فدراليتان: غزة ورام الله، ولكن…أيتها السيدات والسادة

أين وطن الشعب!

عادل سمارة

“حذار من المشاركة في الانتخابات المقبلة، لأنها قد تحتوي قائمة صهيونية. ألا قد بلَّغت، اللهم فاشهد!”

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1864)

حين يرقص الطفل في حضن أبيه، يكون في غاية النشوة والأمان، وحين يتمايل المرء في حضن زوجه أو من يحب يكون في حالة التوحد والاندماج، أو كما كتب شكسبير “الحيوان ذو الرأسين”. أما حينما تتمايل الحركة السياسية، وخاصة حركات المقاومة في أحضان عدوها، فهو الانتحار بعينه!

أستدعي هذا كلما فكرت في الانتخابات في الأراضي المحتلة وما رافقها من جدل بين الواعين ولغط بين العوام والسوقة، وعذراً على هذه التعبيرات الطبقية فكرياً، ولكن ما يدور في الساحة الفلسطينية يقوده الجهل والتخلف والتبعية والتزلُّف أكثر مما يقوده علم السياسة. يكفي أن يكون المرء في منصب رسمي او حزبي حتى يصبح مفكراً وعبقرياً ويتم ترديد كلماته حتى لو كان بلا علم ولا معرفة، تماماً كما هي الأنظمة العربية، حين يصير الرجل (أو يُصار به) ملكاً أو رئيساً يصبح عبقرياً، كيف لا أدري.

بموجب اتفاقات اوسلو، وهي مركبة صُنعت أميركياً وصهيونياً، قرر الفلسطينيون التخيُّل أنهم أحرار ومستقلون، وقرروا إجراء انتخابات تحت الاحتلال، وفي حين تعفف اليسار والإسلاميون عن الانتخابات الأولى، سارعوا للقفز في العربة مع الانتخابات الثانية. وتساءل البعض آنذاك، ولكن لماذا تشجع أميركا الإسلاميين واليسار لدخول الانتخابات وربما إمساك سلطة الحكم الذاتي؟ كان اجتهادي المتواضع، أن أميركا والكيان لا يهمهما من يمسك سلطة تحت الاحتلال. لأن الأساس أن يدخل كل فلسطيني من مطهر التسوية، لأن ذلك الدخول يعني الاعتراف بالكيان. ولعل النموذج الواضح على ارتكاب هذا الخطأ كان قدوم الشهيد ابو علي مصطفى، فرغم أنه كرمز تخلى عن الرموزية بدخوله من باب معابر يشرف عليها الاحتلال، إلا أن الاحتلال حينما جد الجد، قرر اغتياله علانيةً، فغسل الرفيق الخطأ بالتضحية الكبرى. وكمواطن تحت الاحتلال، لم يتغير موقفي من رفض دخول اي رمز إلى الأرض المحتلة من خلال سيطرة الاحتلال، وهذا بعكس حق كل فلسطيني عادي أن يعود إلى الوطن بأي سبيل، سوى العمالة بالطبع. رحل أبو علي، الذي عملت وإياه قبل 1967 سنوات، وبعدها بأشهر حتى اعتقلت، ولم اصافحه حينما دخل، لكنني رثيته بألم حينما استشهد.

لقد بررت حركة حماس دخول الانتخابات بموجب اتفاق القاهرة الذي عقد هناك برعاية مدير مخابرات النظام المصري. والنظام المصري هو نظام ملتزم منهجياً، ويبدو لي عقائدياً بالاعتراف بإسرائيل إلى درجة الدفاع عنها. وما يدور في سيناء والحملة ضد حزب الله تؤكد هذا القول بلا مواربة. وإلا كيف يمكن لنظام يقود 70 مليون مواطن أن لا يجرؤ على إدخال بعض الحليب إلى أطفال غزة؟ أميل إلى ان هناك قناعة عقيدية صهيونية لدى النظام بما يفعل اكثر مما هو خوف من بطش شعب الله. وما الغريب في هذا؟ فإذا كان هناك صهاينة أمريكيين وفرنسيين،وانجليز، نعم إنجليز بالطبع، فلماذا لا يكون هناك صهاينة عرباً وفلسطينيين وحتى من قريتنا البسيطة!

لذا، اعتقد أن الإصرار الأميركي على إجراء الانتخابات والعمل على إدخال كل القوى في ذلك المطهر كان له ما ورائه، وهو اساساً أمران:

الأول:الاعتراف بالكيان بمعنى أن هناك إصرار على ان يعترف كل عربي فرد بهذا الكيان.

والثاني:وهو مستمد من التراث الاستعماري في إشغال المستعمرات بصراعات السلطة، لا سيما في مجتمعات لم يسمح تطور تشكيلاتها الاجتماعية الاقتصادية بتطور يحمل معه أو يفرض توازناً ديمقراطياً يحول دون احتلال طرف معين للسلطة، وهي حيلولة تقوم اساساً على ساقين:

□ الأولى: تكون الديمقراطية السياسية متطلَّباً اقتصادياً لراس المال الذي يهمه أن يواصل خط الإنتاج عمله دون تقطُّعات من قبل الإضرابات الطبقية العمالية تحديداً.

□ والثاني، تبلور تراث ثقافة الاحتجاج ضد السلطة وليس ضد المستعمِر فقط.

وباستثناء حركة الجهاد الإسلامي، وبعض القوميين وبعض الشيوعيين القوميين، فقد دخل الجميع مطهر التسوية بالانتخابات. على أن أل 24% الذين لم يشاركوا في الانتخابات، لم تكن في أغلبها ضمن تنظيم للذين لم يشاركوا، بل هم بين مواطنين يرفضون التسوية وبين مواطنين لا يؤمنون بديمقراطية تحت الإحتلال، وآخرين ليسوا معنين بالسياسة، وقد تكون أكثريتهم نساء.

