تجليات العبث “الإسرائيلي” في ديارنا

فهمي الهويدي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1867)

لسنا بحاجة إلى سيناريو “المؤامرة” لكي نتتبع تجليات الاختراق والعبث “الإسرائيليين” في دول المنطقة. فالوثيقة التي تسربت حول الشهادة المثيرة التي أدلى بها المسؤول الأمني الأول في الدولة العبرية تسلط أضواء كافية على تدابيرهم ومخططاتهم، تغنينا عن الاجتهاد والتخمين في الموضوع.

(1)

الحديث كان عن إستراتيجية الدولة العبرية في المنطقة، التي تناولتها محاضرة آفي ديختر رئيس “الشاباك” السابق “جهاز أمن الدولة “الإسرائيلية”” الذي صار وزيراً للأمن الداخلي في حكومة إيهود أولمرت. وهو في منصبه الأخير أدلى بشهادته أمام الدارسين في معهد أبحاث الأمن القومي “الإسرائيلي”، وهذه خلاصة لكلامه، حيث اضطررت لاختصار بعض المعلومات التفصيلية، لاعتبارات تتعلق بالحيز لا أكثر.

في ما يخص الساحة الفلسطينية قال ديختر إن “إسرائيل” استخدمت فيها كل الخيارات. فخيار القوة مشهور ومعلوم للكافة. أما الخيار الثاني الذي لجأت إليه فيتمثل في السعي المستمر لتعميق الصراع بين الفصائل الفلسطينية وبين السلطة التي أفرزتها اتفاقية أوسلو 1993. وذكر في هذا الصدد أنه حين كان رئيساً للشاباك، شارك في إعداد الحملات والملاحقات ضد ما أسماه “المنظمات الإرهابية”، التي قامت بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية، خاصة جهاز الأمن الوقائي. وقال صراحة إنه في تلك المهمة وجد تعاوناً على أوسع نطاق من مسؤول الأمن في غزة، ومسؤول الأمن في الضفة!! وحسبما ذكر فإن تلك الحملات أدت إلى إفشال مئات العمليات “التخريبية”. كما أدت إلى اعتقال العشرات من قيادات وكوادر تلك المنظمات، وأسهمت في وصول اليد “الإسرائيلية” إلى قيادات مهمة مثل المهندس يحيى عياش والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والشيخ أحمد ياسين وأبو شنب وأبو علي مصطفى وغيرهم.

تباهي ديختر بأن الصراع الذي دارت رحاه بين حركتي حماس وفتح كان نتاج سياسة “إسرائيلية” محكمة. وقال إن ثمة عوامل ساعدت على إنجاح ذلك المخطط، منها مثلاً إدراك الجهات المعنية في “إسرائيل” لعمق العداء لحركتي حماس والجهاد، بين قادة المؤسسة الأمنية الفلسطينية ومعهما بعض قيادات السلطة وفتح. وهو العداء الذي ظهر جلياً بعد رحيل أبو عمار. من تلك العوامل أيضا شعور قادة الأجهزة الأمنية بأن تنامي حركة حماس يشكل تهديداً وجودياً لهم، واقتناعهم بضرورة حسم هذه المسألة خصوصاً بعدما تولى أبو مازن رئاسة السلطة.. وأضاف في هذا الصدد أن تيار الحسم الذي يستهدف قمع حركة حماس وإقصاءها لقي تأييداً مالياً وسياسياً ومعلوماتياً ليس من “إسرائيل” وحدها، وإنما أيضا من الولايات المتحدة والرباعية الدولية. وخلص الرجل إلى أن استمرار الصراع في الساحة الفلسطينية يحقق مصلحة “إسرائيلية” من الدرجة الأولى، وأن القضاء على حماس والجهاد يظل هدفاً استراتيجياً ينبغي ألا تتوقف مساعي تحقيقه بكل السبل.

(2)

في شهادته اعتبر ديختر أن لبنان “أكثر بيئة إقليمية تفرض التحدي الاستراتيجي على “إسرائيل””. وقال إن خيار القوة استخدمته “إسرائيل” مع حزب الله في عام ،2006 وعدم نجاحها في تلك الجولة لا يعني استبعاد ذلك الخيار، الذي سيظل قائماً والاستعداد له مستمراً بوتيرة عالية. في الوقت ذاته فإن “إسرائيل” لم تتوقف عن السعي لإحداث الاضطراب وتعميق الشقاق في الساحة اللبنانية. وقد حققت في ذلك نجاحات عدة، منها مثلاً أنها استطاعت خلق بيئة معادية للمنظمات الفلسطينية “توجت” باندلاع الحرب الأهلية عام 1975. في هذا الصدد أشار إلى التنسيق الذي قام بين “إسرائيل” وبين بعض القوى اللبنانية في تلك الحرب. حيث زودت “إسرائيل” تلك القوى بالسلاح والأموال، بموافقة رئيس الوزراء آنذاك إسحاق رابين ووزير الدفاع شمعون بيريز.

