أوباما العثماني!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1862)

لوهلة، يبدو لك المتحدث، وهو يخاطب الأتراك، وكأنما هو أحد القناصل الأوروبيين الموفدين قديماً إلى الباب العالي. وقد يذهب بك الخيال للحظة فتتصور أن من يقف إلى جانبه على المنصة هو الصدر الأعظم و ليس رئيس جمهورية تركيا الحديثة عبدالله غول، لكنك سرعان ما تتنبه إلى أن من تستمع إليه إنما هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأحدث، باراك حسين أوباما… إنه الآن فيما توصف بزيارته “التاريخية” إلى استانبول، هذه التي لم تعد الآستانة. مرد مثل هذه الشطحة هو استماعك إلى الرجل بفصاحته المعهودة يجتهد محاولاً التسلل إلى قلوب الأتراك، الذين أيقظ حزب العدالة والتنمية في دفين أعماقهم مستجد الحنين إلى أمجاد سلاطين بني عثمان، عندما أعاد الضيف تليد علاقة بلاده ببلادهم إلى تلك الحقبة. لقد ذكرهم بالسلطان عبد الحميد الثاني، الذي أرسل إلى بلاده هديته المتمثلة في لوحة مرمرية لتوضع على “نصب واشنطن”، كما بدا أنه يحاول إعادة العلاقة بين واشنطن و أنقرة إلى ما قبل غزو العراق، هذه التي شابها ما شاب جراء الموقف التركي المعروف من الحرب.

تغنى بالجسر التركي المحببة مقولته إلى اتراك اليوم، هذا الواصل ما بين الشرق المسلم والغرب… الغرب الذي تعصف به تداعيات مستحدث فورة الإسلاموفوبيا، أو هو اثنى على النافذة التركية المساعدة على العبور إلى “حالة أقل عدائية” لهذا الغرب في العالم الإسلامي… هذه “العدائية” المتقدة في مواجهة الهيمنة الغربية ورأسها الكريه الولايات المتحدة الأمريكية.

خاطب من خلال أنقرة العالم الإسلامي بأسره، و كأنما هو يلزّمها، على طريقة نظام الالتزام العثماني المعروف، دوراً اسلامياً قادماً، فاستثار بهذا غيرة الأشقاء العرب في ما كانت “أمة الرسالة”، ونعني هنا النظام العربي، هذا الذي لا يمتلك، وهو يعيش مثل كل هذا الانحدار وفقدان الدور وانعدام الإرادة السياسية، مبرراً مقنعاً لمثل الجهر بهذه الغيرة، التي اتقدت على الأثر عند البعض واختلفت سبل التعبير عنها عند آخرين!

فمن على المنبر التركي وجّه رسائله الداخلية و الخارجية و الإقليمية، وأوحى بسياسة خارجية أمريكية تكون أنقرة ذات الدور المحوري إحدى ركائزها… العلاقة مع الإسلام، مع إيران، وسوريا، والتوجهات الأمريكية حيال القضيتين الفلسطينية والعراقية… عبر الكلام مجدداً عن “حل الدولتين”، والانسحاب من العراق، إذ قال: “يجب أن نجتمع معاً لإنهاء هذه الحرب بشكل مسؤول… ودعم المفاوضات بين سوريا و إسرائيل”… وكل هذا سيكون عبر “تجديد التحالف” بين الطرفين مرتكزاً على دور تركي فاعل ومتصاعد…

إسلامياً… “الولايات المتحدة ليست ولن تكون في حرب مع الإسلام” وإن “شراكتنا مع العالم الإسلامي في غاية الأهمية، ليست فقط بالنسبة لمكافحة الإرهاب، وإنما على خيارات أشمل وأعمق تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المتبادلة”. وفي علاقتنا مع العالم الإسلامي سوف نستمع “إلى الجميع بإمعان، وسنبحث عن أرضية مشتركة، وسنحترم حق الإختلاف”، بل “سنعبر عن فهمنا للإسلام الذي ساهم على مدى قرون في صياغة العالم، بما فيه بلادي. هناك مسلمون يعيشون في أمريكا ويسهمون في نهضتها بشكل كبير”، وزاد فذكّر بأصوله الإفريقية المسلمة: “هناك أمريكيون لهم أقرباء مسلمون، وعاشوا في بلاد مسلمة، وأنا واحد منهم”…

…وتركياً، تأييد ودعم الرغبة التركية المزمنة في دخول الاتحاد الأوروبي رغم الصدود الأوروبي الدائم والمعروف، والتذكير بأهمية عضويتها الأطلسية… وأخيراً لم ينس الثناء على أتاتورك نقيض هذه العثمانية التي تطل أشجانها اليوم و استثار بخطابه عواطف مريديها. أي أنه لم يهمل إرضاء علمانيي تركيا المحبطين الذين يكابدون أفول أتاتوركيتهم المتصاعد.

هنا كلام يوحي بوضوح بمحاولة طيٍ أمريكية للصفحة البوشية، إلى مراجعة ما لسياسة خارجية، طبعاً إلى جانب الداخلية، وفيه يتبدى بوضوح طلب للمساعدة للخروج من الورطات التي أورثتها إدارة المحافظين الجدد للعهد الأوبامي، لكن، إذا لم ننظر مثل الكثيرين، الذين دفعتهم عواطفهم إلى رؤية نصف كأس أوباما المليء وتجاهلوا نصفه الفارغ، فيسهل علينا تبيُّن حقيقة أن الرجل قد تحدث بما تُريده الولايات المتحدة وليس العالم الذي يغازله عبر المنبر التركي.