وبالنتيجة، فازت حماس في الانتخابات، وجاء دور العدو كي يتلهى بتعذيبنا ونحن نتراقص في حضنه، عدو وأي عدو! وباختصار كان ما كان من الانقلاب المعولم على حماس بدءاً من قيام أنظمة الغرب “المانحة” – وهي تمنح الفتات مما تنهبه من ثروات الأمة برضى الكمبرادور العربي من أغنيائه – في الخليج المتآكل بالحتَّ = كلمات الشاعر الراحل عبد اللطيف عقل= وحتى الصومال التي نهبت الشركات متعدية الجنسية قطعان اغنامها لتوقعها في المجاعة! فكيف سيكون وضع من يضع نفسه بأيدي عدو معولم.

وانتهى الأمر إلى قرار الولايات المتحدة دعم أجنحة من حركة فتح -كما تقول حماس وكما أكدت مجلة أمركية- بتصفية حماس في غزة. وكانت اشتباكات لعدة أشهر انتهت بما اسمته حماس الحسم العسكري واسمته فتح انقلاباً.

وكان الطلاق

يوماً بعد يوم، لا يعود الأمر الأساس من الذي أخطا ومن الذي اصاب. بل الأساس هو لعنة الدخول في الانتخابات. وطن تحت الاحتلال، ويعيش أهله “جنة” ديمقراطية انتخابات شفافة على رأي المزوِّر التاريخي جيمي كارتر الذي أنشأ قوات التدخل السريع في الوطن العربي، والتي كانت التمهيد لذبح العراق!

هذه الانتخابات التي أعطت شرعية للاقتتال الداخلي، للصراع على السلطة، فلا بد للمستعمِر أن يقدم للمستعمَر ما يقتتل عليه، وهكذا كان.

اذكر أنني، بعد الانفصال ببضع اسابيع، حضرت نقاشاً في مركز باسيا برام الله أداره مهدي عبد الهادي وحضره بسام الصالحي أمين عام حزب الشعب ومن الحضور كان عفيف صافية السفير الفلسطيني المفصول من عمله مؤخراً (على ذمة وكالات الأنباء أن سبب الطرد هو حضوره نشاط فلسطيني في موسكو اقامته حركة حماس) وأخريات وآخرين لا أذكر اسمائهم. ودار النقاش حول غزة، وكان مليئاً بالأسف والتأسفات على الانشقاق.

فوجىء الصالحي بقولي، لا ارى أن هناك مشكلة كبيرة، فلم تكن الجغرافيا موحدة خلال التسوية، وممارسة النضال ممكنة حتى في الزنازين، لذا، الانفصال لا يعيق المقاومة، والمهم أن ما حصل يؤكد عدم العودة.

كان تقديري وحتى الآن، أن ما حصل لن يسهل ترميمه لِ:

1) نتيجة للرغبة في السلطة وليس تبادليتها على طريقة (آبائنا) في الغرب المستقر.

2) لقد حصل قتل من الطرفين ولن يغفر أحد للآخر، وربما يكون التصالح ممكناً إذا تم إبعاد 500 كادر وسيط من كل طرف خارج البلاد بما هم مفجري الاشتباكات وهادفين ومستهدفين، وهذا لا يرضى به لا الكادر ولا من أعطاه الأوامر بالاشتباك.

3) هناك حقد متراكم لا ينفع معه التصالح.

وكان اعتقادي ولم يتغير أن حكومتين ستكونان بعد ذلك الانفصال، ولم أكتبه بل اسررت به لأصدقاء، لأن كتابته كانت ستبدو كما لو كنت لا أؤمن بالوحدة الوطنية[1]، التي يتشدق الجميع بقدسيتها.

قبل بضعة ايام، لاحظت سباقاً محموماً بين صحفيين وكتاب أعمدة يحاول كل منهم حيازة قصب السبق بأنه عرف من أوساط ما ذات اطلاع ما وخبرة ما وقرار ما أن فدرالية ستكون بين رام الله وغزة. وبمعزل عن كل هذا، يبقى السؤال:

هل ستكون النتيجة كانفصال سوريا عن مصر عام 1961، وانفصال باكستان الشرقية عن الغربية ؟

وهل سيعود هذا بنا إلى الأردن ومصر؟

وهل سبب ما حصل هو عدم وجود ديمقراطية في الحكم؟

أم أن السبب الإضافي والأهم هنا هو تحريك واستخدام المركز الإمبريالي للمقاوم وغير المقاوم في عملية انتخابات أدت إلى هذا المقتل؟

وأخيراً، إذا كانت رام الله هي حكومة فتح ومنظمة التحرير، وغزة هي حكومة حماس، فهل من وطنٍ لمن ليسوا هنا أو هناك؟ ولا أقصد هنا من يسمون أنفسهم مستقلين لكنهم مع التسوية، ومع أميركا، اقصد فيالق الأنجزة وقططها السمان، ولبراليين وأكاديميين متخارجين فكريا وثقافيا وربما أمنياً. إنما أقصد حركة كالجهاد الإسلامي، وكوادر اليسار الذين لم يتمرغوا في اموال منظمة الحرير، والأهم بقية بنات وابناء شعبنا؟

إلى هؤلاء اقول، على الأقل حذار من المشاركة في الانتخابات المقبلة، لأنها قد تحتوي قائمة صهيونية. ألا قد بلَّغت، اللهم فاشهد!


[1] كتبت عام 1982 أن لا معنى للوحدة الوطنية الفلسطينينة طالما هناك طرف مع التسوية وآخر يرفضها إلا إ ذا التحق طرف بموقف الآخر، كان ذلك في مجلة الشراع التي أغلقها الاحتلال.