أوباما وجدران برلين وفلسطين والعراق!

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1867)

على مدى الأسبوع الأول من نيسان /إبريل الجاري (2009) وبمناسبة انعقاد قمة الدول العشرين وقمة حلف شمال الأطلسي في أوروبا، زار الرئيس الأمريكي باراك أوباما أيضاً تركيا والعراق، وأثناء حواره المفتوح مع الطلبة الأتراك في اسطنبول قال: ‘ستثبت الأيام للجميع أنّ الولايات المتحدة تغيّرت’! لقد نطق بهذه الجملة بعد أن اعترف بأنّ واشنطن ‘أخطأت’ مرّات عديدة في سياساتها الخارجية، مؤكّداً أنّه سوف يسعى حثيثاً لتغيير صورة بلاده ‘العدوانية’ في العالم، ولاسترداد أصدقائها الذين فقدتهم، أي أنّ الولايات المتحدة تغيّرت نحو الأفضل وليس الأسوأ كما كان يحدث في العهود المتوالية التي سبقت عهده!

وكان أوباما، قبل زيارته لتركيا، قد عقد لقاء في مدينة استراستبورغ الفرنسية مع مئات الشباب الفرنسيين والألمان، كرّر خلاله تصريحاً كان قد أطلقه في العاصمة التشيكية براغ، أثناء لقائه بممثلي دول الاتحاد الأوروبي، قال فيه: ‘سأضع برنامجاً هدفه تحقيق إخلاء العالم من الأسلحة النووية’! هذا ما قاله الرئيس الأمريكي! فكان التصريح مفاجئاً، ومثيرا، ومريحا في عالم يعيش تحت وطأة خطر رهيب ماثل قوامه خمسة وعشرين ألف رأس نووي حربي تمتلكها حوالي عشر دول، وتكفي لتدمير كوكب الأرض بكامله عدة مرّات، ناهيكم عن الكارثة البيئية الشاملة التي دخل العالم في مقدّماتها، والتي أعلن أوباما أيضاً تصميمه على المشاركة في مواجهتها، بعكس موقف سلفه جورج بوش!

بالطبع ينبغي أن نصغي بإيجابية إلى ما عبّر عنه الرئيس أوباما حتى الآن من نوايا طيبة بصدد عدد من القضايا العالمية الخطيرة، غير أننا ويا للأسف، إذا ما سلّمنا بصدقه، لا نستطيع التخلّي عن الحذر ونحن نرى الانتقائية في تحديده للأخطار ومصادرها وللسلبيات ومواقعها، هذه الانتقائية التي تعني استمرار سياسة التمييز بين شعب وشعب، أو جهة وأخرى، فهو يقول عن هذه الجهة ما لا يقوله عن تلك، ويبيح لهذه ما لا يبيحه لتلك، وإلاّ فكيف نفهم، على سبيل المثال، حديثه عن ‘شرق أوسط’ خال من الأسلحة النووية، وحصره المشكلة بإيران وحدها، داعياً دول العالم أجمع للضغط عليها كي توقف برنامجها النووي، دون أن يشير بحرف واحد إلى مئتي رأس نووي في الترسانة الحربية الإسرائيلية، مع أنّ الإيرانيين صرّحوا مراراً وتكراراً أنّ مشروعهم النووي الذي لا يزال في طور الإنشاء مكرّس للأغراض المدنية السلمية، وقد صادق الروس على التصريحات الإيرانية مراراً وتكراراً!