ومن هذه النقطة استطرد قائلا إن المجهودات “الإسرائيلية” الاستخباراتية داخل لبنان والسياسية في المحافل الدولية، هي التي أجبرت السوريين على الانسحاب من لبنان.

الدور “الإسرائيلي” في إيجاد بيئة معادية للمنظمات الفلسطينية في السبعينات تكرر مع حزب الله، الذي بذلت الأجهزة “الإسرائيلية” جهداً خاصاً لتشويه صورته وحصاره ومحاولة استنزافه وتمزيق قوته.. وهي في ذلك تخوض حرباً سرية لم تتوقف ضد الحزب بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية. حيث تقوم بحشد المنظمات وإقامة المعسكرات للفرق التي تلتقي مع البلدين حول هدف التخلص من “خطره”. وتحدث في هذا السياق عن معسكرين لم يفصح عنهما تتطلع “إسرائيل” إلى مساندتهما وتعظيم قوتهما في لبنان، لكسب المواجهة الحاسمة ضد حزب الله.

بالتوازي مع ذلك أضاف صاحبنا أن “إسرائيل” تجرب مع الولايات المتحدة محاولة اختراق الساحة اللبنانية وزرع الاختلالات فيها، لتعميق النزاعات السياسية والمذهبية والطائفية، وقطع الطريق أمام تحقيق التوافق بين القوى السياسية، ومن ثم استمرار إذكاء العداء لحزب الله ولسوريا وإيران.

أما سوريا فمن رأيه أنها غير جادة في التوصل إلى سلام مع “إسرائيل”، وأن أولمرت اعتبر أن التفاوض معها يخدم خيارات “إسرائيلية” في التعامل مع كل من إيران وحزب الله، وهو ما لم يؤيده ديختر الذي ذكر أن خيار استخدام القوة ضد سوريا يؤيده قطاع عريض من القيادتين السياسية والعسكرية.

إلى جانب ذلك اعتبر أن ثمة خيارات ثلاثة متاحة في الوقت الراهن للضغط على سوريا، أولها إستراتيجية “شد الأطراف” التي كانت مطبقة منذ الخمسينات، وبمقتضاها لعبت تركيا دوراً مهماً في الضغط على سوريا، ولكن بعد التحسن الذي طرأ على علاقات أنقرة ودمشق خلال السنوات الأخيرة، فمن الممكن أن يقوم الأكراد بهذا الدور. وهو ما سعت إليه “إسرائيل” خلال السنوات الخمس الأخيرة، حين بذلت جهوداً حثيثة لتشجيع الأكراد على إقامة كيان خاص بهم في شمال العراق، أصبح الآن دولة من الناحية العملية، معتبرة أن الدور الكردي في الضغط على سوريا يمكن أن يعوض الدور التركي.

الخيار الثاني يتمثل في استخدام الساحة اللبنانية للضغط على سوريا، وحسب كلام ديختر فإن لـ”إسرائيل” أصدقاء في لبنان على استعداد للقيام بهذا الدور، لكنهم لا يريدون الكشف عن العلاقات التي تربطهم بتل أبيب، التي تحرص على استثمار موقف أولئك الأصدقاء بالتعاون مع الولايات المتحدة.

الخيار الثالث يكمن في التعامل مع المعارضة السورية، وتكرار تجربة”إسرائيل” مع المعارضة العراقية، حين ساندتهم سياسياً ووفرت لهم الدعم المالي الأمريكي كما دربتهم عسكرياً، وهو نفس الأسلوب الذي اتبع مع بعض القوى المعارضة في السودان ولبنان.

في ختام هذه النقطة قال ديختر إن “شد أطراف” الساحة السورية أمر ميسور، وإن هناك منافذ عدة تحقق ذلك الغرض، عبر الأردن ولبنان وكردستان العراق.

