قصة قصيرة: باليد حيلة!

ميسون أسدي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1863)

منيرة 23/8/2000 الساعة العاشرة صباحا

دخلت منيرة إلى الطبيب وقالت له: أشعر بألم شديد في أعلى فخذي الأيسر.

طلب منها الطبيب أن تتمدد على السرير ليعاينها، وبعد التدقيق والتمحيص، قال لها: هذه “حيلة” لا تقلقي..

– وما هذه الحيلة يا دكتور؟!

– هناك التهاب في منطقة الجيوب الأنفية وهذا يؤدي إلى ألم في منطقة ما بين الفخذين، ما يطلق عليه بلغتنا العامية “الحيلة”.. يكون المرض في مكان والوجع في مكان آخر….

منيرة 12/2/1999 الساعة العاشرة ليلا

بعد أن اطمأنت على أولادها في أسرتهم، أخذت تستعد للدخول إلى فراش زوجها.. وأخذت تفكر كم تبغض هذه الساعة وما سيتلوها، لأنها ستقاسم زوجها نفس الفراش مرغمة، فما أن تضع رأسها على الوسادة وتشم أنفاسه، وإلا بيده تمتد مجتهدة، لإزاحة ملابسها الداخلية من القسم السفلى، فيعلو زفيره وشهيقه ولهاثه، وتدب به العافية لثوان معدودة، لينال مبتغاه، وتنتهي الجولة قبل أن تبدأ، فيرتاح هنيهات قليلة ويتناول بعدها إبريق الماء من جانبه ويعب الماء ليروي عطشه، وبعدها ينام كملاك طاهر، لا شيء يعكر سعادته، إلا شخيره المتواصل بإيقاعات موسيقية متنوعة.

كانت منيرة تشعر بأن هناك شيئا ما ينقص علاقتهما الزوجية ولكنها لم تستطع تحديده.

منيرة 20/2/1999 الساعة التاسعة صباحا

– ماذا تريدين يا “منيرة”؟

– أريد منك يا سيدي الشيخ أن تعمل لزوجي حجابًا، لأحظى بحبه وليكره جارتنا، ولتكن بيننا محبة وعشرة مثل باقي الأزواج.. فلا يكاد يتحدث معي زوجي بضع كلمات خلال الشهر، وإذا حاولت محادثته فلا يجيبني، واعتقد بأنه على علاقة حميمة مع جارتنا، وهذا يحزنني ويربكني.

– ما اسم زوجك؟

– عصام..

– وما اسم أمه؟

– بديعة..

– تعالي يا منيرة.. ادخلي معي تحت هذا الغطاء، (قام الشيخ بوضع غطاء على رأسيهما وقال: “يا شملخ يا شملوخ يا شممللخ، احضر في الحال وشوف شو مشكلة عصام زوج منيرة ابن بديعة… أبـّوووود وسبع جدود.. افتح الباب ولا تفوت.. يا سيّد العفاريت النفاريت، أحضر لي الحجاب في الحال.. مدد يا أسيادي مدد..

شعرت “منيرة” بحرارة لامست جسدها وروحها، وتصاعدت رائحة دخان في الغرفة، وأصبح الجو خانقا، وإذا بشيء يسقط في حضنها، فذعرت وقفزت من مكانها، ونزع الشيخ الغطاء عن رأسيهما بصورة مفاجئة وسريعة، مما زاد من فزعها، تفحصت “منيرة” الشيء فإذا به عظمة ساق، لا تعرف إذا كان مصدره لحيوان أو إنسان.

واخرج الشيخ من الساق ورقة ملفوفة بعناية وقال لها: ضعي هذا الحجاب داخل الوسادة التي ينام عليها زوجك، وإنشاء الله، خلال أيام معدودة ستشعرين بتغيير كبير.

منيرة 20/3/1999 الساعة التاسعة صباحا

– يا سيدي الشيخ، زوجي لا يحبني، حياتي جفاء بجفاء، ووحدتي زادت عن حدها، لا محبة ولا مودة، ولا نفس اسكن وألوذ إليها، وأصبحت هستيرية، فما العمل؟

– يبدو أن احدهم عمل لك عمل وعلينا إبطاله..

ومرة أخرى، دخلا تحت الغطاء وأعاد الكرة من جديد، وهذه المرة، سقط في حضنها صندوق صغير، مد الشيخ يده إلى حضنها، وأرخى ليده العنان، سحب الصندوق ببطء، فتحه واخرج منه لفة من القماش وقال: خذي هذا اللفة وانقعيها في الزيت، ثم احرقيها وانثري رمادها حول الدار.

وكالعادة، لم تخرج منيرة قبل أن تترك له حفنة من النقود في منديل صغير.

منيرة 10/4/1999 الساعة الثامنة صباحا

نهضت منيرة من فراشها، جهزت الفطور لأولادها ولزوجها، ثم عملت على ترتيب ملابسهم وحمـّلت كل واحد منهم زوادته، وخرج أولادها إلى مدرستهم، وأخذت تحضر غلاية قهوة، وتستعد للعمل على آلة الخياطة.

