دعوة الأونسكو إلى طرد إسرائيل والمشاركة في مقاطعتها ثقافيّاً وأكاديميّاً: ليست حربًا بل إبادة

راحيلا مزراحي*

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1864)

ها قد تحوّل قطاعُ غزّة إلى أكبر معسكر اعتقالٍٍٍ في العالم. والوضع يزداد تفاقمًا بالنسبة إلى 1.5 مليون فلسطينيّ يسكنون هناك، إذ يتمّ تعويقُ (أو منعُ) وصول الماء والدواء والوقود. هذا وقد استفحل سوءُ تغذية الأطفال، وبعضُهم يموت من ضعف العناية الصحيّة، وتعطّلتْ مصادرُ الماء ووسائلُ التصريف. وغدت الأنفاقُ المؤدّية إلى مصر، والمحفورةُ يدويّاً، المتنفَّسَ الوحيدَ لأهالي القطاع.

وما دمنا نتحدّث عن إبادة قطاع غزّة، لا الحرب عليه، فإنّ علينا أن نتذكّر أنّ نصفَ سكّانه لاجئون جرّاء إحدى أكبر جرائم القرن العشرين. وهذه الجريمة لم تكن، هي الأخرى، حربًا، على ما تَزْعم الپروپاغندا الصهيونيّة، بل تطهيرٌ عرقيٌّ مدبَّرٌ جرى في فلسطين عام 1948، برعاية الانتداب البريطانيّ: فقد هُدمتْ أكثرُ من 500 بلدة و13 مدينة، وهُجِّر أكثرُ من 800 ألف فلسطينيّ، وارتُكبتْ عشراتُ المجازر الشبيهة بمجازر غزّة اليوم إلى حدٍّ بعيد. وذلك يفسِّر لماذا غزّة من أكثر المناطق السكّانيّة كثافةً في العالم. وتحاول إسرائيلُ والولاياتُ المتّحدة والعالمُ الغربيّ بأَسْره أن يَدْفنوا جريمةَ 1948، هي وفلسطينَ وشعبَها. وما الانتفاضة اليوم في غزّة إلاّ رفضٌ لدفن هذه الجريمة ولدفن فلسطين.

والحقّ أنّ جريمة 1948 الهائلة ليست من الماضي، بل حقيقةٌ مستمرّةٌ منذ 60 عامًا: إذ تستمرّ إلى اليوم سرقةُ ما تبقّى من الأراضي والمياه الفلسطينيّة، وهدمُ مئاتٍ من البيوت الإضافيّة، وتحويلُ القطاع والمدن الفلسطينيّة المحتلّة عام 67 إلى معسكراتِ اعتقال محاطةٍ بجدار إسمنتيّ بعلوّ ثمانية أمتار وبسياجاتٍ مكهربة. كما يستمرّ جعلُ القطاع منطقةً عامرةً بالفقر والجوع واليأس، ويستمرّ سجنُ ثلاثة أجيالٍ من الفلسطينيّين (يتجاوز الأسرى الفلسطينيّون اليوم 12.000 أسير). وفي موازاة ذلك تجري عمليّةُ استيطانٍٍ كولونياليّةٌ واسعة: فقد نجحتْ إسرائيل، بمساعدة روسيا والولايات المتّحدة، في تصدير مليون مهاجر إلى فلسطين، أكثرُهم أوروبيّون، أثناء الفترة الممتدّة بين عاميْ 1992 و2000. وقد جَرَتْ سرقةُ الأراضي واستعمارُها استنادًا إلى خطابٍٍٍ كاذبٍٍٍ عن السلام تمّ نشرُه في العالم على يد منظّمات “سلامٍ” إسرائيليّةٍ كاذبةٍ تَستخدم اتفاقيّات أوسلو مطيَّةً من أجل إكمالِ محوِ فلسطين.

على المجتمع الدوليّ أن يَكْسر الصمتَ الذي التزمه حيال الجريمة التي اقترفتْها إسرائيلُ عام 1948، وأن يبدأ باستخدام كلمة “أپارتهايد” لوصف إسرائيل، وأن يفكّر جدِّيّاً في فرض عقوباتٍ عليها متّخذًا ممّا حصل مع جنوب أفريقيا السابقة نموذجًا.