إنما هو كلام هو في جوهره لا جديد أمريكي فيه سوى الأسلوب واسم و لون قائله، إذ نحن لم نسمع من أوباما اليوم ما لم نسمعه سابقاً من بوش الأمس حيال كل القضايا التي تعرض لها المتحدث… إسلامياً:

هو لم يقل شيئاً لم يقله سلفه من قبل، ذاك الذي امتدح الإسلام وحاربه في آن، والذي كان الإسلام عنده إسلامان، واحد معه وآخر ضده… طيب مستأنس شبيه بالتركي الراهن، وآخر مقاوم، أو إرهابي، أي معادي للهيمنة الغربية، كان قد أرسل آلته العسكرية إلى أطراف الأرض وتصرف خلال عهده المنصرم كمخلص لبى وحياً لإنقاذ العالم من شروره!

أما تركياً، فهو لم يزد على ما كان من بوش، الذي كان يعتبر الأتراك جزءاً من أوروبا، وأيد بقوة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، ولطالما أشار منوّهاً إلى عضويتها المهمة في الأطلسي، وكذا نوّه بمشاركتها في الحرب على الإرهاب… و لم يكن أيضاً يغفل حكاية الجسر التركي تلك!

… وفلسطينياً، وهنا يجب أن لا ننسى أن المراجعة الأمريكية للسياستين الداخلية والخارجية لا تشمل السياسة الأمريكية الإسرائيلية الثابتة، وإنما كل ما كان من أوباما أنه لم يزد على تكرار حكاية “حل الدولتين” الشارونية الأصل المتبناة بوشياُ… ومع ذلك حدث أن جاءه بعض أول غيث الرد سريعاً من تل أبيب، وقبل أن يرتد إليه طرفه، وكان على مرتين:

الأولى، قول ليبرمان وزير الخارجية أنه “على الدول الغربية عدم التدخل في شؤوننا”…

والثانية: تنبيه حازم من جلعاد أردان وزير البيئة المقرّب من رئيس الحكومة نتنياهو يقول: إن إسرائيل “لا تتلقى أوامرها من الرئيس الأمريكي… عبر التصويت لنتنياهو، قرر الإسرائيليون أن لا يكونوا الولاية الحادية و الخمسين للولايات المتحدة”!

…وعراقياً، فعل أوباما تماماً كما كان يفعل بوش، زيارة سرية لقاعدة عسكرية أمريكية، لساعات، حراس كثر، وجهد استخباراتي أكبر، والرسميون في عراق ما بعد الاحتلال يأتون إليه ولا يذهب هو لهم، والمختلف بينه وبين بوش منحصر في التأكيد على الانسحاب في موعده منتصف 2011، وإنهاء “العمليات العسكرية” في موعده منتصف 2010، لكن… “لا يزال هناك الكثير من العمل في العراق”… مع ترديد نفس اللازمة البوشية، التي تقول بأن غزو العراق وتدميره وقتل وتشريد الملايين من العراقيين، قد نجم عنه “بزوغ الديموقراطية” فيه، الأمر الذي يعد إلى جانب إسقاط نظامه، “يشكلان نجاحاً استثنائياً”!

إذن ما المختلف مع برنامج سلفه، أو المختلف عن مرامي الإتفاقية الأمنية مع المالكي، التي قاطع المحتفين بتوقيعها حذاء منتظر الزيدي، سوى الكلام عن ترك العراق للعراقيين في تلك المدة المحددة، و التي لا تعني مغادرة العراق وإنما سحب الجيوش الغازية منه، وبقاء الاحتلال، عبر جيش لجب من الخبراء والمُدرّبين والمستشارين وزمر متخصصي ملاحقة شبح الإرهاب!

…إيرانياً، لم يختلف أوباما عن بوش إلا في التخلي عن كيل الوعيد والتركيز على خلبي الوعود بالبحث “عن المصالح المشتركة والتعاون”، والتلويح بالإغراءات المتمثلة في أن بلاده “تريد لإيران أن تؤدي دورها المناسب لأنها تمتلك حضارة عظيمة”، وكل هذا شريطة تخليها عن برنامجها النووي، وإذا فعلت، فحينها فحسب تتم المصالحة معها، ويكون عدم ربط خطرها المزعوم بالدرع الصاروخية المعروفة… لم يطل انتظاره للرد الإيراني، جاء يوم إعلان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد “مفاجأته النووية”، هذه التي تمثلت في الإعلان عن إنجاز إيراني لدورة تصنيع الوقود النووي، وافتتاح مصنع انتاجه الأول… وفي قوله: “عليهم أن يتعلموا أسلوب الحوار وأن يغيروا أدبياتهم ونحن بانتظار التغيير”..!

أوباما العثماني، والعراقي، والإيراني، والفلسطيني، لم تعكس اطلالته التركية الإسلامية اختلافاً أو تغييراً جوهرياُ عن سلفه بوش… سوى اللغة، والأداة، والأسلوب… الفارق بين إطلالتي ذات الوجه الأمريكي القبيح… المعدل الذكي القادم كبديل لذاك الراحل أو المستبدل الغبي… وكله يأتي في سياق البحث عن وسائل ناعمة قد تنجح حيث فشلت خشونة الآلة الحربية الفجة!