(3)

المعادلة الحاكمة لموقف “إسرائيل” الإستراتيجي من العراق تنطلق من الحرص على تقويض مظان القدرات العربية في دولها الرئيسية، من أجل تحقيق المزيد من الأمن القومي “الإسرائيلي”. هذه كلمات ديختر التي أضاف عليها أن العراق لا ينبغي أن يعود إلى سابق عهده وقوته، بحيث يصبح دولة مواجهة ضد “إسرائيل” وصاحبة دور على الصعيدين العربي والإقليمي، وهم يعولون كثيراً على الأكراد الذين يحتفظون معهم بعلاقات تاريخية وثيقة منذ السبعينات، ولكنهم لا يريدون الاكتفاء بما يمثلونه من ضمانة لهم في شمال العراق، ولكنهم يتطلعون إلى توفير تلك الضمانة في بغداد ذاتها، حيث تحاول الأجهزة “الإسرائيلية” نسج علاقات مع بعض النخب السياسية والاقتصادية تستهدف إبقاء العراق خارج دائرة الدول العربية المشتبكة مع “إسرائيل”، في هذا الصدد ذكر الرجل أن تحييد العراق عن طريق تكريس أوضاعه الحالية ليس أقل أهمية وحيوية من تكريس وإدامة تحييد مصر.

فيما يخص مراهنتهم على الأكراد، ذكر ديختر أن ثمة التزاماً من القيادة الكردية بإعادة تشغيل خط نقل النفط من كركوك إلى حيفا عبر الأردن، الذي نوقش مع مسؤوليه. وإذا ما تراجع الأردن فهناك البديل التركي، أي مد خط كركوك من كردستان إلى تركيا ثم “إسرائيل”، وهذا المشروع تمت دراسته لتوصيل أنابيب المياه والنفط مع تركيا ومن تركيا إلى “إسرائيل”.

حين تطرق الرجل إلى إيران، فإنه اعتبرها “أكثر الساحات تهديداً لـ”إسرائيل” وتصديراً للتحديات”. وقال إن الحل الأمثل هو تقويض النظام القائم في طهران واستبداله بنظام علماني يستطيع أن يتفاهم مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”. لذلك فإنه انحاز إلى فكرة العمل العسكري الذي يستطيع أن يحقق هذا الهدف، وإلى جانب ذلك هناك خياران آخران هما: أولا الضغط على إيران من خلال الوجود الأمريكي في العراق، ودعم منظمة مجاهدي خلق، واستخدام النفوذ الأمريكي في الخليج، وتطويق إيران من خلال الدول المحيطة بها. أما الخيار الآخر فيتمثل في تفكيك الدولة الإيرانية التي تضم عرباً وأكراداً وبلوشاً وفرساً وأتراكاً.. إلخ وهذه مهام لن تتحقق لها الفاعلية المطلوبة إلا إذا شاركت فيها الولايات المتحدة بشكل جاد.

في رأيه أن لدى “إسرائيل” معلومات تشير إلى أن إيران قد تنتهي من صنع أول رأس نووي في العام الحالي (2009)، كما أنها حصلت من روسيا على منظومة متطورة جداً مضادة للجو، وهي أمور ينبغي ألا تسكت عليها “إسرائيل”، التي ينبغي أن تتحرك لمواجهتها بحزم وسرعة.

(4)

ختم ديختر محاضرته بحديث عن السودان، كنت قد أشرت إلى بعض جوانبه في مقال سابق، وقد لخص رؤيته في أن السودان ينبغي ألا يصبح قوة مضافة للعالم العربي. ونقل عن بن جوريون وغيره من الآباء المؤسسين للدولة العبرية قولهم إن إضعاف السودان يجب أن يتم من خلال تشتيت جهوده وتبديد طاقاته، وهو الموقف المبدئي الذي دفع تل أبيب إلى تكثيف أنشطتها في الجنوب وفي دارفور، وتتطلع إلى إثارة القلاقل في بقية أنحاء السودان، وحسب تعبيره فإن هناك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف في السودان، بما يؤدي إلى استقلال الجنوب فيه، وإقليم دارفور على غرار استقلال كوسوفو، وبالتالي يتم تقسيم البلد إلى عدة كيانات مثلما حدث مع يوغسلافيا التي انقسمت إلى ست دول. وهذا المخطط ماض في طريقه بنجاح، ستكون أولى ثمراته إعلان استقلال الجنوب قبل موعد إجراء الاستفتاء على ذلك في عام 2011.

ثمة أسئلة عديدة تلح على المرء وهو يستعرض هذه المعلومات منها مثلا: هل هناك أحد في العالم العربي يفكر في هذه الأمور، وهل هناك تشاور من أي نوع بين أركانه حول كيفية التعامل مع العبث “الإسرائيلي” الذي لا يزال يرى أن “إسرائيل” لن يهدأ لها بال، إلا إذا تم إنهاك وتفكيك العالم العربي وتدمير القوة الإيرانية. لست واثقاً من وجود رد إيجابي عن هذه التساؤلات، الأمر الذي يدفعني إلى تخفيض سقف التوقعات والاكتفاء بإبلاغ القارئ، لكي يكون على وعي بما يحيط به. والأمر متروك له بعد ذلك، ولله الأمر من قبل ومن بعد.