دعوة عاجلة إلى الأونسكو لطرد إسرائيل من عضويّتها فيها

تأسّست الأونسكو، أي المنظّمة التربويّة والعلميّة والثقافيّة التابعة للأمم المتّحدة، عامَ 1945 من أجل الإسهام في السِّلم والأمن، وذلك عبر ترويج التعاون الدوليّ في ميادين التربية والعلم والثقافة، بهدف الإعلاء من احترام قيم العدالة وحقوق الإنسان والحرّيّات الأساسيّة المنصوص عليها في وثيقة الأمم المتّحدة. ولذلك، فإنه حين تُستهدف المدارسُ التي تَحْمل علَمَ الأمم المتّحدة، ويُستهدف الأطفالُ، ويُجوَّع شعبٌ بأكمله إلى تخوم الموت، فإنّه لا يكفي أن تحتجّ الأونروا واليونيسف والأونسكو، بل عليها جميعِها أن تُبادرَ إلى تحمُّل مسؤوليّتها عمليّاً. إنّ تاريخ إسرائيل معبَّدٌ بالتدمير والتخريب الوحشيَّيْن المنهجيَّيْن لحضارة الفلسطينيّين وثقافتهم؛ فقبلَ التطهير العرقيّ عاميْ 1947 و1948، وأثناءه، وبعده في الخمسينيّات، أدّى هدمُ أكثر من 500 بلدة و13 مدينة إلى تدميرٍ هائلٍٍ للبنية الثقافيّة الفلسطينيّة بأكملها: من حِرَفٍ وكُتُبٍٍ ومخطوطاتٍ قديمةٍ وعمارة، بما في ذلك بعضُ الكنائس ومئاتُ المساجد والمقابر. واستمرّت إسرائيل عام 1967 في أعمال تدميرها الثقافيّ/الحضاريّ، فأبادت 140 بلدةً وقريةً إضافيّةً في الجولان السوريّ، وقرًى إضافيّةً في المناطق الفلسطينيّة التي احتلّتها تلك السنة، وقامت بتحريجها محوّلةً إيّاها إلى ما يشْبه “الحدائقَ الوطنيّة،” وذلك من أجل طمس القرى الفلسطينيّة المنكوبة. كما هَدمتْ إسرائيل عامَ 1967 حيّاً كاملاً في القدس القديمة، هو “الحيّ المغربيّ،” وخَرقتِ القانونَ الدوليّ خرقًا وحشيّاً حين أَجْرَت عمليّاتِ تنقيبٍٍ أركيولوجيّةً ضخمةً في المناطق التي احتلّتها آنذاك. ونتيجةً لذلك طالب أكاديميّون من جنسيّاتٍ مختلفةٍ بطرد إسرائيل من الأونسكو. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1974 قرّرت الأونسكو إنهاءَ مساعداتها لإسرائيل، واستبعادَها من نشاطات الأونسكو وفِرقها الإقليميّة.

ولكنْ بعد مدّةٍ قصيرة أعادت الأونسكو إلى إسرائيل عضويّتَها الكاملة فيها. غير أنّ إسرائيل واصلتْ عنفَها الثقافيّ، فعمدتْ إلى سرقة المكتبات الفلسطينيّة وأرشيف الأفلام الفلسطينيّة في بيروت أثناء اجتياحها للبنان عامَ 1982، وعمدتْ إلى تخريب مركز السكاكيني الثقافيّ في رام الله أثناء غزوها عامَ 2002، وإلى تخريب الآثار الفلسطينيّة إبّان عمليّات الحفر. ومؤخّرًا قامت إسرائيل بأعمال حفرٍٍٍ تحت المسجد الأقصى، معرِّضةً أُسُسَه للخطر الشديد.

وأثناء المجازر الإباديّة الأخيرة التي تعرّض لها قطاعُ غزّة، أبادت إسرائيل الجامعةَ الوحيدةَ هناك، وقصفتْ مدارسَ الأمم المتّحدة (وهي من بين 64 مدرسةً كان قد لجأ إليها أطفالٌ ومدنيّون واستهدفها الإسرائيليّون)، وأبادت 27 مسجدًا في بضعة أيّام. والحال أنّ “إبادة المساجد” ليست مصادفةً وإنّما استمرارًا للتدمير المنهجيّ الذي كان قد طاول مئاتِ المساجد أثناء التطهير العرقيّ عام 48، وهي أيضًا جزءٌ من الإيديولوجيا الصهيونيّة التي تستهدف الثقافةَ العربيّة والإسلاميّة، بما في ذلك أوجهُ الثقافة والحضارة لدى العرب اليهود، وكلُّ ذلك باسم “العلمانيّة” و”التقدّم.”