سمعت طرقًا على الباب، فعرفت أنها عايدة، شقيقة زوجها، التي تأتي في مثل هذه الساعة، تحتسي معها فنجان قهوة وتثرثر قليلا، ثم تمضي في سبيلها.

– أهلا “عايدة”.. أدخلي.. القهوة جاهزة..

– أأنت مشغولة اليوم كعادتك؟

– نعم سأكمل بعض الستائر لأم ثائر، لأنها ستأتي وتدفع ثمنها غدا، وسأصلح فستان سميحة البدوية، فعندها سهرة اليوم..

– على كل حال لن أتأخر، سأشرب القهوة وأمضي..

– تفضلي يا “عايدة” اشربي القهوة وتذوقي هذا الكعك الأصفر..

– متى خبزت هذا الكعك؟

– مساء البارحة، وبقيت أخبزه حتى ساعة متأخرة من الليل..

نظرت إليها عايدة ضاحكة بنظرات ماكرة.

– لماذا تضحكين يا عايدة؟

– لأنني في البارحة وفي نفس الوقت الذي كنت به تخبزين الكعك، انتشيت مع زوجي عدة مرات، أنت امرأة عصامية ولست مثلي لعوبًا!

– ماذا تقصدين بكلمة انتشيت؟

– هي الذروة في العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة..

– كيف يحدث ذلك؟ ولماذا لا أشعر أنا بها!؟

– لا أصدقك يا “منيرة”، فكلنا نحب ذلك، النشوة هي أساس المعاشرة، وهي التي تحدد نهاية اللعبة وربما بدايتها من جديد.

صمتت “منيرة” وشعرت بتعاسة حارقة جلبت الدموع إلى مآقيها، وقالت: أنا لست امرأة عصامية، بل زوجة بلهاء، بساطتي الساذجة، حرمتني من الكثير.. ونظرت من خلال النافذة إلى البعيد وقالت: غدا سأذهب إلى الشيخ.. عرفت بالتحديد ما ينقصني!

منيرة 11/4/1999 الساعة التاسعة صباحا

– سيدي الشيخ، لا اعرف إذا كان العيب مني أم من زوجي.. إعمل لي عملاً، لأصل إلى ما تصل إليه نسيبتي “عايدة”..

– الحل لمشكلتك عندي..

– أسرع.. قل له بالله عليك..

تحدث الشيخ ببعض الطلاسم مع أناس غير مرئيين وقال: حتى تحصلين على مطلبك عليك أن تتعري الآن أمام الجان وبواسطتي سيتواصلون معك لحل مشكلتك..

انتفضت واقفة وانهالت عليه بالضرب على كل أنحاء جسده ولم يجرؤ على أن ينبس ببنت شفة، خوفا من أن تسمعه زوجته وأولاده فقالت له منيرة: اللعنة عليك وعلى أحجبتك وعلى زوجي أيها الدجال، الآن فهمت سر نجاحك، وكيف تحمل النساء من أحجبتك.

عادت منيرة الى بيتها، مزقت الأحجبة في بيتها وصرخت في وجه زوجها: سأمضي قدما..

منيرة 22/8/2000 الساعة الخامسة بعد الظهر

كعادتها التي تمارسها منذ أكثر من سنة، قدمت منيرة محاضرتها الدينية الأسبوعية في أحدى الندوات البيتية في القرية، ثم عادت إلى البيت لتكمل طقوسها في صنع الكعك الأصفر بعد أن تحضر العشاء لجميع أولادها ومن ثم تطمئن عليهم في أسرتهم، وتقرأ قليلا من الكتب الدينية.. وتدخل لتنام بجانب زوجها.. لكن في هذا اليوم، وما أن دخلت البيت، حتى قامت بنزع الحجاب عن رأسها، وعندما أرادت تغيير ملابسها، شعرت بألم شديد في أعلى فخذها الأيسر.. فقالت في نفسها: غدا سأزور الطبيب..

منيرة 23/8/2000 الساعة الحادية عشرة صباحا

كانت منيرة تسير في اتجاه البيت، وهي تفكر بما قاله الطبيب عن “الحيلة” ولاحت لها فكرة.. فاتخذت لنفسها قرارا، ولم تنتظر وصولها إلى البيت حتى تنفذه.. خلعت الحجاب عن رأسها في وسط الشارع، عرجت على مصففة الشعر، وطلبت منها تسريحة تناسبها، وبدت لمن صادفها في الطريق، أنها سعيدة وأصغر سنا…

23/8/2008

مضت ثماني سنوات، وما درى حيٌّ مقرها.. قطع أهلها الأمل بالعثور عليها ولم يبق في يدهم حيلة.. اختفت منيرة واختفت معها رائحة الكعك الأصفر.