في الاجتماع الأخير لمنظمة حلف شمال الأطلسي، الذي انعقد بمناسبة الذكرى الستين لإنشائه، حدّد أوباما لهذا الحلف مهمتين إستراتيجيتين رئيسيتين: الأولى هي انخراط أكبر لأعضاء الحلف الأوروبيين في الحرب الأفغانية المتجدّدة والمتعثّرة، زاعماً أنّ هذا البلد يشكّل تهديداً ‘إرهابياً’ هائلاً ضدّ أوروبا قبل غيرها! بينما ليس خافياً أنّ السيطرة الأمريكية على أفغانستان ضرورية فقط لأنّ موقعها يسمح بالتأثير الأمريكي/الأطلسي ضدّ الصين والهند وبلدان آسيا الصغرى وبحر قزوين وروسيا وإيران، وباكستان أيضا، بكلّ ما يعكسه مثل هذا التأثير من مصالح اقتصادية هائلة! أمّا المهمّة الثانية، التي حدّدها أوباما لحلف الأطلسي، فهي العمل على إخلاء العالم من الأسلحة النووية، وأن تتحوّل قواته إلى ما يشبه البوليس الدولي، فتكون متفوّقة بأسلحتها التقليدية في مواجهة دول كالصين والهند وإيران!

لقد وصف باراك أوباما الحرب ضدّ أفغانستان بأنّها تفوق في أهميتها الحرب ضدّ جدار برلين، وإنّ مغزى مثل هذا الوصف الذي يظهر أفغانستان كعقبة (جدار) واضح تماماّ! قال الرئيس الأمريكي: ‘لا يجوز لأوروبا أن تتوقع ببساطة تحمّل الولايات المتحدة الأعباء بمفردها.. على حلفاء أمريكا الأوروبيين زيادة جهودهم في أفغانستان، والنصر سيكون عسكرياً بفضل هذه الجهود، ومن أجل الانتصار في الحرب الأفغانية نحتاج إلى تحالف أقوى حتى من التحالف الذي أسقط جدار برلين’!

من جهة أخرى، فإنّ ما يلفت النظر في تصريحات الرئيس أوباما خلال جولته على مدى أسبوع هو ترداده لكلمة ‘ جدار’ و’جدران’ عدّة مرّات، ففي رسالته الموجّهة إلى المسلمين من اسطنبول قال: ‘أعتقد أنّه يمكننا بناء شراكة مع تركيا ومع العالم الإسلامي كلّه، فتبادل بسيط للآراء يمكنه إسقاط الجدران القائمة بيننا’! وكان قد تحدّث في براغ عن قضية ‘الجدار’ الصاروخي الأمريكي الذي يلقى معارضة شديدة من روسيا، والذي تزعم واشنطن أنّه سيقام لصدّ صواريخ إيران، ويا للعجب! أمّا تصريحات أوباما التي تحدّث فيها عن إقامة دولتين في فلسطين فقد جاء أحد ردود الفعل الإسرائيلية متضمناً بدوره ذكر الجدران، حيث قال متحدّث إسرائيلي: ‘على المرء أن يكون أبكم وأخرس كي لا يقرأ ما هو مكتوب على الجدار، فخطاب أوباما في البرلمان التركي يوضح عدم إمكانية التهرّب من المواجهة مع واشنطن’!

غير أنّ الرئيس الأمريكي، الذي تحدّث عن خطورة جدار برلين وعن الأهمية الدولية الفائقة لعملية إسقاطه، لم يشر من قريب أو بعيد إلى الجدران البيتونية الواقعية التي أقامها الإسرائيليون وحوّلوا بها الضفة الغربية إلى معازل ومتاهات وسجون تطوّق أسوارها السميكة المرتفعة القرى والبلدات والمدن الفلسطينية! ولم يشر من قريب أو بعيد إلى تكرار الأمريكيين في العراق للتجربة الإسرائيلية الإجرامية في فلسطين، حيث تحوّلت أحياء بغداد العريقة الخالدة إلى معازل تطوّقها الجدران البيتونية السميكة العالية! فكيف تحظى تصريحاته عن جدار برلين بالمصداقية بينما هو يتجاهل تماماً جدران فلسطين والعراق؟ وكيف تؤخذ تصريحاته ضدّ الأسلحة النووية على محمل الجدّ إذا لم يبدأها بالاعتذار من الشعب الياباني الذي قصف وحده بالقنابل النووية الأمريكية بعد أن توقف القتال، وبعد أيام من إعلان اليابان الاستسلام؟