على الأونسكو، الملتزمةِ “بترويج التعاون الدوليّ عبر التربية والعلوم والثقافة بهدف الإعلاء من شأن الاحترام العالميّ للعدالة وحقوق الإنسان والحرّيّات الأساسيّة،” أن تبادر إلى وقف عنف إسرائيل المنهجيّ ضدّ البشريّة وضدّ ثقافتها، وأن تَطْرد إسرائيلَ من عضويّتها.

الدعوة إلى المشاركة في مقاطعة إسرائيل ثقافيّاً وأكاديميّاً

إنّ أيّ شكلٍٍ من أشكال المقاطعة هو الحدُّ الأدنى الذي يُمْكن أن يقوم به إنسانٌ محترمٌ في مواجهة الجرائم المتواصلة ضدّ البشريّة، وهي جرائمُ ترتكبها إسرائيلُ بدعمٍ غير محدودٍ من الولايات المتّحدة وأوروبا والعالم الغربيّ بأكمله ـ وكلُّها تَستخدم إسرائيلَ قاعدةً عسكريّةً لقمع العالم العربيّ، في الوقت الذي تَنْهب فيه مواردَه الطبيعيّةَ بمساعدة أنظمةٍٍ/دمًى عربيّةٍ نيو ـ كولونيالية.

وتحظى المقاطعةُ الثقافيّة والأكاديميّة بأهمّيَّةٍ خاصّة. فالجامعات الإسرائيليّة هي أحدُ أهمّ منابع الفكر العنصريّ الصهيونيّ: وهو فكرٌ أشكينازيّ ـ يهوديّ أبيض، وأوروبيّ التمركز، وكولونياليّ. والحقّ أنّ كلّ الجامعات الإسرائيليّة تتضمّن أقسامًا مكرَّسةً للأبحاث الاستشراقيّة عن الشرق الأوسط بوصفها أدواتٍ للسيطرة الكولونياليّة. وثمّة أقسامٌ أخرى تتجاهل الثقافاتِ واللغاتِ غيرَ الغربيّة، والعربيّةَ والإسلاميّةَ، وتتجاهل الأدبَ والموسيقى والتاريخَ والفلسفةَ في هذه الثقافات، وذلك انعكاسٌ لنظرة تلك الأقسام إلى العرب والمسلمين بوصفهم غيرَ متحضّرين وغيرَ مثقّفين. وثمّة أقسامٌ أخرى تطوِّر الأسلحةَ: ففي جامعة تل أبيب مثلاً قسمٌ كاملٌ لـ “الدراسات الأمنيّة،” وفيه يتمّ تطويرُ سلاحٍ بهدف الإبادة “الذكيّة” (المحَوْسَبَة) للبشر. وإنّ الجامعات الإسرائيليّة مكرّسةٌ، بأشكالٍٍ عديدةٍ مختلفة، للسيطرة العسكريّة والسياسيّة على فلسطين والشرق الأوسط. وسببٌ آخر لمقاطعة إسرائيل أكاديميّاً تتمثّل، كما ذكرنا، في أنّها قَصفتْ منذ أسابيع الجامعةَ الوحيدةَ التي يستطيع الساكنُ في غزّة أن يصلَ إليها بسبب الحصار. إنّ مقاطعة الجامعات الإسرائيليّة واجبٌ، إذنْ، على كلّ أكاديميّ شريف.

