نحو معيار “سعودي” للفحولة

أُختاه…إنهم يقتلون الحلم والعلم

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1862)

نادي جازان الأدبي، محاولة متفائلة لاستعادة أسواق الشعر القديمة، عكاظ وذي المجنة، والمجاز وغيرها، ولكن بعد خمسة عشر قرناً.

بعد خمسة عشر قرناً لا تزال المرأة في السعودية تتمنى تحرير لحظة لها من الزمان وباعٍ في المكان كالتي كانت آنذاك.

خمسة عشر قرناً قفزت، بل طارت الأمم، من العبودية إلى الإقطاع فالرأسمالية فالإشتراكية واليوم يدخلون المابعديات بتعددها. كان لا بد لخديجة ناجع السعودية، كي تحصل على فتوى لتمارس لحظة إنسانية أن تذهب عميقاً في التاريخ لخمس عشرة قرناً لتستدعي ما لا يصل إلى واحد من الألف مما كانت تحققه العربيات آنذاك، ليلى الأخيلية، وعزّة، وبثينة، وليلى العامرية، ودعد التي قال فيها دوقلة المنبجي ما لم يقله سكان تلة “كاسترو” في مدينة سان فرنسيسكو.

كل ما فعلته خديجة أنها طبعت قبلة على جبين الشاعر محمد العلي الذي تخطى السبعين من العمر تقديرا له كأب شعري ورمز كبير بما هو ضيف ذلك الملتقى.

لكن خديجة أطلقت القبلة، لتتحول القبلة إلى قنبلة تطارها لتنفجر فيها. فقد تم توظيف شبكات ومواقع الإنترنيت لمطاردة خديجة، فأي استخدام بدوي لهذه التقنية. قارنوا لو سمحتم بين ايهما الأخطر:

سهام الإنترنيت التي تطارد خديجة، هذا هو التوظيف في بلادنا للتقنية

وبين القنابل الأميركية/البريطانية/الفرنسية/الصهيونية الذكية SMART BOMBSالتي دكَّت المئات في ملجأ العامرية ببغداد، هناك رأيت بعيني عيون النساء والأطفال ملتصقة على الجدار الاسمنتي للملجأ.

ألا يذهب أبطال الإنترنيت وكثرة من المثقفين المتجهين غرباً حتى الموت إلا يذهب هؤلاء بكل صََغار إلى المستعمرات الثقافية الغربية في بلادنا، إلى المركز الثقافي الألماني، والفرنسي، والعجوز العريق في تخريب الثقافة “المركز الثقافي البريطاني The British Council” ؟ اليست حكومات هذه المراكز هي التي قتلت وتقتل وتغتصب؟ ماذا قلتم عنهم يا “تنابلة” الإنترنيت والصحافة المكتوبة؟

ما الذي كتبه “فحول” الإنترنيت عن ما جرى في العراق وفلسطين والصومال وأفغانستان والجزائر وأي مكان في العالم، من اغتصاب؟ قد يقول أحدهم، هذه الأماكن ليست من ديار الإسلام الوهابي، ليست بلاد خادم الحرمين. لا بأس، فليس لنا أن ننسب هؤلاء إلى العرب، وليس للعرب فخراً بانتساب هؤلاء. ولكن هل كتبوا سطراً واحداً عن النساء العربيات في السعودية ودول النفط اللائي اغتصبهن الجيش الأميركي والبريطاني؟ هل يجرؤ أحداً اياً كان على مجرد ذكر ذلك؟ كلا ابداً.

لقد دافعت خديجة المنكوبة بهكذا ذكورية، دافعت عن نفسها بتبرير تقبيل راس الرجل العجوز لأنه فوق السبعين من العمر، أي تحت خط الفقر الجنسي، معترفة ضمناً أن تقبيل الذكور، ما تحت السبعين فعلة جنسية إباحية تستحق الرجم، بل الفرم. ألم يقل الرئيس المؤمن أنور السادات ذات يوم من أيام هزائمه مهدداً جماهير انتفاضة الخبز: “اللي بيعترض …بأفرمه”.

ولكي تحمي نفسها لجأت السيدة الحداثية لاستنهاض تراث قبيلتها في جازان، التراث الذي يجيز تقبيل رأس الطاعنين في السن. كان لا بد للضحية أن تستنجد بتقاليد القبائل قبل ستة عشر قرناُ، يا إلهي، بما لدى هذه القبائل من معايير، قياس، القدرة الجنسية/العجز الجنسي كي تبرىء نفسها. فلو كان محمد العلي أقل بعام، لكانت عوقبت بتهمة الزنى، أو الرغبة في زنى لم يسهل تحققه! ولكن، لماذا نسي خبراء القياس الجنسي أن هناك رجالاً يحافظون على قدرتهم الحربية حتى إلى عمر المئة؟ ألم يقل المثل الذكوري: “وِحْنا ان شبنا بنوخذ منكن شباشيب”! أسوق هذا وأعلم أنني اضع خديجة في مشكلة تجديد المحكمة!

كان لا بد لخديجة أن تستنجد بالأعراف التي سادت مجتمعات ما قبل الصناعة والزراعة، وربما التجارة، ومتى في عصر اصبحت أزماته فضائية المدى، عصر أزمات الفقاعات المالية. عصر ترحل النساء فيه إلى الفضاء مع الرجال. هل القبلة هناك حراماً في حدود مضارب قبائل نبتون والمشتري والزهرة؟ ربما مسموح بها في عطارد؟

اين يعيش هؤلاء الناس؟

الا يجدر بهذا النفط الذي يوفر لهم النوم والغذاء والراحة والفياجرا ليمارسوا الجنس المثلي ومن ثم يطاردوا سيدة لمجرد أنها قبلت رأس عجوز؟ ألا يجدر به أن يحترق؟

من الذي أعطى هؤلاء حق متابعة المرأة واحتلال جسمها في الحضور وفي الغياب؟

هل قالت خديجة، أو نشرت كافة ملابسات الموقف؟

بالطبع لا يمكنها ذلك.

ما قالته أن بعض المحافظين (هنا بالمعنى السلطوي) حاولوا وضع المنتدى تحت وصايتهم، تماماً كما توضع المرأة دوماً تحت الوصاية. ولماذا لم تهدف تلك الوصاية جانباً محافظاً بالمعنى السلطوي الجنسي ايضا، ناهيك عن السلطوي الإداري؟

مسكينة خديجة المكلومة، مسكينة هذه الأمة بحكامها الذين يعيشون ممتطين ظهور عجول من هذا الطراز، ومركوبين هم والعجول بالراسمال الغربي، مسكين كل من لا ينفجر في هكذا عالم، ومسكينة أنا!