النخبة، السلطة، المجتمع، والنهضة والحرية

مازن كم الماز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1867)

منذ بداية ما يسمى عصر النهضة والنخبة مستنفرة تحاول أن تكتشف أو تخلق الطريق الذي يؤدي إلى هذه النهضة. لكن الغريب أنه كلما بدا لهذه النخبة أنها أقرب ما يكون من هذا الطريق، اكتشفنا فجأة أننا ما زلنا بعيدين جدا حتى عن معرفة اتجاه هذا الطريق نحو النهضة. وقد تطور نتيجة ذلك اتجاه آخر في الإنتاج الفكري للنخبة، اتجاه إجباري هذه المرة، يتمثل في سعي النخبة الدائم لتبرير هذا العجز ونسبته إلى هذا السبب أو ذلك، في نفس الوقت تعتبر النخبة أن كل محاولات النهضة هذه كانت نتيجة لفعلها هي، أو على الأقل مشاركتها الضرورية، وبالتالي فإذا ما تمكنا ذات يوم من اكتشاف ذلك الطريق المؤدي إلى النهضة فهي ستكون نتيجة لهذا الفعل النخبوي.

سيفيدنا هنا أن نعود إلى التاريخ لنرى كيف كان دور النخبة في الإنتاج الحضاري في الفترة التي تعتبر العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية في القرون الوسطى.

لم يكن دور النخبة رئيسيا في الأحداث التي أدت إلى الانقلاب الأموي وتشكيل الدولة الأوتوقراطية. بدا كل شيء وكأنه كرة ثلج تستمر بالتدحرج من غزوة إلى أخرى ومن فتح إلى آخر دون أن يستطيع أي كان أن يدعي أنه صاحب الفضل في كل ما جرى. إن حالة الصعود هذه هي مثال كلاسيكي على التفسير الخلدوني لصعود الدول أو القوى الحضارية. في وقت لاحق مع ترسخ السلطة المطلقة للسياسي وتوفر حالة عالية من الرفاه الاقتصادي نتيجة الفتوحات بدأت النخبة إنتاجها الفكري والثقافي، تشكلت النخبة أولا من رجال الدين والأدباء خاصة، لم يكن بعد المشتغل بعلم الكلام أو الفيلسوف قد ظهر بعد. وقد لعبت في بداية تطور المجتمع العربي الإسلامي القروسطي دورا هاما في التعبير عن المجتمع وعن التيارات التي تضطرم داخله. فقد شكل رجال الدين والأدباء جزءا هاما من المعارضة للسلطة الأموية، رغم أن دورهم لم يكن أيضا مركزيا في تشكيل الفرق الإسلامية مرة أخرى، الذي حددته الأحداث داخل الأرستقراطية القبلية المتنافسة على السلطة. كان الخوارج والشيعة الأوائل ذوي اهتمام محدود بالإنتاج الفكري، بل يمكن القول أن الكتلة الأساسية من تلك النخبة، رجال الدين، شعراء، كانت تقف إلى جانب المعارضة ويكفي أن نذكر الحسن البصري وسعيد بن المسيب وأبا حنيفة النعمان وأن نذكر أن أقرب أفراد النخبة للسلطة، إذا استثنينا بعض الأزلام المباشرين، كانوا القائلين بموقف سلبي من استبداد وظلم السلطة كعبد الله بن عمر مثلا.

عمليا كانت كل الفرق الإسلامية في المعارضة، حتى المرجئة كانوا في صف المعارضة، بينما نجد أن المعتزلة التي تطورت عن القدرية تقف إلى جانب الانقلاب الذي قام به الأمير الأموي الوليد بن يزيد داخل القصر والذي هدف إلى تأسيس سلطة جديدة تماما متناقضة بالكامل مع ماضي السلطة الأموية.

بعد هذا بدأ التراجع فورا، كان عمرو بن عبيد، المؤسس الثاني للمعتزلة إلى جانب واصل بن عطاء، قد عبر عن الانتقال إلى المعارضة السلبية للسلطة، العباسية هنا، عندما أكد رفضه للسيف ورفضه دعم خروج ذوي النفس الزكية على الخليفة العباسي الثاني المنصور. على العكس مثلا من مرجئي كالإمام أبي حنيفة النعمان.

سنبدأ بملاحظة أنه كلما أوغل المعتزلة في الإنتاج الفكري المعقد فيما يخص مواضيع أكثر تجريدا كصفات الله وخلق القرآن كلما أصبح المعتزلة يقتربون أكثر فأكثر من السلطة القائمة التي كانت تبحث عن قاعدة فكرية عقيدية لتبرير وجودها ووضعيتها المطلقة، أي كفكر رسمي للدولة كما يسمى حاليا، وكان سعيهم لعقلنة النص المقدس وراء واحدة من أقسى المحاولات لفرض فكر رسمي تبريري “عقلاني” تولوا هم خلق جانبه النظري. هذا لا يعني أن القسم الرافض لأية عقلنة من المؤسسة الدينية وقف ضد السلطة. فقد أصر ابن حنبل، الخصم الرئيسي للمعتزلة، على أن يوجه نقده ضد خصومه الفكريين المقربين من السلطة دون تلك السلطة، ورفض ابن حنبل رفضا قاطعا حتى فكرة الخروج على السلطان، وتبعه في ذلك ابن تيمية وابن الجوزية وغيرهم من طلابه الهامين.