ثم إنّ الثقافة الإسرائيليّة مكرَّسةٌ، هي الأخرى، تكريسًا كاملاً لخدمة النظام الأشكينازيّ الأوروبيّ التمركز الصهيونيّ الكولونياليّ. وثمّة مؤلّفون صهاينة، مثل عاموس عوز وا.ب. يهوشوا ودايفيد غروسمان، يُعتبرون، خطأً، جزءًا ممّا يُسمّى “حركة السلام،” في حين أنّ نصوصَهم ـ وبالأخصّ نصوصهم الخلفيّة المضمرة (subtexts) ـ مليئةٌ بالرسائل الكولونيّاليّة والعنصريّة. وقد دَعموا بشكلٍٍ جهيرٍٍ الإبادةَ في لبنان عام 2006، ويَدْعمون الآن، صامتين، الإبادةَ في غزّة. وما دمنا بصدد الحديث عن الأدب فلنذكّرْ بأنّ إسرائيل اغتالت، بالإضافة إلى المدنيين أطفالاً ونساءً وشيوخًا، أحدَ أبرز الكتّاب الفلسطينيين، أَلاَ وهو غسّان كنفاني. كما أنّ الموسيقى الشعبيّة الإسرائيليّة هي الأخرى متجذِّرة بعمق في الجيش الإسرائيليّ: ذلك أنّ معظم الموسيقيّين الإسرائيليّين البارزين بدأوا طريقَهم الموسيقيَّ في فرقةٍ موسيقيّةٍ عسكريّة وكانوا يؤدّون أغانيَ عسكريّةً فاشيّة. هذا وقد دأبت الفنونُ الجميلةُ الإسرائيليّة والرقصُ الإسرائيليُّ على سرقة التراث الفلسطينيّ، ثم راحت تَعْرضه في كافّة أرجاء العالم بوصفه “تراثًا يهوديّاً قديمًا.” زِدْ على ذلك مصادرةَ الطعام الفلسطينيّ العربيّ (كالفلافل) والملابس (كالكوفيّة) وذلك من أجل تصوير كولونياليّة الإسرائيليّين الأوروبيّة وكأنّها استمرارٌ لحركةٍ يهوديّةٍ أصلانيّةٍ قديمةٍ تمتلك ـ هي وحدها ـ أرضَ فلسطين، متجاهلةً الشعب الفلسطينيّ الذي يَمْلِك ذلك الإرثَ.

وفي هذه الأيّام يتجنّد وكلاءُ إسرائيل الثقافيّون في تطبيع جرائم إسرائيل المستمرّة وتطبيع نظامها الأپارتهايديّ المتواصل، وذلك بتصوير الصراع الإسرائيليّ ـ الفلسطينيّ وكأنّه متساوي الكفّتيْن، ضِمْنَ إطار خطابٍٍ أجوفَ عن السلام، من دون مراعاةٍ للتاريخ، وبهدف تطبيع جريمة 1948 في المقام الأوّل ـ ألا وهي محوُ فلسطين على يد دولة “إسرائيل” العنصريّة اليهوديّة. وفي العالم تقدَّم أسمى آياتِ الاحترام إلى العاملين الإسرائيليين في حقل الثقافة بوصفهم “سعاةَ سلام” بدلاً من أن يُنْبَذوا بوصفهم مشاركين نشطين في القمع الصهيونيّ لشعب فلسطين الأصليّ.

هل تَنْجح المقاطعةُ الثقافيّةُ والأكاديميّة لإسرائيل؟ جوابي: ذلك يتوقّف على ما نقصده بـ “تنجح.” فإذا كانت المقاطعة من السَّعَةِ بحيث تؤثّر في حياة الإسرائيليّين اليوميّة، فستنجح عمليّاً. إلاّ أنّ المقاطعة حاليّاً ليست واسعةً بما يكفي. وها هو مغنّي الپيتلز المنافق پول ماكارتني قد زار إسرائيلَ مؤخّرًا، وستزورها المغنّيةُ الأفريقيّةُ سيزاريا ايفورا وكأنّ أفريقيا لا تخضع للقمع الكولونياليّ نفسه (!)، وهناك فنّانون آخرون كثيرون غير هذه وذاك. كما أنّ الفنّانين والموسيقيّين وأمناءَ المتاحف والمكتبات الإسرائيليّين يُدْعَوْن إلى كافّة أرجاء العالم

ولكنّ ما يتخطّى السؤالَ المباشرََ عن نجاح المقاطعة إنّما هو اتّخاذُ موقفٍ أخلاقيٍّ من الصهيونيّة وجرائمها، والعملُ على تغيير الخطاب العامّ. فالجرائمُ الصهيونيّةُ أفظعُ بكثيرٍ من جرائم نظام الأپارتهايد في جنوب أفريقيا لأنّ الأخير لم يدمِّر ذلك العددَ الهائلَ من القرى والمدن ولم يَطْردْ 800 ألف جنوبأفريقيّ. فلماذا العالمُ الغربيّ، ولا سيّما مثقّفوه، صامتون؟

