” ولكن تقوم بدور المنظمات غير الحكومية في خدمة استراتيجية الولايات المتحدة لتصفية القضية الفلسطينية “. كان المشروع الإنشائي العربي مثابة مساهمة’ من هذه الدولة “الحمائمية” في تصفية القضية الفلسطينية، لكن مظاهرات اللاجئين في المخيمات في الأغوار واستشهاد عدد منهم شطب هذا المشروع. وقد لا يكون غريباً ما قامت به النرويج لاحقاً بإجراء دراسة شاملة من خلال منظمة نرويجية غير حكومية (فافو) تم توظيف نتائجها من أجل اتفاقية أوسلو لتصفية القضية الفلسطينية، وها هي النرويج اليوم “تمتص” ما أمكن من الفلسطينيين عبر عملية تحت غطاء اللجوء السياسي إليها، وكل هذا يخدم الكيان الصهيوني في الخروج النهائي للفلسطيني . .

[4] Sociology, the Harper Collins Dictionary, David Jary and Julia Jary, 1991: 14

[5] Sociology, the Harper Collins Dictionary, David Jary and Julia Jary, 1991:15

[6] See Mitford, M.R. 1951, Our Village, Dent .(First published in 1824)p :3 quoted in Introducing Sociology, ed Peter Worsley and others, Penguin books1979 p: 332

[7] See, Introducing Sociology, ed Peter Worsley and others, Penguin books1979 p: 332

[8] أقصد بالانسحاب إلى الداخل لجوء المجتمع إلى استراتيجية مقاومة بإعادة ترتيب صفوفه وإمكاناته، وقد استخدمت ذلك في الانتفاضة الفلسطينية الأولى حيث قام المجتمع بالانسحاب إلى الداخل استهلاكياً بمقاطعة منتجات الأعداء، وهو ما افترض الانسحاب إلى الداخل إنتاجياً بمعنى إقامة تعاونيات محلية لإنتاج ما أمكن مما توقف المجتمع عن استهلاكه من منتجات العدو. أنظر:

Adel Samara, Industrialization in the West Bank: A Marxist Socio-economic Analysis, Al-Mashriq Publications, for Economic and Development Studies, Jerusalem, Chapter Nine, pp 340-379.

[9] تعتمد سلطة الحكم الذاتي على الدعم الخارجي، وهو دعم مالي أو ريع مالي مقابل أو ثمناً لموقف سياسي تسووي ومساوم تقدمه مقابل هذا الدعم. وعليه، فإن هذا الريع هو الذي يموَّل حياة لا أقل من ثلث فلسطينيي الضفة والقطاع، وهذا يزيد من تحويل المجتمع إلى عالة، ومن ثم يجعل تنازله عن الثوابت اسهل، أو هكذا يُراد له!. لهذا نلاحظ أن ما تسمى الدول المانحة توقفت عن دعم سلطة الحكم الذاتي حين فازت حماس في انتخابات مجلس الحكم الذاتي، كما انها تمنع دخول حماس حكومة “وحدة وطنية” إلا إذا اعترفت بالكيان الصهيوني، هذا وجه من وجوه ثمن التبعية.

[10] عادل سمارة: “من الاستعراض القطيعي على الفضائيات … إلى تخويف “قاعدة” شرم الشيخ وتفكيك مفاصل الدولة القطرية إلى الاحتلال “الحلال”. نشرة “كنعان” الالكترونية، على الرابط التالي: https://kanaanonline.org/?p=789

See Adel Samara, Sharm el-Shaikh: Regimes’ Base of Terror: Not Protesting but Deconstructing, Kana’an Online at: http://kanaanonline.org/ebulletin-en/

[11] انظر مقالة عادل سمارة: “العراق: حرب الطوائف “الطبقات”… فلسطين: حرب شرائح الطبقة”. نشرة “كنعان”الالكترونية على الرابط التالي: http://www.kanaanonline.org/articles/01186.pdf