وعندما انقلب المتوكل على المعتزلة أصبحوا هم مكانهم، في إخضاع الفكر، الرافض للعقلانية هنا، لخدمة مصالح ومآرب السلطة، الأشكال الأكثر جذرية من العقلانية، كالفلسفة المشائية، نشأت عموما في قصور السلاطين، ابن سينا، الفارابي، ابن رشد، كان من الواضح أنه مع تعقيد مستوى الإنتاج الفكري للنخبة كانت هذه النخبة تصبح طبقة أشد عزلة عن المجتمع، ذات مصالح وأفكار خاصة بها، تتعلق بمحاولة قيادة المجتمع أو توجيهه، ولو من وراء وفي ظل السلطة المستبدة.

بالنسبة للمفكرين العقلانيين كان تحويل هذه السلطة إلى سلطة متنورة هو هدفهم السياسي الفعلي، وبالنسبة للمنكرين لهذه الاتجاهات العقلانية كان تحويل السلطة عن تلك الاتجاهات وقمعها هو هدفهم السياسي المعلن، المحاولة الأخيرة لتكوين معارضة، أو بديل، حقيقي للسلطة تمثلت في حركة إخوان الصفا، وامتدادها في الحركة الإسماعيلية.

لقد أنشأت هذه الحركتان أكبر منظمة هرمية شديد التنظيم لبناء بديل عن الخلافة العباسية، لكنها استندت إلى أشد موقف تسليمي من الجماهير تجاه النخبة، عندما اعتبرت الإمام المعصوم هو مصدر الحقيقة عن الواقع وهو الحاكم المطلق الجدير هذه المرة.

هناك مفاهيم وضعها اليسار اللاستاليني في أواسط القرن العشرين وهي المادية والمثالية النقديتين، والمادية والمثالية غير النقديتين. السلطة، لا مشكلة لديها مع المثالية ولا حتى المادية غير النقديتين، بل إن هذه الخطابات تشكل عادة أساس الخطابات السلطوية. في المادية والمثالية غير النقديتين تصبح النخبة جزءا عضويا من بنية السلطة، التي يمكن أن تتغير من “اليسار” إلى “اليمين” وبالعكس وفقا لمصالحها الخاصة، دون أن يعني هذا تغييرا جديا في بنيتها الفعلية، انقلاب المتوكل على المعتزلة، انقلاب بيروقراطية الدولة الناصرية على “الناصرية” نفسها.

إن تمايز النخبة يقوم على واقع هو أنها أكثر تطورا من الجماهير، أنها تملك القدرات لإنتاج فكري ذي معنى، والسلطة تستخدمها عادة بسبب هذه القدرات الحصرية التي تمتلكها. لكن الشرط الأول والدائم لهذا التمايز هو في إبقاء الجماهير بحالة تخلف سياسي وفقر فكري، هذا يضع مصالح النخبة كنخبة في مواجهة الناس العاديين، في مواجهة البشر الآخرين، الذين يجب أن يبقوا مادة للانقياد، في أفضل أحوالها أرادت النخبة أن تحكم الجماهير بنفسها على شاكلة جمهورية أفلاطون – الفارابي التي يقودها الفلاسفة واعتبرت هذا هو أفضل حالة ممكنة للسلطة. ولكنها على الأغلب اكتفت بدور “مفكري” السلطة، في حالة النهضة العربية المعاصرة فإنها تمثل قدرة مجتمعية أكثر منها حالة سلطوية أو نخبوية. إن قراءة النهضة الغربية أو صعود الإمبريالية (ومن ثم الإمبراطورية) الأمريكية يمكننا من تحديد العوامل الموضوعية، والذاتية دون شك، في عملية النهضة هذه، حيث لعبت النخبة دور الناطق وخالق الخطاب الفكري للطبقات الموجودة، وغالبا للطبقات السائدة، لكن من السخف الزعم بأن النهضة كانت نتاجا لفعل النخبة، وحده على الأقل، انتقلت النخبة من الترويج لمثالية غير نقدية إلى مادية غير نقدية وبالعكس.

في عالمنا العربي انتقل ولاء النخبة من الليبرالي القومي في مطلع القرن العشرين إلى القومي الاشتراكي في منتصفها وأخيرا الليبرالي الغربي أو المركزي الأوروبي في نهايته دون أن يعني هذا أكثر، أو دون أن يؤدي، إلى أكثر من تغيير في خطابات الأنظمة السائدة. بقيت بنية الأنظمة القائمة شبه ثابتة وبقيت البنى الاقتصادية والاجتماعية تدور في دوائر مغلقة تعيد إنتاج التخلف الاجتماعي باستمرار. إن المادية النقدية (أي التي تقوم أساسا على نقد الوضع القائم وخاصة علاقات السلطة والملكية السائدة) تختلف تماما عن المادية غير النقدية، رغم سعي “الماديتين” لاستنباط أفكارهما من مرجعية فكرية واحدة، في الحقيقة هناك فرق جذري في النهاية بين الماديتين في النظر إلى كل شيء، خاصة قضية الحرية، التي تصبح حرية الناس العاديين في الأولى وخضوعهم لحكم “متنور” أو “رشيد” في الحالة الثانية. في الحالة الأولى تصبح المادية النقدية ناطقة بلسان الجماهير نفسها بالضرورة وفي الثانية بلسان النخبة في أحسن الأحوال، وبلسان السلطة في الأغلب.

هذا لا علاقة له بالنهضة العامة، إنه جوهر الصراع السياسي والاجتماعي الدائر في مجتمعاتنا.