فإلى اليوم ليس هناك اعترافٌ دوليٌّ بأنّ التطهير العرقيّ الفلسطينيّ عام 1948 جريمةٌ ضدّ الإنسانيّة. بل ساعد الغربُ منذ ذلك العام على طمس هذه الجريمة. ولو تمّ الاعترافُ بذلك فعلاً فسيكون اعترافًا فارغًا ما لم يبادرْ إلى تحمُّل مسؤوليّة تعويض الضحايا من خسائرهم. والحال أنّه قد بات “موضةً” أن يكتبَ أكاديميّون إسرائيليّون عن النكبة (التطهير العرقيّ عام 48)، فينالوا درجةً جامعيّةً وألقابَ الشرف والاستحقاق والأخلاق لـ “كشفهم” الحقائقَ والمواقفَ، مع أنّ هذه سبق أن كَتَبَ عنها الفلسطينيّون والعربُ طوال أعوامٍ لكنّ أحدًا ]في الغرب] لم يكن يريد الاستماعَ إليهم. فما الذي يساعد إسرائيلَ على أن تتمتّع بصفة “الدولة التقدّميّة” في حين أنّها أكثرُ أنظمة العالم ظلمًا وقهرًا؟ إنّ قلّة قليلة من الإسرائيليّين (من بينهم الباحثُ الأكاديميّ إيلان بابيه مثلاً) على استعدادٍ للمطالبة بوضع حدٍّ لمعاناة الضحايا الفلسطينيين وتعويضِ الشعب الفلسطينيّ. بل إنّ بعضَ الأكاديميّين الإسرائيليّين يصادرون الصوتَ الفلسطيني ويسرقونه، كما فعلتْ غانيت أنكوري حين كتبتْ عن الفنّ الفلسطينيّ بهدف الفائدة الأكاديميّة الشخصيّة. هؤلاء أيضًا تنبغي مقاطعتهم!

الصهيونيّة عنصريّةٌ فعلاً. وهي إيديولوجيّةٌ يهوديّةٌ، أشكينازيّة، بيضاء، كولونياليّة، أوروبيّةُ التمركز؛ وهذا يعني أنّ على فلسطين، بحسب الصهيونيّة، أن تكون يهوديّةً وأوروبيّةَ التمركز وغيرَ عربيّة. كُلّ مواطنٍٍ إسرائيليّ يَخْضع لعمليّة غسل الدماغ هذه منذ أن يُبصِر النور: في البيت، والمدرسة، والجامعة، والإعلام العِبْرِيّ، وفي النصوص. لكنّ ما يَجْعل تلك العمليّةَ فعّالةً جدّاً إنّما هو ما يحدث أساسًا في النصوص الخلفيّة المضْمَرَة (subtexts). بل إنّ اسمَ الإبادة الجماعيّة في غزّة اليوم، أَلاَ وهو Oferet Yetzuka (أو الرصاص المصبوب)، مأخوذٌ من بيت شِعر يكرَّرُ مرّتين في أغنيةٍ صهيونيّةٍ للأطفال في عيد “حانُوكاه،” وسيُنشده الأطفالُ الإسرائيليّون من اليوم فصاعدًا احتفاءً بإبادة غزّة. والحقّ أنّ قراءةَ العبْريّة فقط، والاستماعَ إلى العبْريّة فقط، وتجاهُلَ العربيّة تجاهلاً تامّاً مع أنّ “إسرائيل” في قلب الشرق، كلُّ ذلك يجعل عمليّة غسل الدماغ أسهل. كما أنّ توصّلَ الإسرائيليّين المحدودَ إلى القراءة بالإنكليزيّة لا يغيِّر في الأمر كثيرًا لأنّ معظمَ الصحافة المكتوبة بالإنكليزيّة يتبنّى المفاهيمَ الصهيونيّةَ تبنّيًا كاملاً. وهذا ما يحتِّم ممارسةَ الصهاينة لأشكالٍ مختلفةٍٍ من التطهير العرقيّ، ويكون السؤالُ الأوحدُ عمّا إذا كان التطهيرُ العرقيّ ألطفَ (مع الصهاينة اليساريين) أو أبشعَ (مع الصهاينة اليمينيين)! إنّ الصهيونيّة ترفض أيّ حقٍّ للفلسطينيين على أرضهم، وترفض حقّهم في العيش في وطنهم، بل تَرْفض الحقوقَ المدنيَّة والإنسانيّة الأساسيّة. و>حقّ< الصهيونيّة في فلسطين أسمى من كلّ الاعتبارات الإنسانيّة والأخلاقيّة، وهو ما يعيدنا إلى المفاهيم الصهيونيّة الأساسيّة التي تَعتبر الحضارةَ العربيّةَ والإسلاميّة أدنى مرتبةً، الأمرُ الذي يعني أنَّ الفلسطينيين “ليسوا بشرًا تمامًا.” وعليه، فإنّ تحويلَ قطاع غزّة والمدن الفلسطينيّة إلى معسكرات اعتقالٍ أمرٌ مقبولٌ، تمامًا تقريبًا، في إسرائيل، وكذلك الأمرُ بالنسبة إلى إبادة غزّة حاليّاً. إنّ الثقافة الصهيونيّة الإسرائيليّة قاتلةٌ للفلسطينيين والإسرائيليين معًا؛ لذا وَجَبَتْ مقاطعتُها.

