الجامعات تهدد المجتمع

فهد الخيطان

مع نهاية كل يوم دراسي تقريبا تقع مشاجرة بين طلاب الجامعات »حكومية وخاصة«. آفة العنف الطلابي التي أصابت جامعاتنا في السنوات الأخيرة كانت نتيجة متوقعة لسياسة “الأمننة” التي غّلفت الحياة الأكاديمية فاستُبدلت الروابط الوطنية والأكاديمية بالهويات العشائرية والجهوية والاقليمية.

منذ عامين تقريبا تنبهت الدولة إلى مخاطر هذه السياسة على التعليم الجامعي والحياة الطلابية، بيد أن الحكومات المتعاقبة لم تتجرأ على مراجعة السياسات القائمة واكتفت بإجراءات محددة تم بموجبها تغليظ العقوبات على الطلبة المتورطين في أعمال عنف. بمعنى آخر تعاملت إدارات الجامعات والجهات الرسمية مع أعراض المشكلة وتغاضت عن جوهر القضية الذي يتطلب إعادة تعريف الحركة الطلابية وموقع هذه الشريحة في الحياة العامة الأردنية.

تغليظ العقوبات لم يوقف العنف إنما ولد أشكالا أكثر خطورة على المجتمع بعدما أصبحت معظم المشاجرات الطلابية تقع خارج أسوار الجامعة.

مفارقة مأساوية بلا شك، فالجامعات التي كانت تخرج الكفاءات صارت تصدر أسوأ أشكال العنف والعصبية للمجتمع.

واجزم الآن أن هذا التطور الخطير في ظاهرة العنف الطلابي ستكون له نتائج وخيمة في المستقبل عندما ينقل “رواده” بذوره إلى حاراتهم وبلداتهم وأحيائهم السكنية. والأسوأ من ذلك انه يكرس عند جيل فتّي ثقافة الهويات الفرعية والدونية يحملونها معهم في المنزل والعمل والحياة.

ما يحصل في الجامعات ليس معزولا عن المجتمع فهو حصاد لسنوات من الفشل في برامج الإصلاح السياسي والتعليمي وسواها من المجالات المتشابكة، فتحت حزمة من المزاعم عن خطر الأحزاب والإسلاميين على الحياة الجامعية انخرطت أجهزة حكومية في خطة منظمة لعزل الطلاب خلف الأسوار عن مجتمعاتهم وإحياء الولاءات العشائرية والإقليمية والجهوية لمواجهة الأحزاب وجرى تفريغ الجامعات من كل مظاهر التفكير الإبداعي وأشكاله وتوجيه المجاميع الطلابية نحو ثقافة وطنية عصبوية لا يمكن أن تنتج غير مليشيات وعصابات تتقاتل على أتفه الأسباب.

والوضع في الجامعات الخاصة لا يختلف بالمطلق عن”الحكومية” إن لم يكن، أسوأ أيضا فقد كانت هي الاخرى ضحية “الأمننة” وعقلية البزنس التي لا يفرق أصحابها بين إدارة الجامعة والسوبر ماركت.

بعض إدارات الجامعات علقت الآمال على الانتخابات الطلابية لتعديل المزاج العام بيد أن هذا التوجه كان بلا معنى ومجرد إجراء شكلي معزول لان نجاحه يتطلب عملية إصلاح متكاملة لم تقدم الجامعات عليها بعد.

الخروج من نفق العنف المظلم ما زال ممكنا لكنه يحتاج لإرادة لم تتوفر لغاية الآن. إرادة عند الدولة كلها وليس إدارات الجامعات المحكومة هي الأخرى بالأمننة والمصالح الوظيفية.

لا تأملوا بنهضة وطنية وتقدم اجتماعي والجامعات الأردنية بهذا الوضع وطلابها أسرى الولاءات الضيقة والأفكار السلفية العدمية.