حكومة نتنياهو والقمة العربية والحوار الفلسطيني

عوني صادق

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1862)

ثلاثة أحداث وقعت متزامنة في الأسبوع الأخير من شهر آذار الماضي بطريقة تستوقف المراقب، لا تدري إن جاءت بالصدفة أو بالتخطيط، أو إن كانت تشير إلى التوافق أو التفارق، لكنها في كل الأحوال تشير إلى الترابط والتشابك والتعقيد الذي يتسم به الوضع في المنطقة التي نعيش فيها. هذه الأحداث هي على التوالي: عقد القمة العربية العادية الحادية والعشرين في الدوحة، وحصول حكومة بينيامين نتنياهو على الثقة في الكيان الصهيوني، ووصول الوفود الفلسطينية لاستئناف المرحلة الثالثة من الحوار الفلسطيني في القاهرة.

ففي الوقت الذي كان عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية، يتلو البيان الختامي الصادرة عن القمة العربية، كان بنيامين نتنياهو، زعيم حزب “الليكود”، المكلف بتشكيل الحكومة، يستعد لإلقاء كلمته شارحا برنامجه لأعضاء الكنيست للحصول على ثقتهم، وكانت وفود الفصائل الفلسطينية قد بدأت تصل القاهرة استعدادا لاستئناف حوارها المعلق.

في البيان الختامي للقمة العربية، وفيما يتعلق بموضوعنا، وردت مواقف واضحة منها أن “التمسك بالسلام كخيار استرايجي” قائم، ولكن مع ملاحظة أن هذا السلام لا يمكن أن يتحقق إلا “بالانسحاب الإسرائيلي” الكامل من كل الأراضي العربية المحتلة في حزيران 1967. لكن البيان لم يوضح كيف سيكون ذلك إذا كان “السلام خيارا استراتيجيا” و “المبادرة العربية” لن تبقى إلى الأبد؟ بالطبع الجواب على السؤال لا شك عند الشريك الجديد في “عملية السلام”، بنيامين نتنياهو.

وفي كلمته أمام الكنيست، قال نتنياهو: إنه يريد السلام وإنه سيستأنف المفاوضات مع الفلسطينيين. لكن السؤال هو: على أية أسس، ولأية أهداف؟ خطة نتنياهو، كما شرحها، تسير في مسارات ثلاث: اقتصادي، أمني، وسياسي. المسار الاقتصادي يعني في مفهومه “تحسين ظروف حياة الفلسطينيين”، أي تحسين قدراتهم الاستهلاكية، أي خلق وتوسيع احتياجاتهم وتعظيم تطلعاتهم للمادي واليومي وإغراقهم في حياتهم الغرائزية، وإبعادهم عن كل ما يمت بقضيتهم أو حقوقهم الوطنية. أما المسار الأمني، فيتلخص في مواصلة الشرطة والأجهزة الأمنية الفلسطينية لدورها الراهن، الذي لم يفته أن يمتدحه، في خدمة “الأمن الإسرائيلي” والمساعدة في “محاربة الإرهابيين”، أي في ملاحقة المقاومة وقادتها وعناصرها من منطلق أن هؤلاء “الإرهابيين” يخربون الوضع الأمني ومن ثم يشوشون على “أمن إسرائيل” الذي سيشوش على فرص تحقيق البرنامج الاقتصادي الذي سيحسن حياة الفلسطينيين ويحقق السلام للجميع! وأما المسار السياسي، فمن الواضح أن نتنياهو ما زال أمينا ومخلصا لفهمه لحقوق الشعب الفلسطيني، كما حددها آبوي “الصهاينة التصحيحيين”، فلاديمير جابوتنسكي وميناحيم بيغن، أي باعتبارها لا تزيد عن “حكم ذاتي محدود” لمجموعة بشرية تدير شؤونها الخاصة ولا تحتاج لاستقلال أو دولة، بل كل ما تحتاجه هو بعض “الترتيبات الأمنية الدائمة”، وبالطبع إضافة إلى توفير أنواع الأكل والشرب وحبوب فتح الشهية، وهو بالمناسبة ما انطوى عليه “اتفاق أوسلو” السيء.

ولعله كان أمرا مفيدا أن تستأنف الأطراف الفلسطينية حوارها، المعلق أو المقطوع، في القاهرة بعد أن زودها نتنياهو ببرنامجه لتحقيق السلام، وإن كان معروفا من قبل ما يمكن أن يأتي به. ولعل السؤال الذي يرميه نتنياهو في وجوه المتحاورين هو: على ماذا تتحاورون؟ على برنامج الحكومة؟ فريق السلطة الفلسطينية ليس لديه أكثر من المفاوضات، وتصريحات الرئيس محمود عباس واضحة ومحفوظة، والناطق باسمه نبيل أبو ردينة وكبير مفاوضيه صائب عريقات يكرران أسطوانه مهترئة وليس مشروخة منذ سنوات. وفصائل المقاومة معروف ما لديها وليس مطلوبا منها أكثر من التمسك به، فعلى ماذا يمكن أن يكون الاتفاق أو يتم التوافق في ضوء برنامج نتنياهو؟ الطريف أن القمة العربية شددت على أن “دولة فلسطين شريك كامل في عملية السلام” دون أن تتلعثم أو يسألها أحد أين موجودة هي “الدولة الفلسطينية” قبل إحلال السلام، أو ما هي الفرص الحقيقية لوجودها بعد مفاوضات السلام، وهم الذين سبق وشككوا في وجود “عملية السلام” أصلا! وأيضا أشادت بالجهود المصرية لتحقيق المصالحة الفلسطينية، كما أشادت “بمقاومة الشعب الفلسطيني الباسلة” وطالبت برفع الحصار عن غزة وفتح المعابر، لكن ماذا فعلت أو يمكن أن تفعل مستقبلا مع “صاحب المعبر صاحب جهود المصالحة” الذي ما زال يصر على عدم فتحه إلا بعد تحقيق الشروط الإسرائيلية والأميركية وشروط اللجنة الرباعية الدولية. فكيف، ومن أجل ماذا يمكن أن تتحقق المصالحة ووفق أية أسس… وفق برنامج المقاومة أم وفق أسلوب المفاوضات، وفق برنامج القمة العربية أم وفق برنامج نتنياهو؟ ولن يكون اكتشافا القول إنه إن لم يتم كل شيء وفق برنامج المقاومة، فإن كل شيء سيتم وفق برنامج نتنياهو، بصرف النظر عما يمكن أن يقال في ديباجة الاتفاق.

ربما كان التمسك بالسلام كخيار استراتيجي مع هذا الكيان الغاصب موقفا عبثيا منذ البداية، وكشف دائما عن العجز العربي الرسمي. لكنه أن يظل وأن يستمر بعد الحقائق التي استقرت بعد عدواني تموز2006 وكانون أول2009 فهذا يضعه في منطقة أبعد من منطقة العبث. لقد أصبح واضحا أن القدرة على مواجهة هذا الكيان بل وفرض متطلبات السلام الحقيقي عليه هما في متناول الأمة بعد أن أظهر جزءان صغيران منها نقاط ضعفه الكثيرة وحدود قوته المزعومة. إن مجيء نتنياهو إلى الحكم على رأس حكومة هي الأكثر عنصرية وتطرفا في تاريخ الكيان يفرض مقاربة مختلفة وأكثر جدية.