ولكنْ، لسوء الحظّ، يبدو أنّ معظمَ الأوروبيّين، بوصفهم جزءًا من الغرب، يفكّرون بطريقةٍ صهيونيّةٍ. وإلاّ فكيف نُفسِّر إعطاءَ الغرب جائزةَ نوبل للسلام إلى إسحق رابين ـ وهو أحدُ مهندسي التطهير العرقيّ العشرة في فلسطين عام 1948، وأحدُ المطهّرين العرقيّين عامَ 67، وأحدُ المسؤولين المباشرين عن بعض المجازر الكبرى: إحداها (وهي شبيهةٌ بما حصل في غزّة بالأمس القريب) طالت 150 مدنيّاً كانوا يلتجئون في مسجدٍ في اللّدّ؟ وكيف نفسِّر إعطاءَ الغرب جائزةَ نوبل للسلام إلى شيمون پيريز الذي جَلَب السلاحَ النوويًّ إلى الشرق الأوسط؟ أمّا “جائزة نوبل البديلة” فأعطيتْ إلى مجرم حربٍ آخر من مجرمي حرب 1948، وهو أوري أفنيري، الذي بقي صهيونيّاً إلى اليوم ويَعتبر جريمةَ العام 1948 مشروعةً. الأرجح أنّ ما يجعل الغربَ يَمْنح الجوائزَ إلى هؤلاء إنّما هو پروپاغاندا هائلةٌ جَرَتْ طوال أعوام وتستند إلى استخدامٍ صهيونيٍّ كلبيٍّ لليهوديّة (مع أنّ الصهيونيّة عقيدةٌ علمانيّة حتى العظم!) وللهولوكوست. وعلى هذا الخطاب أن يُغيَّر.

ثم إنّ هناك فوبيا إسلاميّةً لاعقلانيّةً ضدّ حركة حماس، التي تَرفض أن تَدْفنَ فلسطين، وتَرفض أن تَدَعَ شعبَها يواصل العيشَ بصورةٍ لاإنسانيّة. إنّ قادة حماس محترمون ومخْلصون لشعبهم، لكنّ إسرائيل لن تستمع إليهم لأنّهم يُفكِّكون الأسسَ العنصريّةَ للصهيونيّة التي تزعم أنّ “العلمانيّة والتقدّم” يبرِّران إبادةَ الحضارة العربيّة والإسلاميّة.

استمعوا، إذن، إلى ما تقوله حماس. توقّفوا عن الاستماع إلى ما تقوله الصحفُ الغربيّةُ عن حماس؛ فلقد اقترحتْ حماس على إسرائيل حلولاً معقولةً جدّاً في السابق. وتوقّفوا عن الاستماع إلى الدعاية الصهيونيّة الإسرائيليّة!

فلسطين

* راحيلا مزراحي: وَقّعتْ قبل عاميْن “النداءَ الفلسطينيّ من أجل مقاطعة إسرائيل.” حصلتْ على شهادةٍ أولى في الفنون الجميلة من أكاديميّة بتسالئيل في القدس، وتُنهي حاليّاً شهادةً ثانيةً في جامعة تل أبيب في “أنماط استملاك الفنّ التشكيليّ الإسرائيليّ للتراث الفلسطينيّ” (راجع الآداب، 7 ـ 9، 2008، ص 40 ـ 50). وهذا المقال، شأن المقالات الأخرى، مكتوبٌ خصّيصًا لـ الآداب.

ترجمة: سماح إدريس